ش: أي هذا باب في بيان البدنة عن كم نفس تجزئ إذا ضحي بها، والبدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهي بالإبل أشبه، وسميت بدنة لعظمها وسمنها.
ص: حدثنا فهد قال: ثنا يوسف بن بهلول قال: ثنا عبد الله بن إدريس قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: "خرج رسول الله -﵇- عام الحديبية يريد زيارة البيت وساق معه الهدي، وكان الهدي سبعين بدنة وكان الناس سبع مائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة".
ش: رجالة ثقات ويوسف بن بهلول التميمي الأنباري نزيل الكوفة وشيخ البخاري، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري والمسور بن مخرمة بن نوفل القرشي له ولأبيه صحبة توفي رسول الله -﵇- وهو ابن ثمان سنين، وقد روى عن رسول الله -﵇- وصح سماعه عنه.
ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي ولد بعد الهجرة بسنتين وقيل: بأربع، ولم يصح له سماع من النبي -﵇-، وقد روى عن النبي -﵇- حديث الحديبية بطوله ولم ير النبي -﵇-؛ لأنه خرج إلى الطائف طفلا، لا يعقل لما نفى النبي -﵇- أباه الحكم وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان -﵁- فردهما.
والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو شعيب الحراني نا أبو جعفر النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما قالا: "خرج رسول الله -﵇- عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة وكان الناس سبع مائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة نفر".
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٢٠/ ١٥ رقم ١٤).
[ ١٢ / ٥٢٤ ]
وأخرج البخاري (١) حديث المسور ومروان في أمر الحديبية في مواضع متعددة مطولا ومختصرًا.
فأخرج في الوكالة وفي الخمس وفي المغازي: عن سعيد بن عفير.
وفي العتق والهبة: عن سعيد بن أبي مريم.
وفي الهبة وفي الصلح: عن ابن بكير ثلاثتهم عن الليث عن عقيل.
وفي الحج: عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك عن معمر مختصرًا.
وعن محمود عن عبد الرزاق عن معمر.
وفى الشروط: بطوله عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق عن معمر.
وفي المغازي: عن إسحاق عن يعقوب عن ابن أخي الزهري مختصرًا.
وفي الأحكام: عن إسماعيل بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم عن موسى بن عقبة مختصرًا.
وفي المغازي: عن علي عن ابن عيينة مختصرًا كلهم عن الزهري عن عروة بهذا.
وفي المغازي أيضًا: عن عبد الله بن محمد عن ابن عيينة قال: سمعت الزهري حين حدث هذا وتبعني معمر فذكره.
وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) مختصرًا.
ص: قال: أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلى أن البدنة تجزئ في الهدايا والضحايا عن عشرة واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق ومالكًا -﵏- فإنهم قالوا: تجزئ البدنة في الضحايا والهدايا عن عشرة أنفس وهو مذهب الظاهرية،
_________________
(١) انظر "تحفة الأشراف" للمزي (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢ رقم ١١٢٥٠).
(٢) "سنن أبي داود" (٢/ ١٤٦ رقم ١٧٥٤).
(٣) "المجتبى" (٥/ ١٦٩ رقم ٢٧٧١).
[ ١٢ / ٥٢٥ ]
إلا أن مذهب مالك على التفصيل على ما نذكره الآن، وروي ذلك عن بن عباس، وعلي، وحذيفة، وجابر -﵃-، قاله ابن حزم (١).
وقال أبو عمر (٢): اختلفوا في البدنة والبقرة هل تجزئ عن سبعة محصرين أو متمتعين أم لا؟ فقال مالك: لا يجوز الاشتراك في الهدي ولا البقرة عن من وجب عليه دم إلا عن واحد، قال: ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب ولا في الضحايا.
