ش: أي هذا باب في بيان الحائض كيف يستمتع بها زوجها؟ وكان المناسب أن يذكر هذا الباب في باب الحيض في كتاب الطهارة، ولكن لما كان متعلقًا بالنساء ومخصوصًا بهن ذكره في هذا الموضع؛ لأنه مشتمل على أحكام النساء.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة -﵁- قالت: "كان النبي -﵇- يأمر إحدانا أن تتَّزر وهي حائض ثم يضاجعها" -قال شعبة: وقالت مرةً: "يباشرها".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عُبيد، قال: ثنا حريث بن عمرو، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: "ربما يباشرني النبي -﵇- وأنا حائض فوق الإزار".
ش: هذان طريقان:
الأول: إسناده صحيح عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد.
وأخرجه الجماعة مطولًا ومختصرًا:
فالبخاري (١) عن قتيبة قال: نا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي -﵇- من إناء واحد كلانا جُنب، وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسَه إليَّ وهو معتكف فأغسله وأنا حائض".
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ١١٥ رقم ٢٩٥).
[ ١٠ / ٤١٢ ]
ومسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم -قال إسحاق: أنا وقال الآخران: ثنا- جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها رسول الله -﵇- فتأتزر بإزار ثم يباشرها".
وأبو داود (٢): عن مسلم، قال: أنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان رسول الله -﵇- يأمر إحدانا إذا كانت حائضًا أن تَتَّزر ثم يضاجعها زوجها -وقال مرة: يباشرها-".
والترمذي (٣): عن محمد بن بشار، قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان رسول الله -﵇- إذا حِضْت يأمرني أن أتَّزر ثم يباشرني".
والنسائي (٤): عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، عن منصور إلى آخره نحو رواية أبي داود.
وابن ماجه (٥): عن ابن أبي شيبة، نا جرير إلى آخره نحو رواية مسلم.
قوله: "أن تتَّزر". أي تشد إزارًا، والمعنى: تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة.
قوله: "يضاجعها": أي ينام معها.
قوله: "يباشرها": يعني يستمتع بها من وجوه الملامسة والتقبيل ونحو ذلك.
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعلى بن عُبيد بن أبي أميَّة الطنافسي الكوفي، وعن يحيى: ضعيف في سفيان، وعنه: ثقة في غيره، روى له
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١/ ٢٤٢ رقم ٢٩٣).
(٢) "سنن أبي داود" (١/ ٧٠ رقم ٢٦٨).
(٣) "جامع الترمذي" (١/ ٢٣٩ رقم ١٣٢).
(٤) "المجتبى" (١/ ١٥١ رقم ٢٨٦).
(٥) "سنن ابن ماجه" (١/ ٢٠٨ رقم ٦٣٦).
[ ١٠ / ٤١٣ ]
الجماعة، عن حريث بن عمرو وهو حريث بن أبي مطر الفزاري أبو عمرو الحناط -بالنون- الكوفي، قال ابن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال البخاري: فيه نظر. روى له الترمذي وابن ماجه، عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا أسباط (ح).
وحدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أسباط، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله -﵇- يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيَّض".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس والليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، عن نَدَبة مولاة ميمونة زوج النبي -﵇- قالت: "كان رسول الله -﵇- يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين أو الركبتين -في حديث الليث:- محتجرةً به".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أسباط بن محمد الكوفي، عن أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني الكوفي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن خالته ميمونة زوج النبي -﵇-.
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله -﵇- يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيَّض".
الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن أسباط بن محمد، عن الشيباني إلى آخره.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١/ ٢٤٣ رقم ٢٩٤).
[ ١٠ / ٤١٤ ]
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا سفيان بن عيينة، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله -﵇- يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيَّض".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي والليث بن سعد، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حبيب الأعور القرشي الحجازي مولى عروة بن الزبير، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
عن نَدْبة، بفتح النون وسكون الدال المهملة وفتح الباء الموحدة، وقال معمر: بضم النون، وقال يونس: بضم الباء الموحدة في أولها وسكون الياء آخر الحروف، ووقع في كتاب عبد الله بن الربيع التميمي: نَدَبة بفتح النون وفتح الدال وفتح الباء الموحدة، وفي الأصل من "سنن النَّسائي" -بفتح النون-: بَذِيَّة بفتح الباء الموحدة وكسرالذال المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، ويقال: بُذَيَّة بضم الباء الموحدة وفتح الذال المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، وقال الدارقطني: نَدَبة هكذا يقول المحدثون: نَدَبة بفتح الدال، ومثله الحسن بن حبيب بن نَدَبة، وخفاف بن ندبة. وقال أهل اللغة: هو نَدْبة الدال ساكنة، وهي مولاة ميمونة زوج النبي -﵇-، وثقها ابن حبان.
