ش: أي هذا باب في بيان الرجل المبتلى بداء مثل الجذام والبرص ونحوهما، هل يُجْتَنَب عنه ويُفَرُّ منه أم لا؟
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: قال أبو سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي -﵇- قال: "لا يُوردُ الممرض على المصح، فقال له الحارث: بن أي ذباب: فإنك قد كنت حدثتنا أن النبي -﵇- قال: لا عدوى، فأنكر ذلك أبو هريرة، فقال الحارث: بلى، فتمارى هو وأبو هريرة حتى اشتد أمرهما، فغضب أبو هريرة وقال للحارث: تدري ما قلتُ؟ قال الحارث: لا، قلت: تريد بذلك أني لم أحدثك ما تقول؟ قال أبو سلمة: لا أدري أنسي أبو هريرة أم ما شأنه، غير أني لم أر عليه كلمة [نَسِيَها] (١) بعد أن كان يحدثنا بها عن النبي -﵇-، غير إنكاره ما كان يحدثنا عن النبي -﵇- في قوله: لا عدوى".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب أن أبا سلمة حدثه أن رسول الله -﵇- قال: "لا عدوى، وأن رسول الله -﵇- قال: لا يُورَد ممرض علي مصح. قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله -﵇- ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: لا عدوى وأقام علي أن لا يورد ممرض علي مصح. . . .".
ثم حدث مثل حديث ابن أبي داود.
ش: هذان طريقان رجالهما كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي:
_________________
(١) في "الأصل، ك": "تُشْبِهُهَا" وضبطها بالشَّكل كأنه يقصدها، والمثبت من "شرح معاني الآثار" وهو أليق بالسياق.
[ ١٤ / ٥٧ ]
الأول: عن إبراهيم، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، سمعت أبا هريرة، عن النبي -﵇- قال: "لا توردوا الممرض على المصح".
وأخرجه مسلم (٢): عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان، عن شعيب .. إلي آخره نحوه.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣): حدثني أبو الطاهر وحرملة -وتقاربا في اللفظ- قالا: نا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن [أبا] (٤) سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه، أن رسول الله -﵇- قال: "لا عدوى، ويحدث أن رسول الله -﵇- قال: لا يُورَد ممرض علي مصح. قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله -﵇-، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: لا عدوى، وأقام علي: أن لا يورد ممرض علي مصح، قال: فقال الحارث بن أبي ذباب -وهو ابن عمِّ أبي هريرة: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حدثنا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله -﵇-: لا عدوى، فأبي أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: لا يورد ممرض علي مصح، فماراه الحارث في ذلك حتي غضب أبو هريرة، فرطن بالحبشية، وقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ٢١٧٧ رقم ٥٤٣٩).
(٢) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٤ رقم ٢٢٢١).
(٣) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٣ رقم ٢٢٢١).
(٤) ليست في "الأصل"، والمثبت من "صحيح مسلم".
[ ١٤ / ٥٨ ]
قال: لا، قال أبو هريرة: إني قلت: أَبَيْتُ، قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله -﵇- قال: لا عدوى، فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نسخ أحد القولين الآخر".
قوله: "لا يُورَدُ الممرض". من الإيراد، وهو من وَرَدْتُ الماء أَرِدْه ورودًا إذا أحضرته لتشرب؛ وأَوْرَده غيره، والورد الماء الذي يُرد عليه، والممرض الذي له إبل مرضَي من أَمْرَض الرجل إذا وقع في ماله العاهة، وقال الخطابي: الممرض هو الذي مرضت ماشيته وإبله، والمصح صاحب الصحاح منها، كما قيل: رجل مُضْعِفْ إذا كانت دوابه ضعافًا ومُقْوٍ إذا كانت أقوياء.
قوله: "لا عدوى" العدوى اسم من الإعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء يقال: أعداه الدَّاءُ يُعدْيِه إِعْداءً، وهو أن يصيبه مثل ما أصابه.