قال أبو عمر: لم يختلف عن مالك وأصحابه أنه يجوز الاشتراك في الهدي في الواجب إلا رواية شذت عند أصحابه عنه، واختلف قوله في الاشتراك في التطوع، فذكر ابن عبد الحكم عنه: لا بأس بذلك، وكذلك ذكر ابن المواز وروى ابن القاسم عنه: أنه لا يجوز الاشتراك في هدي تطوع أو واجب أو نذر أو جزاء أو فدية، وهو قول ابن القاسم قال: وأما الضحايا فجائز أن يذبح الرجل البدنة أو البقرة عن نفسه وعن أهل بيته، وإن كانو أكثر من سبعة يشركهم فيها، ولا يجوز عنده أن يشتروها بينهم بالشركة فيذبحونها بينهم، إنما تجزئ إذا تطوع عن أهل بيته ولا يجزئ عن الأجنبيين أو نحو هذا قال في "الموطأ": وقال الليث بن سعد مثله في الإبل والبقر.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا تجزئ البدنة إلا عن سبعة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، والثوري، وأبا حنيفة، والشافعي، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، فإنهم قالوا: "لا تجزئ البدنة إلا عن سبعة أنفس، وروي ذلك عن علي، وأنس بن مالك، وابن مسعود، وعائشة -﵃-.
_________________
(١) "المحلى" (٧/ ١١٩).
(٢) "التمهيد" (١٢/ ١٥٤).
[ ١٢ / ٥٢٦ ]
ص: وقالوا: قد روي عن النبي -﵇- في نحر البدن يوم الحديبية ما يخالف هذا وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عامر العقدي قال: ثنا مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن جابر -﵁-: "أنهم نحروا يوم الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة".
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه. . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار وأبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: "نحرنا مع رسول الله - ﷺ - البدنة عن سبعة نفر، فقيل لجابر: والبقرة؟ فقال: هي مثلها، وحضر جابر عام الحديبية قال: ونحرنا يومئذ سبعين بدنة".
حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن عمران قال: حدثني أبي قال: حدثني ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر -﵁- قال: "نحر رسول الله -﵇- يوم الحديبية سبعين بدنة، وأمرنا أن يشترك منا سبعة في البدنة".
حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو داود قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: "نحرنا مع رسول الله -﵇- سبعين بدنة البدنة عن سبعة".
حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا هدبة بن خالد قال: سمعت أبان بن يزيد يحدث عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: "الجزور عن سبعة".
فهذا جابر بن عبد الله يخبر عن رسول الله -﵇- بما ذكرنا وهو كان معه حينئذ.
ش: أي قال هؤلاء الآخرون: قد روي عن النبي -﵇- في نحر البدن -وهو جمع بدنة- يوم الحديبية ما يخالف ما رواه المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وما رواه جابر أولى بالعمل؛ لأنه يخبر عن رسول الله -﵇- بشيء وهو كان حاضرًا هناك، وقد شاهد ذلك عن النبي -﵇- بخلاف ما روى المسور ومروان، أما مروان فإنه لم ير رسول الله -﵇- كما ذكرنا، وأما مسور فإنه وإن كان قد
[ ١٢ / ٥٢٧ ]
صح سماعه عن النبي -﵇- لكن لم يكن معه يوم الحديبية فخبر الذي أخبر عن مشاهدة وعيان أقوى من غيره وأولى بالعمل ولا سيما أنس -﵁- قد روى عنه -﵇- أنه قال: "الجزور عن سبعة".
أما حديث جابر فأخرجه من خمس طرق:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن مالك بن أنس عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي عن جابر.
وأخرجه مسلم (١): عن قتيبة وعن يحيى بن يحيى عن مالك.
الثاني: رجاله كلهم رجال الصحيح عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب عن مالك عن أبي الزبير عن جابر -﵁-.
وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي عن مالك.
وأخرجه النسائي (٣) والترمذي (٤): من طريق قتيبة عن مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وابن ماجه (٥) عن محمد بن يحيى الذهلي عن عبد الرزاق عن مالك.
الثالث: على شرط مسلم عن محمد بن خزيمة عن عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري عن عبد الملك بن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير محمد بن مسلم كلاهما عن جابر.
وأخرجه مسلم (٦): عن محمد بن حاتم عن يحيى القطان وعن محمد بن حاتم عن
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢/ ٩٥٥ رقم ١٣١٨).