وأخرجه النسائي (٢): أنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، عن يونس والليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، عن بَذيَّة -وكان الليث يقول: بُذيَّة- مولاة ميمونة، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله -﵇- يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين والركبتين -في حديث الليث-: محتجرةً به".
_________________
(١) "مسند أحمد" (٦/ ٣٣٦ رقم ٢٦٨٩٧).
(٢) "المجتبى" (١/ ١٥١ رقم ٢٨٧).
[ ١٠ / ٤١٥ ]
قوله: "كان يباشر". من المباشرة التي بمعنى الملامسة، وأصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد بمعنى الوطء في الفرج، والمراد ها هنا المعنى الأول بالإجماع.
قوله: "وهي حائض". جملة اسمية حاليَّة.
قوله: "أنصاف الفخدين". الأنصاف جمع نصف، وإنما جمعه باعتبار أن التثنية يطلق عليها الجمع، ووقع في رواية أبي داود: "إلى أنصاف الفخذ" وجمع ها هنا باعتبار وقوع الفخذ معرفًا باللام.
قوله: "محتجرة" بالراء المهملة، من الاحتجار وهو الامتناع، والمعنى: ممتنعة بالإزار، والأصح أنه بالزاي المعجمة، ومعناه: شادَّة مئزرها على العورة وما لا يحل مباشرته، والحاجز الحائل بين الشيئين وأصله من حجزه يحجزه حجزًا أي منعه، من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ، وحجزة الإزار: معقده، وحجزة السراويل: التي فيها التكة، ثم إنه وقع في بعض النسخ بالرفع، وكذا وقع في نسخة النسائي، ووجهه -إن صحّ-: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هي محتجزة به، والمشهور أنه منصوب على الحال من الحائض.
الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن حبيب، عن نَدْبَة، عن ميمونة -﵂-.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب، قال: حدثني الليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، عن نُدْبَة مولاة ميمونة، عن ميمونة: "أن النبي -﵇- كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذ والركبتين، تحتجز به".
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٦٩ رقم ٢٦٧).
[ ١٠ / ٤١٦ ]
ص: فذهب قومٌ إلى أن الحائض لا ينبغي لزوجها أن يجامعها إلاَّ كذلك، ولا يطلع منها على عورة، واحتجوا في ذلك بفعل رسول الله -﵇- الذي ذكرنا، وممن قال ذلك أبو حنيفة -﵀-.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب وشريحًا وطاوسًا وعطاء بن أبي رباح وسليمان بن يسار وقتادة ومالكًا والشافعي -في قول- فإنهم قالوا: لزوج الحائض أن يباشرها فيما فوق الإزار ويحرم عليه مباشرة ما تحت الإزار وهو ما بين السرة والركبة، واحتجوا في ذلك بفعل رسول الله -﵇- الذي ذكر في حديث ميمونة. وممن قال بهذا القول: الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف -في رواية-.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي من قول رسول الله -﵇- فإنه حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو الشامي، عن أحد النفر الذين أتوا عمر بن الخطاب --﵁- وكانوا ثلاثة- فسألوه: "ما للرجل من أمرأته إذا أحدثت -يعنون الحيض؟ - فقال: سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ منذ سألت عنه رسول الله -﵇-، فقال: له منها ما فوق الإزار من التقبيل والضم، ولا يطلع على ما تحته".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو البجلي: "أن قومًا [أتوا] (١) عمر بن الخطاب فسألوه " ثم ذكر مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا عاصم بن عمرو البجلي: "أن قومًا أتوا عمر بن الخطاب " ثم ذكر مثله.
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عمير مولى لعمر، عن عمر مثله.
_________________
(١) في "الأصل، ك": "أتى"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
[ ١٠ / ٤١٧ ]
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا بقول رسول الله -﵇- الذي رواه عنه عمر -﵁-.
وأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن الجعد بن عُبيد الجوهري البغدادي، شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية بن حديج، أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عاصم بن عمرو البجلي، من أهل الشام، قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وهو يروي عن أحد النفر الذين أتوا عمر ابن الخطاب -﵁- وهو مجهول.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا محمد بن جعفر، نا شعبة، سمعت عاصم ابن عمرو البجلي يحدث، عن رجل، عن القوم الذين سألوا عمر بن الخطاب فقالوا: "إنما أتينا نسألك عن ثلاث: عن صلاة الرجل في بيته تطوعًا، وعن الغسل من الجنابة، وعن الرجل ما يصلح له من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقال: أَسُحَّارٌ أَنْتم؟! لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ منذ سألت عنه رسول الله -﵇-، فقال: صلاة الرجل في بيته تطوعًا نور فمن شاء نوَّر بيته، وقال في الغسل من الجنابة: يغسل فرجه ثم يتوضأ ثم يفيض على رأسه ثلاثًا، وقال في الحائض: له ما فوق الإزار".
قوله: "إذا أحدثت" أي حاضت، وقد فسره هكذا في الحديث بقوله: "يعنون الحيض".
قوله: "له منها" أي للرجل من امرأته الحائض ما فوق الإزار، وهو مما فوق السرة ومما تحت الركبة.
_________________
(١) "مسند أحمد" (١/ ١٤ رقم ٨٦).
[ ١٠ / ٤١٨ ]
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي عثمان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو السبيعي، عن عاصم بن عمرو البجلي إلى آخره.
وأخرجه ابن حزم (١): من حديث أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو البجلي: "أن نفرًا سألوا عمر بن الخطاب فقال: سألت رسول الله -﵇-: ما يحل للرجل من امرأته حائضًا؟ قال رسول الله -﵇-: لك ما فوق الإزار لا تطلعن إلى ما تحته حتى تطهر".
قال: ورواه عاصم بن عمرو عن مجهول.
الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن عاصم بن عمرو البجلي.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢).
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن عُبيد الله ابن عمرو بن أبي الوليد الجزري، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عاصم بن عمرو البجلي، عن عمير مولى عمر بن الخطاب، ذكره ابن حبان في الثقات، عن عمر بن الخطاب -﵁-.
وأخرجه ابن حزم (٣): من حديث زهير بن حرب، نا عبد الله بن جعفر المخرمي، نا عُبيد الله بن عمرو الجزري، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن عمرو، عن عمير مولى عمر بن الخطاب فذكر نحوه.
وأخرجه أيضًا (٢): من حديث أبي إسحاق، عن عمير، عن عمر.
_________________
(١) "المحلى" (٢/ ١٧٨).
(٢) "مسند الطيالسي" (١/ ١١ رقم ٤٩).
(٣) "المحلى" (٢/ ١٨٠).
[ ١٠ / ٤١٩ ]
وهذا منقطع؛ لأن أبا إسحاق لم يسمعه من عمير، وإنما رواه عن عاصم عن عمرو البجلي.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس بما تحت الإزار منها إذا اجتنبت مواضع الدم.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عكرمة ومجاهدًا والشعبي، والنخعي والثوري والأوزاعي والحكم بن عتيبة ومسروقًا والشافعي -في الأصح- وأحمد بن حنبل وأصبغ بن الفرج وإسحاق وأبا ثور وداود، فإنهم قالوا: لا بأس أن يستمتع الرجل بما تحت الإزار من الحائض إذا اجتنب موضع الدم.
وممن قال بهذا القول: محمد بن الحسن وأبو يوسف -في رواية- قالوا: وهذا أقوى دليلًا؛ لحديث أنس: "اصنعوا كل شيء إلا الجماع" واقتصار النبي -﵇- في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب.
واعلم أن مباشرة الحائض أقسام:
إحداهما: حرام بالإجماع، ولو اعتقد حلَّه يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا، فإن فعله غير مستحل يستغفر إلله تعالى ولا يعود إليه. وهل تجب عليه الكفارة؟ فيه خلاف للعلماء.
الثاني: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو بالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك، فهذا حلال بالإجماع، إلاَّ ما حكي عن عَبيدة السلماني وغيره: "أنه لا يباشر شيئًا" فهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة.
والثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند أبي حنيفة ومن ذكرنا معه: حرام. وعند محمد ومَن ذكرنا معه: يجتنب شعار الدم فقط.
