ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل يتخذ طريقًا في المسجد ويعبر منه ومعه السهام.
ص: حدثنا أبو بكرة وعلي بن معبد، قالا: ثنا أبو أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، عن النبي -﵇- قال: "إذا مَرَّ أحدكم في مسجدنا -أو في مساجدنا- وفي يده سهام فليمسك بنصالها؛ لا يعقر بها أحدًا".
ش: إسناده صحيح.
وبُريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء.
وأبو بُردة اسمه عامر بن أبي موسى، واسم أبي موسى الأشعري: عبد الله بن قيس.
وأخرجه البخاري (١) في كتاب الصلاة: عن موسي بن إسماعيل، عن عبد الواحد ابن زياد، عن بُريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي -﵇- قال: "مَن مرَّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض علي نصالها بكفه؛ أن يصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء".
وأخرجه (٢) أيضًا في كتاب الفتن: عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بُريد .. إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣) في الأدب: عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد، عن [أبي] (٤) أسامة، عن بريد.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ١٧٣ رقم ٤٤١).
(٢) "صحيح البخاري" (٦/ ٢٥٩٢ رقم ٦٦٦٤).
(٣) "صحيح مسلم" (٤/ ٢٠١٩ رقم ٢٦١٥).
(٤) ليست في "الأصل"، والمثبت من "صحيح مسلم".
[ ١٣ / ٤٤٢ ]
وأخرجه أبو داود (١) في الجهاد: عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بريد إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢) في الأدب: عن محمَّد بن غيلان، عن أبي أسامة، عن بُريد به.
قوله: "أو في مساجدنا": شك من الراوي، و"السهام" جمع سهم، وفي معناها ما يشابهها من السلاح، و"النصال" جمع نصل السهم.
قوله: "لا يعقر بها أحدًا": أي لا يجرح.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلي أنه لا بأس أن يتخطى الرجل المسجد، وهو حامل ما أراد حمله، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الحديث وجماعة من الظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا بأس للرجل أن يمر في المسجد وهو حامل ما أراد حمله من السلاح وغيره. واستدلوا علي ذلك بظاهر الحديث المذكور، ومن جملة ما يدل الحديث علي أن مَن يمر في المسجد ومعه نوع من السلاح؛ ينبغي له أن يمسك الموضع الذي فيه الحديدة حتي لا يصدم أحدًا ويجرحه، وعن هذا قالوا: يكره سلُّ السيف، في المسجد، ولا يتعاطي أحد السيف مسلولًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينبغي لأحد أن يدخل المسجد وهو حامل شيئًا من ذلك إلا أن يكون دخل به يريد بدخوله الصلاة، أو يكون أدخله المسجد يريد به الصدقة، فأما أن يدخل به يريد به تخطي المسجد فإن ذلك مكروه.
ش: أي خالف القومَ المذكورين جماعةٌ آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم؛ فإنهم قالوا: لا ينبغي لأحد. . . . إلى آخره.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٣/ ٣١ رقم ٢٥٧٨).
(٢) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١٢٤١ رقم ٣٧٧٨).
[ ١٣ / ٤٤٣ ]
وقد قال أصحابنا: رجل يمر في المسجد ويتخذ طريقًا إن كان لغير عذر لا يجوز، وبعذر يجوز، ثم إذا جاز يصلي في كل يوم مرة.
قلت: إذا كان اتخاذ الطريق لغير عذر غير جائز؛ فالتخطي فيه وهو حامل شيئًا إذا لم يرد به الصدقة أولى أن لا يجوز.
وقال ابن حزم (١): وروينا عن ابن عمر، والحسن، والشعبي إباحة التطرق في المسجد.
قلت: هذا محمول علي حالة العذر.
وقال أيضًا (٢): التحدث في المسجد بما لا إثم فيه من أمور الدنيا مباح، وذِكْرُ الله تعالى أفضل، وإنشاد الشعر فيه مباح، والتعليم فيه للصبيان وغيرهم مباح، والسكني فيه والمبيت مباح ما لم يضيق على المصلين، وإدخال الدابة فيه مباح إذا كان لحاجة، والحكم فيه والخصام كل ذلك جائز، والتطرق فيه جائز إلا أن من خطر فيه بنبل فإنه يلزمه أن يمسك بحديده، فإن لم يفعل فعليه القود في كل ما أصاب بها.
ص: وقالوا: قد يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - أراد بما ذكرتم في حديث أبي موسى الإدخال للصدقة؛ فنظرنا في ذلك، هل نجد شيئًا من الآثار يدل عليه؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، والليث بن سعد -يزيد أحدهما على الآخر- عن أبي الزبير، عن جابر قال: "كان الرجل يتصدق بنبل في المسجد، فأمر رسول الله -﵇- أن يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي -﵇- نحوه.
فبيَّن جابر في هذا الحديث أن الذين كانوا يدخلون بها المسجد إنما كانوا يريدون بها الصدقة فيه، لا التخطي.
_________________
(١) "المحلى" (٤/ ٢٤٣).
(٢) "المحلى" (٤/ ٢٤١).
[ ١٣ / ٤٤٤ ]
فهذا وجه ما أباحه رسول الله -﵇- مما في حديث أبي موسى - ﵁ -.
ش: أي قال الآخرون في جواب حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
بيانه أن يقال: لا نسلم أن استدلالكم بحديث أبي موسي فيما ذهبتم إليه تام؛ لأنه يحتمل أن يكون النبي -﵇- قد أراد به الإدخال لأجل الصدقة، فَبَيَّن ذلك حديث جابر أن الذين كانوا يدخلون بها المسجد إنما كان مرادهم الصدقة فيه، لا التخطي.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث والليث بن سعد، كلاهما عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن جابر - ﵁ -.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة وابن رمح، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله -﵇-: "أنه أمر رجلًا يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن جابر - ﵁ -.
وأخرجه أبو داود (٢): عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، به.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٤/ ٢٠١٩ رقم ٢٦١٤).
(٢) "سنن أبي داود" (٣/ ٣١ رقم ٢٥٨٦).
[ ١٣ / ٤٤٥ ]