قوله: "فتمارى هو" أي الحارث "وأبو هريرة" أي تجادلا وتخاصما.
قوله: "أنَسي أبو هريرة" الهمزة فيه للاستفهام.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلي هذا، فكرهوا إيراد الممرض على المصح، وقالوا: إنما كره ذلك مخافة الإعداء، وأمروا باجتناب ذي الداء والفرار منه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا طلحة عبد الله وعمرو بن الشريد ويعلى بن عطاء وأخرين؛ فأنهم قالوا: يكره إيراد الممرض على المصح مخافة الإعداء، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وقالوا أيضًا: ينبغي للصحيح أن يجتنب من ذي الداء، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس - ﵃ -.
ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن عمر - ﵁ - في الطاعون وفي رجوعه بالناس فارَّا منه، فذكروا ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: "أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أقبل من الشام، فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن
[ ١٤ / ٥٩ ]
الجراح - ﵄ -، فقالا: يا أمير المؤمنين إن معك وجوه أصحاب رسول الله -﵇- وخيارهم، وإنا تركنا مَن بعدنا مثل حريق النار فارجع العام، فرجع عمر - ﵁ - فلما كان العام المقبل جاء فدخل -يعني الطاعون".
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث أنس.
أخرجه بإسناد صحيح. وأخرجه أحمد نحوه.
وجه الاستدلال به أن عمر رجع بالناس فرارًا عن الطاعون؛ فدل هذا علي جواز فرار الرجل عن ذي العاهة، وعلي أن المصح لا يورد على الممرض.
وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري - ﵁ -.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث ابن نوفل، عن عبد الله بن عباس: "أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه - ﵃ - فأخبروه أن الوباء قد وقع. قال ابن عباس - ﵄ -: فقال عمر - ﵁ -: ادعوا لىَّ المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستفتاهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه؛ فقال: بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نَرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - ﷺ - ولا نرى أن تُقْدِمَهم علي هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعوا لي مَن كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، قالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقْدِمَهم علي هذا الوباء، فنادى عمر - ﵁ - في الناس: إني مصبح علي ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة - ﵁ -: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نعم: نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عُدْوتان أحداهما خصبة والأخرى جدْبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان غائبًا في
[ ١٤ / ٦٠ ]
بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. قال: فحمد الله عمر - ﵁ - ثم انصرف".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: "أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، فلما جاء بسرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - عن رسول الله -﵇-. . . ." فذكر مثل حديث يونس الذي قبل هذا، من حديث عبد الرحمن خاصة -قال: "فرجع عمر - ﵁ - من سرغ".
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني هشام بن سعد، عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن: "أن عمر بن الخطاب - ﵁ - حين أراد الرجوع من سرغ واستشار الناس، فقالت طائفة منهم أبو عبيدة بن الجراح: أمِنَ الموت نفر؟ أَمَا نحن بقدر ولن يصيبنا إلا ما كتب الله؟ فقال عمر: يا أبا عبيدة لو كنت بواد إحدى عدوتيه مخصبة والأخرى مجدبة، أيتهما كنت ترعي؟ قال: المخصبة، قال: فإنا إن تقدمنا فبقدر، وإن تأخرنا فبقدر، وفي قدر نحن". حدثنا الحسين بن الحكم الجيزي، قال: ثنا عاصم بن علي (ح).