ص: وقالوا: أما ما ذكرتم مِنْ فعل النبي -﵇- فلا حجة لكم في ذلك؛ لأنا نحن لا ننكر أن لزوج الحائض منها ما فوق الإزار فيكون هذا الحديث حجةً علينا، بل نحن نقول: له منها ما فوق الإزار وما تحته إذا اجتنب مواضع الدم كما له أن يفعل
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
ذلك قبل حدوث الحيض، وإنما هذا الحديث حجةٌ على مَنْ أنكر أن لزوج الحائض منها ما فوق الإزار، فاما مَنْ أباح ذلك له فإن هذا الحديث ليس بحجة عليه، وعليكم البُرهان بعدُ، لقولكم: إنه ليس له منها إلاَّ ذلك.
وقد روي عن عائشة في هذا عن النبي -﵇- ما يوافق ما ذهبنا نحن إليه ويخالف ما ذهبتم أنتم إليه، وهي أحدُ مَنْ رويتم عنها ما كان رسول الله -﵇- يفعل بنسائه إذا حضن ما ذكرتم من ذلك.
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عائشة -﵁- قالت: "كان رسول الله -﵇- يباشرني في شعار واحد وأنا حائض، ولكنه كان أملككم -أو أملك- لإرْبه".
فهذا على أنه كان يباشرها في إزار واحد، ففي ذلك إباحة ما تحت الإزار، فلما جاء هذا عنها، وقد جاء عنها أنه كان يأمرها أن تأتزر ثم يباشرها، كان هذا عندنا على أنه كان يفعل هكذا مرةً وهكذا مرة، وفي ذلك إباحة المعنيين جميعًا.
ش: هذا جواب عما قاله أهل المقالة الأولى من استدلالهم فيما ذهبوا إليه بفعل النبي -﵇-، أي قال أهل المقالة الثانية: أما ما ذكرتم من فعل النبي -﵇- وهو أنه كان يباشر نساءه فوق الإزار وهنَّ حيَّض فلا حجة لكم في ذلك؛ لأنه لا يتم به الاستدلال، لأنا لا ننكر أن لزوج الحائض أن يباشر منها ما فوق الإزار حتى يكون هذا الحديث حجةً علينا، وهو معنى قوله: "فيكون هذا الحديث حجَّهً علينا" بنصب "فيكونَ"؛ لأنه جواب النفي، و"أن" الناصبة مُقدَّرة فيه، بل نحن نقول: له أن يباشرها ما فوق الإزار وما تحته أيضًا إذا اجتنب مواضع الدم، كما جاز له أن يفعل ذلك قبل حدوث الحيض، وهذا الحديث إنما هو حجة على من أنكر أن يباشرها فيما فوق الإزار وهي حائض، كما ذهب إليه عَبيدة السلماني وغيره؛ فإنهم منعوا زوج الحائض عن المباشرة مطلقًا، فأما الذين أباحوا ذلك له، فإن هذا الحديث ليس بحجة عليهم، فإذا كان كذلك فقد دلَّ هذا الحديث على إباحة المباشرة فيما
[ ١٠ / ٤٢١ ]
فوق الإزار، ولا يستلزم ذلك نفي المباشرة فيما تحت الإزار فحينئذٍ يجب عليكم أن تأتوا ببرهان يدل على مُدَّعاكم أنه ليس له منها إلاَّ ما فوق الإزار.
ومع هذا روي عن عائشة -﵂- عن النبي -﵇- في هذا الباب ما يوافق ما ذهبنا إليه، ويخالف ما ذهبتم أنتم إليه، والحال أنها أحد مَنْ رويتم عنها ما كان رسول الله -﵇- يفعل بنسائه إذا حضن، وهي أنها قالت: "كان رسول الله -﵇- يباشرني في شعار واحد".
فهذا يدل على إباحة المباشرة فيما تحت الإزار، وبقي الكلام في التوفيق بين روايتي عائشة﵂-، وقد أشار إليه بقوله: "فلما جاء هذا عنها " إلى آخره، أي فلما جاءه هذا الحديث عن عائشة وهو قولها: "كان رسول الله -﵇- يباشرني في شعار واحد" وقد جاء عنها أيضًا: "أنه كان يأمرها أن تأتزر ثم يباشرها" كان هذا محمولًا على أنه كان يفعل هكذا مرَّةً وهكذا مرةً، وفي ذلك إباحة المعنيين جميعًا فيرتفع بذلك التناقض بين الروايتين ويحصل التوفيق بينهما، ففي هذا الإِعمال بالروايتين، وفيما ذكر هؤلاء الإِعمال بإحداهما والإِهمال بالأخرى،فالإِعمال أولى مِنَ الإِهمال.