(٢) "سنن أبي داود" (٣/ ٩٨ رقم ٢٨٠٩).
(٣) "السنن الكبرى" (٢/ ٤٥١ رقم ٤١٢٢).
(٤) "جامع الترمذي" (٤/ ٨٩ رقم ١٥٠٢).
(٥) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١٠٤٧ رقم ٣١٣٢).
(٦) "صحيح مسلم" (٢/ ٩٥٥ رقم ١٣١٨).
[ ١٢ / ٥٢٨ ]
محمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر: "اشتركنا بالحديبية ونحن مع النبي -﵇- السبعة في البقرة والسبعة في البدنة".
الرابع: عن فهد بن سليمان عن محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي شيخ البخاري في كتاب "الأدب" عن أبيه عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه فقال: عن أبي الزبير عن جابر -﵁-.
الخامس: بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي عن أبي عوانة الوضاح اليشكري عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري عن سليمان بن قيس اليشكري البصري عن جابر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، ثنا أبو بشر، أنا سليمان بن قيس، عن جابر بن عبد الله قال: "نحرنا مع رسول الله -﵇- يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة".
وأما حديث أنس -﵁- فأخرجه بإسناد صحيح عن أحمد بن داود المكي عن هدبة بن خالد البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود عن أبان بن يزيد العطار عن قتادة عن أنس -﵁-.
قوله: "يوم الحديبية" وهو موضع من الأرض في أول الحرم منه حل ومنه حرم بينه وبين مكة نحو عشرة أميال أو خمسة عشر ميلًا، وهو وادٍ قريب من بلدح على طريق جدة، ومنزل النبي -﵇- بها معروف مشهور بين الحل والحرم نزله النبي -﵇-، واضطرب به بناؤه حين [صده] (٢) المشركون عن البيت، وذلك سنة ست ونزل معه أصحابه، فعسكرت قريش لصد النبي -﵇- بذي طوى وأتاه الحليس بن علقمة وابن زيان أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة
_________________
(١) "مسند أحمد" (٣/ ٣٥٣ رقم ١٤٨٥٠).
(٢) في "الأصل، ك": صدّ والمثبت من "عمدة القاري" (١٢/ ١٤٧).
[ ١٢ / ٥٢٩ ]
فأخبراه أنهم قد عسكروا بذي طوى، وحلفوا أن لا يدخلها عليهم عنوة أبدًا، وكان رسول الله -﵇- قصد مكة زائرًا للبيت ومعظمًا له ولم يقصد لقتال قريش، فلما اجتمعوا لصده عن البيت بعث إليهم عثمان بن عفان -﵁- يخبرهم أن رسول الله -﵇- لم يأت لحرب وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا له، فخرج عثمان -﵁- حتى أتى مكة فأخبرهم بذلك فقالوا له: إن شئت أنت [أن] (١) تطوف بالبيت فطف وأما محمد فلا في عامه هذا فقال عثمان: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله -﵇-، واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله -﵇- أن عثمان قتل، فقال رسول الله -﵇- حين بلغه ذلك: لا نبرح حتى نناجذ القوم. ودعا رسول الله -﵇- إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة فكان الناس يقولون: بايعهم على الموت، وكان جابر بن عبد الله -﵁- يقول: لم يبايعنا على الموت، وإنما بايعنا على أن لا نَفِرُّ، ثم أتى رسول الله -﵇- أن الذي قيل من أمر عثمان -﵁- وذكر من قتله باطل، ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو العامري إلى الرسول -﵇-، فصالحه عنهم، على أن يرجع عامه ذلك ولا يدخل مكة عليهم وأنه إذا كان عام قابل خرجت قريش عن مكة فيدخلها رسول الله -﵇- وأصحابه وأقاموا بها ثلاثًا. . . إلى سائر ما قاضوه وصالحوه عليه مما ذكره أهل السير فسمي عام القضية وهو عام الحديبية، فلما فرغ رسول الله -﵇- من الصلح قام إلى هديه فنحره وحل من إحرامه وأمر أصحابه أن يحلوا وينحروا ونحر وحلقوا رؤوسهم وقصر بعضهم فدعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين واحدة وحلوا من كل شيء، وكان رسول الله -﵇- قد أحرم يومئذ بعمرة ليأمن الناس حربه، وليعلموا أنه خرج زائرًا للبيت ومعظمًا له، واختلف في موضع نحره -﵇- لهديه، فقال قوم: نحر في الحل، وقال آخرون: بل نحر في الحرم، وقد مر الكلام فيه مستقصى في كتاب الحج.