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالا: ثنا شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب قال: "كنا نتحدث إلى أبي موسى الأشعري، فقال لنا ذات يوم: لا عليكم أن تخفوا عني فإن هذا الطاعون قد وقع في أهلي، فمن شاء منكم أن يتنزه فليتنزه، واحذروا اثنتين: أن يقول قائل: خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب، لو كنت خرجت لسلمت كما سلم آل فلان، أو يقول قائل: لو كنت جلست لأصبت كما أصيب آل فلان، وإني سأحدثكم بما ينبغي للناس في الطاعون: إني كنت مع أبي عبيدة وإن الطاعون قد وقع بالشام، وأن عمر - ﵁ - كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فإني أعزم عليك إن
[ ١٤ / ٦١ ]
أتاك مصبحًا فلا تمسي حتى تركب، وان أتاك ممسيًا لا تصبح حتى تركب إليَّ؛ فقد عرضت لي إليك حاجة لا غني بي عنك فيها، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: إن أمير المؤمنين أراد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب إليه أبو عبيدة: إني في جند من المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، وقد عرفنا حاجة أمير المؤمنين؛ فحللني من عزمتك، فلما جاء عمر الكتاب بكي، فقيل له: توفي أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد، فكتب إليه عمر - ﵁ - إن الأردن أرض عميقة، وإن الجابية أرض نزهة، فانهض بالمسلمين إلي الجابية، فقال لي أبو عبيدة: انطلق فَبَوِّئ المسلمين منزلهم، فقلت: لا أستطيع، قال: فذهب ليركب، وقال لي: رَحِّلْ الناس قال: فأخذته أخذة فطعن فمات، وانكشف الطاعون".
قالوا: فهذا عمر - ﵁ - قد أمر الناس أن يخرجوا من الطاعون، ووافقه علي ذلك أصحاب رسول الله -﵇-. ويروى عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - عن النبي -﵇- ما يوافق ما ذهب إليه في ذلك.
ش: هذه خمس طرق أخرى:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. . . . نحوه.
الثاني: أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٤).
_________________
(١) "موطأ مالك" (٢/ ٨٩٤ رقم ١٥٨٧).
(٢) "صحيح البخاري" (٥/ ٢١٦٣ رقم ٥٣٩٧).
(٣) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٢ رقم ٢٢١٩).
(٤) "موطأ مالك" (٢/ ٨٩٦ رقم ١٥٨٩).
[ ١٤ / ٦٢ ]
ومسلم (١) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت علي مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة. . . . إلي آخره نحوه.
الثالث: أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".
الرابع: عن الحسين بن الحكم بن مسلم الحِبَري -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة- نسبة إلى بيع الحِبَر وهو جمع حِبَرَة، كعنب جمع عنبة، وهي بُرْد يماني.
عن عاصم بن علي بن عاصم الواسطي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم الجَدَلي العَدْواني الكوفي، وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم، وروى له الجماعة.
عن طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية ورأى النبي -﵇- وروي عنه، وقال أبو داود: رأى النبي -﵇- ولم يسمع منه شيئًا. مات أيام الجماجم قال: "كنا نتحدث إلى أبي موسى الأشعري" وهو عبد الله بن قيس.
وأخرجه محمَّد بن جرير الطبري (٢).
الخامس: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصافي الكوفي، ثقة، عن شعبة. . . . إلى آخره.
قوله: "خرج إلى الشام" كان خروج عمر - ﵁ - إلى الشام هذه المرة سنة سبع عشرة يتفقد فيها أحوال الرعية وأمرائهم، وكان قد خرج قبل ذلك سنة ست عشرة لما حاصر أبو عبيدة بيت المقدس فقال أهله: يكون الصلح علي يدي عمر - ﵁ - فخرج لذلك.
قوله: "حتى إذا كان بِسَرْغ" فتح السين المهملة وسكون الراء وفي آخره غين
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٠ رقم ٢٢١٩).
(٢) "تاريخ الطبري" (٢/ ٤٨٧).
[ ١٤ / ٦٣ ]
معجمة، قال أبو عبيد البكري: هي مدنية بالشام افتتحها أبو عبيدة هي واليرموك والجابية والرمادة متصلة.
قال أبو بكر الحازمي: هي أول الحجاز وآخر الشام بين المُغيْثة وتبوك من منازل حاج الشام.
قال أبو عمر: قيل إنه وادٍ بتبوك، وقيل: بقرب تبوك.
وقال ابن قرقوك: وعن ابن وضاح بتحريك الراء، قال: وهو من المدينة علي ثلاثة عشر مرحلة.