ثم إنه أخرج حديث عائشة -﵂- بإسناد صحيح، عن فهد ابن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عائشة -﵂-.
وأخرجه الجماعة بوجوه مختلفة، ولكن البيهقي أخرجه في "سننه" (١): نحوه من حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عائشة: "كان رسول الله -﵇- يباشرني في شعار واحد وأنا حائض، ولكنه كان أملككم لإرْبه -أو يملك إرْبَه-".
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٣١٤ رقم ١٤٠٢).
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
فقال البخاري (١): نا إسماعيل بن خليل، قال: أنا علي بن مسهر، قال: أنا أبو إسحاق -هو الشيباني- عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد رسول الله -﵇- أن يباشرها أمرها أن تتَّزر في فور حيضها ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إِرْبه كما كان النبي -﵇- يملك إرْبَه؟! ".
وقال مسلم (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني.
وحدثني علي بن حجر السعدي -واللفظ له- قال: أنا علي بن مسهر، قال: أنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة نحوه.
وقال أبو داود (٣): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله -﵇- يأمرنا في فوح حيضتنا أن تتزر ثم يباشرها، وأيكم كان يملك إِرْبه؟ كان رسول الله -﵇- يملك إرْبَه؟ ".
وأما رواية البقية الثلاثة فقد ذكرناها في أول الباب.
قوله: "في شعار واحدٍ". الشعار -بكسر السين-: الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي شعره.
قوله:"لإِرْبه" أكثر الروايات فيه بكسر الهمزة وسكون الراء، ومعناه: عضوه الذي يستمتع به، الفرج. ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء ومعناه: حاجته، وهي شهوة الجماع، واختار الخطابي هذه الرواية وأنكر الأولي وعابها على المحدثين، وفي رواية: "أيكم أملك لنفسه"، والمقصود أنه -﵇- أملككم لنفسه، فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع في المحرم وهو مباشرة فرج الحائض.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ١١٥ رقم ٢٩٦).
(٢) "صحيح مسلم" (٢/ ٧٧ رقم ١١٠٦).
(٣) "سنن أبي داود" (١/ ٧١ رقم ٢٧٣).
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
قوله: "في فور حَيضتنا". بفتح الفاء وإسكان الواو أي في معظم حيضتنا ووقت كثرتها، والحيضة ها هنا بفتح الحاء أراد بها الحيض وذلك معنى قوله: "في فوح حيضتنا" وهو بالحاء المهملة.
ص: وقد روي عن رسول الله -﵇- من غير هذا الوجه أيضًا ما يوافق هذا القول الذي صححنا عليه حديثي عائشة -﵂- اللذين ذكرنا.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس -﵁-: "أن اليهود كانوا لا يأكلون ولا يشربون ولا يقعدون مع الحيَّض في بيت، فذكر ذلك للنبي -﵇-، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) فقال رسول الله -﵇-: اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع".
ففي هذا الحديث أنهم قد أبيحوا من الحائض كل شيء منها غير جماعها خاصّةً، وذلك على الجماع في الفرج دون الجماع فيما دونه.
ش: ذكر هذا تأييدًا لما صحَّح عليه حديثي عائشة اللذين أحدهما قد ذكره في أول الباب في معرض الاحتجاج لأهل المقالة الأولى، والآخر الذي ذكره أهل المقالة الثانية، وذلك أن أنسًا قد صرَّح في حديثه أنهم أبيح لهم من الحائض كل شيء منها غير جماعها خاصّةً، وذلك الجماع هو جماع الفرج دون جماع غيره، والفرج يتناول القُبل والدُّبر.
وأخرج حديثه بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة، عن أبي الوليد هشام ابن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس.
_________________
(١) سورة البقرة، آية: [٢٢٢].
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
وأخرجه النسائي (١): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: نا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: "كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهنّ ولم يجامعوهنّ في البيوت، فسألوا نبي الله -﷿- عن ذلك، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ (٢) الآية، فأمرهم رسول الله -﵇- أن يؤاكلوهنّ ويشاربوهنّ ويجامعوهنّ في البيوت، وأن يصنعوا كل شيء ما خلا الجماع".
وأخرجه مسلم (٣) مطولًا: حدثني زهير بن حرب، قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، قال: نا حماد بن سلمة، قال: نا ثابت، عن أنس: "أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهنَّ في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ -﵇- النبيَّ -﵇-، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ (٢) إلى آخر الآية، فقال رسول الله -﵇-: اصنعوا كل شيء إلاَّ النكاح، فبلغ ذلك اليهود وقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلاَّ خالفنا فيه، فجاء أسَيد بن حضير وعبَّاد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهنَّ؟ فتغير وجه رسول الله -﵇- حتى ظننا أن قد وجد [عليهما] (٤)، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله -﵇-، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفنا أن لم يجد علينا".