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "عمدة القاري" (١٢/ ١٤٨).
[ ١٢ / ٥٣٠ ]
ص: وقد روي عن علي وعبد الله -﵄- من [قوله] (١) ما يوافق هذا في البدنة أنها عن سبعة.
حدثنا فهدٌ قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا إسرائيل عن عيسى بن أبي عَزَّةَ عن عامر عن علي وعبد الله -﵄- قالا: "البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة".
ش: أي قد روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ما يوافق من قولهما حديثي جابر وأنس -﵄- في حكم البدنة أنها تجزئ عن سبعة لا غير.
أخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن عيسى بن أبي عزة واسمه مساك الكوفي ابن عم عامر الشعبي، عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود -﵄-.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) عن عبد الله بن مسعود: ثنا ابن فضيل، عن مسلم عن إبراهيم، عن علقمة عن ابن مسعود: "البقرة والجزور عن سبعة".
وأخرج ابن حزم (٣) نحوه: عن حذيفة وجابر وعلي -﵃-.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن أنس -﵁- يحكيه عن أصحاب رسول الله -﵇-.
حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال قال: ثنا قتادة، عن أنس قال: "كان أصحاب رسول الله -﵇- يشتركون السبعة في البدنة من الإبل والسبعة في البدنة من البقر".
فهذا مذهب أصحاب رسول الله -﵇- في البدنة يوافق ما روي عن جابر، لا ما روي عن المسور ومروان؛ فهو أولى منه.
_________________
(١) في "الأصل، ك": "قوله" والمثبت من "شرح معاني الآثار".
(٢) ليس في "المصنف" النسخة المطبوعة.
(٣) "المحلى" (٧/ ١٥٢).
[ ١٢ / ٥٣١ ]
ش: أي وقد روي في أن البدنة عن سبعة أيضًا عن أنس بن مالك يحكي ذلك عن الصحابة -﵃-.
أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري عن أبي هلال محمد بن مسلم الراسبي عن قتادة عن أنس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن أنس نفسه وعن غيره: ثنا علي بن مسهر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والحسن، قالوا كلهم: "البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة يشتركون فيها وإن كانوا من غير أهل دار واحدة".
ص: ولما اختلفوا عن رسول الله -﵇- فيما ذكرنا؛ رجعنا إلى ما روي عنه في هذا الباب مما سوى ما نحر يوم الحديبية فإذا حسين بن نصر قد حدثنا قال: ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس -﵄- قال: "سأل رجل رسول الله - ﷺ - فقال: عَليَّ ناقة وقد عزبت عني فقال: اشتر سبعًا من الغنم".
أفلا ترى أن رسول الله -﵇- في هذا الحديث إنما عَدَلَها بسبع من الغنم مما يجزئ كل واحدة منهن عن رجل ولم يعدلها بعشر من الغنم؟ فدل ذلك على تصحيح ما روى جابر في ذلك لا ما روى المسور؛ فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أي ولما اختلفت الصحابة -﵃- عن النبي -﵇- فيما روي في قصة الحديبية رجعنا في ذلك إلى ما روي من حكم النحر في غير يوم الحديبية، فوجدنا عبد الله بن عباس قد روى عن النبي -﵇- أنه عدل البدنة بسبع من الغنم، ولم يعدلها بعشر فدل ذلك على أن ما روي عن جابر في هذا الباب هو الصحيح لا ما رواه المسور ومروان.
وأخرج ما روي عن ابن عباس بإسناد صحيح: عن حسين بن نصر بن المعارك عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري عن حفص بن غياث عن عبد الملك بن جريج عن عطاء بن أبي رباح. . . إلى آخره.