قوله: "لقيه أمراء الأجناد" جمع جُنْد -بضم الجيم وسكون النون- قال الجوهري: الشام خمسة أجناد: دمشق وحمص وتنسرين وأردن وفلسطين يقال لكل منها: جُند.
وقال كراع: كان الشام علي خمسة أجناد، علي كل ناحية أمير، ولم يمت عمر - ﵁ - حتي جمع الشام كله لمعاوية - ﵁ -.
قوله: "إن الوباء" الوباء مهموز يمد ويقصر، وهو عبارة عن مرض عام يفضي إلى الموت غالبًا، وعند الأطباء: هو آفة تعرض للهواء فيفسد، فتفسد بفساده الأمزجة.
وقال أبو زيد الأنصاري: أرض وبيئة إذا كثر مرضها.
وقال صاحب الجامع: الوبا -علي وزن فعل: الطاعون، وقيل: كل مرض عام وباء. قال ابن درستويه: والعامة لا تهمزه وإن كان ترك الهمزة جائزًا.
قوله: "لو غيرك قالها" جوابه محذوف، أي لو غيرك قال هذه الكلمة لعاقبته، ويقال: معناه: هلا تركت هذه الكلمة لمن قلَّ فقهه.
قوله: "عدوتان" العُدوة بضم العين وكسرها وقرئ بهما في السبعة وهي جانب الوادي.
[ ١٤ / ٦٤ ]
قوله: "إحداهما خصبة" قال ابن الأثير: ضبط بفتح الخاء وكسر الصاد في بعض الكتب، وفي بعضها بالسكون.
و"الجدبة" بفتح الجيم وسكون الدال ضد الخصبة.
قوله: "كنا نتحدث إلي أبي موسى" أي عند أبي موسي، وكلمة "إلى" تجيء بمعني "عند" كما في قوله الشاعر (١):
أم لا سَبيلَ إلي الشَّبَابِ وذِكْرُهُ أَشْهَى إليَّ من الرحيقِ السَّلْسَلِ
أي ذِكرهُ أشهى عند من الشرابِ الخالص الرائق.
قوله: "لا عليكم" أي لا بأس عليكم أن تخفوا عني أي أن تتفرقوا عني لأجل وقوع الطاعون في أهلي.
قوله: "فاحذروا اثنتين" أي خصلتين.
قوله: "أن يقول قائل" أي إحدى الخصلتين أن يقول قائل.
والخصلة الثانية هي قوله: "أو يقول قائل: لو كانت جلست لأصبت".
قوله: "من عزمتك" العزمة: الحق من الحقوق والواجب من الواجبات.
قوله: "أرض عميقة" أي غور وأودية.
و"الأردن" بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال وهي (٢).
قوله: "فبوئ المسلمين" أمر من بَوَّأَ يبوِّئُ، يقال: بَوَّأَه منزلًا أي أسكنه إياه، وتبوأت منزلًا أي اتخذته.
قوله: "فأخذته أخذة" بفتح الهمزة وسكون الخاء مرة من الأَخْذِ، أراد: ظهر له شيء من أمراض الطاعون فمات من ذلك، قال عروة بن الزبير: "خَرَجَتْ بأبي
_________________
(١) هو أبو كبير الهذلي وهو عامر بن الحليس شاعر من شعراء الحماسة أدرك الإِسلام وأسلم، والبيت من بحر "الكامل" وهو ضمن قصيدة طويلة عدد أبياتها (٤٨) بيتًا.
(٢) بيض له المؤلف -﵀-، وقد عرفها في كتابه "عمدة القاري" (٢/ ٥٩) بقوله: بلدة من بلاد الغور من الشام، وانظر: "معجم البلدان" (١/ ١٤٩).