ص: وقد روي هذا القول بعينه عن عائشة -﵂-:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا عُبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة: "أن رجلًا سأل عائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلاَّ فرجها".
_________________
(١) "المجتبى" (١/ ١٥٢ رقم ٢٨٨).
(٢) سورة البقرة، آية: [٢٢٢].
(٣) "صحيح مسلم" (١/ ٢٤٦ رقم ٣٠٢).
(٤) في "الأصل، ك": "عليها"، والمثبت من "صحيح مسلم".
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عُبيد الله، عن أيوب، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة، مثل ذلك.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن بكير، عن أبي مرة مولى عقيل، عن حكيم بن عقال قال: "سألت عائشة عمَّا يحرم عليَّ من امرأتي إذا حاضت، قالت: فرجها".
فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
ش: أي قد روي هذا القول الذي روي عن أنس، عن النبي -﵇-: "اصنعوا كل شيء إلَّا الجماع" بعينه عن عائشة -﵂-.
وأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد بن فروخ الجزري الحرارني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عُبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم، ولكن هذا مرسل؛ لأن أبا قلابة لم يدرك عائشة، وفي "التكميل": حدَّث أبو قلابة عن جماعة من الصحابة ولم يدركهم؛ منهم: حذيفة وابن عباس وابن عمر وعمر بن الخطاب ومعاوية والنعمان بن بشير وأبو ثعلبة وأبو هريرة وعائشة -﵃- وروى عن أنس بن مالك الأنصاري وأنس بن مالك الكعبي وسمرة بن جندب.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي أيضًا، عن عمرو بن خالد أيضًا، عن عُبيد الله الرِّقِّي أيضًا، عن أيوب السختياني أيضًا، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق، عن عائشة -﵂-.
وهذا إسناد صحيح متصل.
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
وأخرجه ابن حزم (١): من حديث أيوب، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق قال: "سألت عائشة: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قالت: كل شيء إلَّا الفرج".
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن أبي مرة يزيد مولى عقيل بن أبي طالب روى له الجماعة، عن حكيم بن عقال العجلي البصري، ذكره ابن حبَّان في الثقات التابعين.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الليث، عن بكير، عن أبي مرة مولى عقيل، عن حكيم بن عقال أنه قال: "سألت عائشة: ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها، قلت: ما يحرم عليَّ من امرأتي إذا حاضت؟ قالت: فرجها".
ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأينا المرأة قبل أن تحيض لزوجها أن يجامعها في فرجها وله منها ما فوق الإزار وما تحت الإزار أيضًا، ثم إذا حاضت حرم عليه الجماع في فرجها وحلَّ له منها ما فوق الإزار باتفاقهم، واختلفوا فيما تحت الإزار على ما ذكرنا، فأباحه بعضهم فجعل حكمه حكم ما فوق الإزار، ومنع منه بعضهم وجعل حكمه في حكم الجماع في الفرج. فلما اختلفوا في ذلك وجب النظر لنعلم أي الوجهين هو به أشبه فنحكم له بحكمه، فرأينا الجماع في الفرج يوجب الحدَّ والمهر والغسل، ورأينا الجماع في ما سوى الفرج لا يوجب من ذلك شيئًا، ويساوي في ذلك حكم ما فوق الإزار وما تحت الإزار، فثبت بما ذكرنا أن حكم ما تحت الإزار أشبه بما فوق الإزار منه بالجماع في الفرج، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو في حكم الحائض، فيكون حكمه حكم الجماع فوق الإزار لا حكم الجماع في الفرج. وهذا قول محمد بن الحسن -﵀-. وبه نأخذ.
_________________
(١) "المحلى" (٢/ ١٨٢).
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٣١٤ رقم ١٤٠٣).