[ ١٢ / ٥٣٢ ]
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمد بن معمر، ثنا محمد بن بكر البُرساني أنا ابن جريج قال: قال عطاء الخراساني: عن ابن عباس: "أن النبي -﵇- أتاه رجل فقال: إن عليَّ بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي -﵇- أن يبتاع بسبع شياه فيذبحهن".
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن مسكين، ثنا عمرو بن الربيع ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله عليّ بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها، قال: اذبح شاة" وهذا الحديث لا يعلم أحد أسنده إلا يحيى بن أيوب عن ابن جريج وقد رواه غيره موقوفًا.
قوله: "وقد عزبت عني" أي بعدت أراد أنه لم يظفر بها.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر؛ فإنا قد رأيناهم أجمعوا أن البقرة لا تجزئ في الأضحية عن أكثر من سبعة وهي من البدن باتفاقهم، والنظر على ذلك أن تكون الناقة مثلها لا تجزئ عن أكثر من سبعة، فإن قال قائل: إن الناقة وإن كانت بدنة كما البقرة؛ فإن الناقة أعلى من البقرة في السمانة والرفعة.
قيل له: إنها وان كانت كما ذكرت فإن ذلك غير واجب لك به علينا حجة، ألا ترى أنا قد رأينا البقرة الوسطى تجزئ عن سبعة؛ وكذلك ما هو دونها وما هو أرفع منها؟ وكذلك الناقة تجزئ عن سبعة أو عن عشرة رفيعة كانت أو دون ذلك؟
فلم يكن السمن والرفعة مما يبين به بعض البقر عن بعض ولا بعض الإبل عن بعض فيما تجزئ في الهدي والأضاحي، بل كان حكم ذلك كله حكمًا واحدًا يجزئ عن عدد واحد.
فلما كان ما ذكرنا كذلك، وكانت البقرة والإبل بدنًا كلها؛ ثبت أن حكمها حكم واحد وأن بعضها لا يجزئ عن أكثر مما يجزئ عن البعض الباقي وإن زاد بعضها على بعض في السمن والرفعة، فلما كانت البقرة لا تجزئ عن أكثر من سبعة
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١٠٤٨ رقم ٣١٣٦).
[ ١٢ / ٥٣٣ ]
كانت الناقة كذلك -أيضًا في النظر- لا تجزئ عن أكثر من سبعة قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -﵏-.
ش: أي وأما وجه الحكم المذكور من طريق النظر والقياس: فإنا قد رأيناهم -أي العلماء- المذكورين من الفريقين. . . إلى آخره، والمعنى ظاهر.
فإن قيل: كيف قال: وأجمعوا أن البقرة لا تجزئ في الأضحية عن أكثر من سبعة.
وقد جاء في الحديث عن عائشة -﵄-: "أن رسول الله -﵇- نحر عن آل محمد في
الوداع بقرة واحدة"؟.
قلت: قد روى أبو داود (١) هذا الحديث ولا يدل هذا أن آله كانت أكثر من سبعة، لأن المراد من آله: هو أزواجه أمهات المؤمنين، ولا يفهم من هذا أن نساءه كلهن قد كانت معه -﵇- وقتئذ والدليل عليه ما رواه أبو هريرة: "أن رسول الله -﵇- ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن" رواه أبو داود وغيره (٢).
فهذا صريح على أن أزواجه كلهنَّ لم يكنَّ معه -﵇- بل ذبح بقرة عن من اعتمرت منهن ولم يكن من اعتمرت منهن إلا أقل من سبعة ظاهرًا والله أعلم.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٢/ ١٤٥ رقم ١٧٥٠).
(٢) "سنن أبي داود" (٢/ ١٤٥ رقم ١٧٥١)، وأخرجه النسائي أيضًا في "الكبرى" (٢/ ٤٥٢ رقم ٤١٢٨)، وابن ماجه في "سننه" (٢/ ١٠٤٧ رقم ٣١٣٣)، والحاكم في "مستدركه" (١/ ٦٣٩ رقم ١٧١٧).
[ ١٢ / ٥٣٤ ]