[ ١٤ / ٦٥ ]
عبيدة في خنصره بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل: إنها ليست بشيء، فقال: إني أرجو أن يبارك الله فيها؛ فإنه إذا بارك في القليل كان كثيرًا، فمات من ذلك وقُبَر ببيسان، وقيل: توفي بعمواس سنة ثماني عشرة - ﵁ -.
ثم الحديث المذكور يشتمل علي أحكام:
الأول: فيه خروج الخليفة إلي أعماله يطالعها وينظر إليها ويعرف أحوال أهلها.
الثاني: فيه استعمال الخليفة أمراءَ عددًا في موضع واحد لوجوه يصرفهم فيها، وكان عمر - ﵁ - قَسَّمَ الشام علي أربعة أمراء، تحت كل واحد منهم جند وناحية من الشام، وهم: أبو عبيدة، وشرحبيل، ويزيد بن أبي سفيان وأحسب الرابع معاذ بن جبل - ﵁ - ثم لم يمت عمر - ﵁ - حتى جمع الشام لمعاوية.
الثالث: فيه دليل علي إباحة العمل والولاية، وأن لا بأس بها للصالحين والعلماء إذا كان الخليفة فاضلًا عالمًا يأمر بالحق ويعدل.
الرابع: فيه دليل علي مشورة من يُوثَقْ بفهمه وعقله عند نزول الأمر المعضل.
الخامس: فيه دليل علي أن المسألة إذا كان دليلها الاجتهاد ووقع فيها الاختلاف لم يجز لأحد القائلين فيه عيب مخالفه ولا الطعن عليه؛ ألا ترى أنهم اختلفوا وهم القدوة فلم يُعِبْ أحد منهم علي صاحبه اجتهاده ولا وَجَدَ عليه في نفسه؟ إلي الله الشكوى، وهو المستعان.
السادس: فيه دليل علي أن المجتهد إذا أدَّاه اجتهاده إلي شيء خالفه فيه صاحبه لم يجز له الميل إلي قوله صاحبه إذا لم يَبِنْ له موضع الصواب فيه، ولا قام له الدليل عليه.
السابع: فيه دليل علي أن الإِمام أو الحاكم إذا نزلت به نازلة لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، كان عليه أن يجمع العلماء وذوي الرأي ويشاورهم، فإن لم يأت واحد منهم بدليل من كتاب أو سنة غير اجتهاده كان عليه الميل إلى الأصلح والأخذ بما يراه.
الثامن: فيه دليل علي إثبات المناظرة والمجادلة عند الخلاف في النوازل والأحكام.
[ ١٤ / ٦٦ ]
التاسع: فيه دليل علي أن الحديث يسمى علمًا ويطلق ذلك عليه؛ ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن عوف: "عندي من هذا علم".
العاشر: فيه دليل علي أن الخلق يجرون في قدر الله وعلمه، وأن أحدًا منهم أو شيئًا لا يخرج عن حكمه وإرادته ومشيئته.
الحادى عشر: فيه أن العالم قد يوجد عند من هو في العلم دونه ما لا يوجد منه عنده؛ لأنه معلوم أن موضع عمر - ﵁ - من العلم ومكانه من الفهم ودنوه من رسول الله -﵇- في المدخل والمخرج فوق عبد الرحمن - ﵁ - وقد كان عند عبد الرحمن عنه -﵇- ما لم يكن عند عمر - ﵁ -.
الثاني عشر: فيه أن القاضي والإمام والحاكم لا يُنْفِذ قضاء ولا يفصل حكمًا إلا عن مشورة من يحضره ويصل إليه ويقدر عليه من علماء موضعه.
الثالث عشر: فيه دليل عظيم علي ما كان عليه القوم من الإنصاف في العلم والانقياد إليه، وكيف لا يكون ذلك وهم خير الأمم؟!.
الرابع عشر: فيه دليل على استعمال خبر الواحد وقبوله وإيجاب العمل به، وهذا أصح وأقوي من جهة الأثر في خبر الواحد.