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس: أن للرجل الاستمتاع بامرأته طاهرةً مطلقًا، بالجماع في فرجها والمباشرة فيما فوق الإزار وتحتها بلا خلاف، فإذا حاضت حرم عليه الجماع ولكن حلَّ له الاستمتاع بما فوق الإزار بلا خلاف، واختلافهم فيما تحت الإزار؛ فأباحه بعضهم -وهم أهل المقالة الثانية- فجعلوا حكمه حكم ما فوق الإزار، ومنعه بعضهم -وهم أهل المقالة الأولى- وجعلوا حكمه كحكم الجماع في الفرج، فلما اختلفوا هذا الاختلاف نظرنا فيه، فوجدنا المختلف فيه أشبه بحكم ما فوق الإزار فألحقناه به في أن حكمه حكم الجماع فوق الإزار لا حكم الجماع في الفرج، ووجه المشابهة الذي هو الجامع: ما ذكره.
قوله: "وبه نأخذ". أي: وبِقَوْل محمدٍ نأخذ، نبَّه به على أنه اختار قول محمد في هذا الباب.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: ثم نظرت بعد ذلك في هذا الباب وفي تصحيح الآثار فيه، فإذا هي تدل على ما ذهب إليه أبو حنيفة لا على ما ذهب إليه محمد بن الحسن، وذلك أنَّا وجدناها على ثلاثة أنواع:
فنوعٌ منها ما روي عن رسول الله -﵇-: "أنه كان يباشر نساءه وهنّ حُيَّض فوق الإزار" فلم يكن في ذلك دليل على منع الحيض من المباشرة تحت الإزار لما قد ذكرناه في موضعه من هذا الباب.
ونوعٌ منها وهو ما روى عُمير مولى عمر، عن عمر -﵁- عن رسول الله -﵇-[على] (١) ما قد ذكرناه في موضعه، فكان في ذلك منعٌ من جماع الحيَّض تحت الإزار؛ لأن ما فيه من كلام رسول الله -﵇-، وذِكْره ما فوق الإزار فإنما هو جوابٌ لسؤال عمر -﵁- إياه "ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقال له: ما فوق الإزار" فكان ذلك جواب سؤاله لا نقصان فيه ولا تقصير.
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
ونوعٌ آخر: وهو ما روي عن أنس -﵁- على ما قد ذكرناه عنه، فذلك نصٌّ على أنه مبيحٌ لإتيان الحيُّض دون الفرج وان كانت تحت الإزار، فأردنا أن ننظر أي هذين النوعين تأخر عن صاحبه فنجعله ناسخًا له، فنظرنا في ذلك فإذا حديث أنس -﵁- فيه إخبارٌ عما كانت اليهود عليه، وقد كان رسول الله -﵇- يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بخلافهم، قد روينا ذلك عن ابن عباس -﵄- في كتاب الجنائز، وقد أمره الله -﷿- في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، فكان عليه اتباع مَنْ تقدَّمه من الأنبياء -﵇- حتى تُحْدَث له شريعة تنسخ شريعته، فكان الذي نُسخ ما كان اليهود عليه من اجتناب كلام الحائض ومؤاكلتها والاجتماع معها في بيتٍ هو ما في حديث أنس -﵁- لا واسطة بينهما، وفي حديث أنسٍ هذا إباحة جماعها فيما دون الفرج، وكان الذي في حديث عمر -﵁- الإباحة لما فوق الإزار والمنع مما تحت الإزار، فاستحال أن يكون ذلك متقدمًا لحديث أنسٍ إذ كان حديث أنس هو الناسخ لاجتناب الاجتماع مع الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وثبت أنه متأخر عنه وناسخٌ لبعض الذي أبيح فيه، فثبت ما ذهب إليه أبو حنيفة من هذا بتصحيح الآثار، وانتفى ما ذهب إليه محمد بن الحسن -﵀-.
ش: لما ذكر أن وجه النظر والقياس في هذا الباب اقتضى أن يكون الممنوع من الاستمتاع بالحائض موضع الدم فقط، وأشار إليه أنه اختياره، ثم لما نظر في تصحيح الأحاديث الواردة في هذا الباب تبيَّن له أن الأمر ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه لا ما ذهب إليه محمد بن الحسن ومَنْ معه، وأشار إلى، بيان [ذلك] (٢) بقوله: "وذلك أنَّا وجدنا " إلى آخره، تقريره: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب على ثلاثة أنواع:
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: [٩٠].
(٢) ليست في "الأصل، ك"، السياق يقتضيها.
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
الأول: ما روي عن عائشة وميمونة -﵄-: "أنه كان يباشر نساءه وهنَّ حيَّض فوق الإزار" فهذا لا دليل فيه على منع الحيَّض من المباشرة تحت الإزار؛ لما قد ذكرنا أن فعله -﵇- هذا لا يستلزم عدم جواز المباشرة تحت الإزار.