ص: وقد روي عن غير عبد الرحمن بن عوف [عن النبي - ﷺ -] (١) في مثل هذا ما روي عن عبد الرحمن:
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيي، عن هشام، عن يحيى ابن أبي كثير، عن الحضرمي، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: سمعت رسول الله -﵇- يقول: "إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تفروا منها، وإذا كان بأرضٍ فلا تهبطوا عليها".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان؛ قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيي، أن
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
[ ١٤ / ٦٧ ]
الحضرمي بن لاحق حدثه، أن سعيد بن المسيب حدثه، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي -﵇- مثله.
ش: أي قد روي عن غير عبد الرحمن بن عوف من الصحابة في مثل هذا الأمر المذكور وهو أمر الوباء إذا وقع بأرض ما روي عن عبد الرحمن بن عوف وهو: سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.
أخرج حديثه في هذا من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن الحضرمي -بالحاء المهملة- بن لاحق التميمي السعدي اليمامي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سويد بن عمرو الكلبي، نا أبان، نا يحيي، عن الحضرمي بن لاحق، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك. أن رسول الله -﵇- قال: "إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض أنتم بها فلا تفروا منه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٢) بأتم منه: ثنا هدبة بن خالد، نا أبان بن يزيد، ثنا يحيى بن أبي كثير، أن الحضرمي بن لاحق حدثه، أن سعيد بن المسيب حدثه، عن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله -﵇- كان يقول: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن يك شيء في الطير فالمرأة والفرس والدار، وكان يقول: إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه".
_________________
(١) "مسند أحمد" (١/ ١٨٦ رقم ١٦١٥).
(٢) "مسند أبي يعلى" (٢/ ١٠٦ رقم ٧٦٦).
[ ١٤ / ٦٨ ]
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله -﵇- أنه قال: "إن هذا الوجع -أو السقم- رجز عذب به بعض كفرة الأمم قبلكم ثم بقي في الأرض، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به في أرض فلا يقدمن عليه، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، قال: سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدًا، عن النبي -﵇- قال: "إن هذا الطاعون رجز -أو عذاب- عُذب به قوم؛ فإذا كان بأرض فلا تهبطوا عليه، وإن وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا عنه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد: "أسمعت رسول الله -﵇- يذكر الطاعون؟ قال: نعم، قال: كيف سمعته؟ قال: سمعته يقول: هو رجز سلطه الله علي بني إسرائيل أو علي قوم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا فرارًا منه".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن المنكدر وأيى النضر. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن محمَّد بن المنكدر، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله -﵇-: "أنه ذُكِرَ الطاعون عنده، فقال: إنه رجس -أو رجز- عُذب به أمة من الأمم وقد بقيت منه بقايا. . . ." ثم ذكر مثل حديث يونس، وزاد: وقال لي محمَّد: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز - ﵁ - فقال لي: هكذا حدثني عامر بن سعد.
ش: هذه خمس طرق صحاح، ورجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق وابن خزيمة وفهدًا.
[ ١٤ / ٦٩ ]
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلي آخره.
وأخرجه مسلم (١) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب. . . . إلي آخره نحوه.
قوله: "رجز" أي عقاب.
قوله: "فيذهب المرة" انتصاب المرة على الظرفية.
قوله: "الفرار" مرفوع علي أنه فاعل لقوله: "فلا يُخْرِجَنَّهُ".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت إبراهيم بن سعد، قال: سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدًا، عن النبي -﵇- أنه قال: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، فقلت: أنت سمعته يحدث سعدًا ولا ينكره؟ [قال: نعم] (٣) ".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي. . . . إلي آخره.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة وقتيبة بن سعيد، قالا: أنا المغيرة، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله -﵇-: "الطاعون آية الرجز، ابتلي الله بها أناسًا من عباده، فإذا سمعتم به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٣٨ رقم ٢٢١٨).
(٢) "صحيح البخاري" (٥/ ٢١٦٣ رقم ٥٣٦٩).
(٣) ليست في "الأصل"، والمثبت من "صحيح البخاري".