النوع الثاني: ما رواه عمير مولى عمر بن الخطاب، عن عمر -﵁- وفيه المنع من المباشرة تحت الإزار؛ لأن فيه أن عمر سأل رسول الله -﵇-: ما للرجل من امرأته إذا حاضت؟ وأجاب رسول الله -﵇- بقوله: "له منها ما فوق الإزار" فدل على منع ما تحت الإزار؛ إذ لو لم يدل على ذلك لم يكن الجواب مطابقًا للسؤال، وأشار إلى ذلك بقوله: "فكان ذلك جواب سؤاله لا نقصان فيه ولا تقصير". أي فكان قوله -﵇-: "له منها ما فوق الإزار" جواب سؤال -عمر -﵁-- حين سأله: ما للرجل من امرأته إذا حاضت؟ جوابًا مطابقًا لسؤاله مقنعًا، لا نقصان فيه للإقناع ولا تقصير فيه للتطابق.
النوع الثالث: ما رواه أنس بن مالك -﵁- عنه -﵇-: "اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع " ففيه إباحة المباشرة ما فوق الإزار وما تحتها دون الفرج، وهو معنى قوله: "فذلك نص على أنه مبيح لإتيان الحيَّض دون الفرج وإن كان تحت الإزار".
والحُيَّض -بضم الحاء وتشديد الياء- جمع حائض.
فهذه ثلاثة أقسام يجب تصحيح معانيها على وجه يقع التطابق فيها ويرتفع الخلاف، وأشار إلى ذلك بقوله: "فأردنا أن ننظر أيَّ هذين النوعين تأخر عن صاحبه" وأراد بهما حديث عمر وحديث أنس، وإنما عيَّن النوعين الأخيرين؛ لأن النوع الأول داخل في النوع الثالث في الحقيقة، ثم بيان ذلك أن يقال: إن بين حديثي عمر وأنس تعارضًا ظاهرًا على ما لا يخفى، ودفعه بأن يقال: إن حديث عمر -﵁- ناسخ لحديث أنس -﵁- بيان ذلك: أن حديث أنس فيه إخبار عما كانت اليهود تفعل مع الحيَّض، وقد كان -﵇- يحبُّ موافقة أهل الكتاب في الذي لم يؤمر فيه بخلافهم. روى ذلك ابن عباس -﵄- وقد ذكر ذلك في كتاب الجنائز، وأيضًا فالله تعالى أمر نبينا -﵇- أن يتبع من تقدَّمَه من الأنبياء -﵈-
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
والقرآن نطق به، وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١) فأمره باتباعه لهم إلى أن يحدث له شريعة تنسخ ما أمر به من اتباعه، وقد نسخ ما في حديث أنس [ما] (٢) كانت اليهود تفعله مع الحيَّض بقوله -﵇-: "اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع" فهذا فيه إباحة جماعها فيما دون الفرج.
وفي حديث عمر الإباحة لما فوق الإزار، والمنع مما تحت الإزار، فمن المحال أن يكون حديثه متقدمًا على حديث أنس؛ لأن في حديث عمر حظرًا لبعض ما في حديث أنس ومحرمًا له، فلا شك أن المُحرِّم متأخر عن المبيح، فهذا نسخ بدلالة التاريخ لا بعين التاريخ إذْ التاريخ لم يعلم، ولكن القاعدة: أن الإباحة والحظر إذا اجتمعا فالحظر أولى، ومن أبين الدلالة على تأخر حديث عمر -﵁- أن في حديث أنس -﵁- نزول قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣) الآية. ولو كان سؤال عمر -﵁- حَالَ نزول الآية لاكتفى بما ذكر أنس من قوله -﵇-: "اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع" فحيث لم يكتف وسأل عما للرجل من امرأته إذا حاضت، فدلَّ ذلك على أن سؤاله كان بعد ذلك. والله أعلم وأيضًا يعضد ظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣) خبر عمر -﵁-، وخبر أنس يوجب تخصيصه، وما يوافق القرآن من الأخبار فهو أولى مما يخصّه.
وأيضًا إن خبر أنس مجمل تام، ليس فيه إباحة موضع بعينه، وخبر عمر -﵁- مفسَّر فيه بيان لحكم الموضعين فيما تحت الإزار وما فوقه. والله أعلم.
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: [٩٠].
(٢) في "الأصل، ك": "مما".
(٣) سورة البقرة، آية: [٢٢٢].
[ ١٠ / ٤٣١ ]