(٤) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٣٧ رقم ٢٢١٨).
[ ١٤ / ٧٠ ]
قلت: أبو النضر -بالنون والضاد- المعجمة اسمه لا يعرف (١)، وهو مولى عمر بن عبيد الله روى له الشيخان وأبو داود.
الرابع: عن يونس أيضًا. . . . إلي آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن محمَّد بن المنكدر وأبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: "أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله -﵇- في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله - ﷺ -: الطاعون رجز أُرسل علي بني إسرائيل -أو علي من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال مالك: قال أبو النضر: "لا يخرجكم إلا فرار منه"، وقال أبو عمر بن عبد البر (٤): وقع في بعض نسخ شيوخنا إلا فرارًا، وإلا فرارٌ بالنصب والرفع، كأن كان في كتاب يحيى فيه تخليط، وكذلك في كتاب أبي مصعب، ولعل ذلك كان من مالك، والمعنى إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا منه فلا تخرجوا، وأما إذا كان خروجكم غير فارين منه فلا بأس به إن شاء الله.
قال أبو عمر أيضًا: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عامر بن سعد، عن أبيه، وتابعه علي ذلك من رواة "الموطأ" جماعة منهم: مطرف وأبو مصعب، ولا وجه لذكر أبيه في ذلك؛ لأن الحديث إنما هو لعامر بن سعد عن أسامة بن زيد سمعه منه. وهكذا رواه معن بن عيسى وابن بكير ومحمد بن الحسن وغيرهم عن مالك، لم يقولوا: أبيه.
_________________
(١) قلت: بل هو سالم بن أبي أمية القرشي التيمي أبو النضر المدني روي له الجماعة. وانظر تحفة الأشراف (٣/ ٣٥ رقم ٩٢).
(٢) "موطأ مالك" (٢/ ٨٩٦ رقم ١٥٨٨).
(٣) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٣٧ رقم ٢٢١٨).
(٤) "التمهيد" (٢١/ ١٨٣).
[ ١٤ / ٧١ ]
وقد جوده القعنبي فرواه عن مالك، عن محمَّد بن المنكدر، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص أنه أخبره، أن أسامة بن زيد أخبره، أن رسول الله -﵇- قال: "الطاعون رجز. . . . وذكر الحديث ولم يقل فيه: عن أبيه، ولا ذكر أبا النضر مع محمَّد بن المنكدر.
وقد رواه قوم عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي -﵇-، وهو وهم ولا يصح. والله أعلم.
الخامس: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الأعرج. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (١) نحوه: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، من غير ذكر عمر بن عبد العزيز - ﵁ -.
فإن قيل: هل من أحد إلا يموت؟ فما وجه النهى عن دخول الأرض التي بها الطاعون أو الخروج منها؟
قيل له: إنما نهي عنه حِذارًا أن يظن أن الهلاك كان من أجل القدوم، وأن مَن فَرَّ منه نَجي، وزعم بعضهم أن في قوله: "لا تخرجوا فرارًا منها" جواز الخروج من بلد الطاعون علي غير سبيل الفرار منه، وكذلك حكم الداخل. وقال ابن الجوزي: قال بعض العلماء: إنما نهي عن الخروج من بلد الطاعون؛ لأن الأصحاء إذا خرجوا هلكت المرضي، فلا يبقى من يقوم بحالهم؛ فخروجهم لا يقطع بنجاتهم وهو قاطع بهلاك الباقين، والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضًا.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا عكرمة بن خالد المخزومي، عن -أبيه أو عن عمه- عن جده: أن رسول الله -﵇- قال في غزوة تبوك: "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا كنتم بغيرها فلا تقدموا عليها".
_________________
(١) "مسند أحمد" (٥/ ٢٠٧ رقم ٢١٨٥٥).
[ ١٤ / ٧٢ ]
ش: عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المكي، روي له الجماعة سوى ابن ماجه.
وأبوه خالد بن العاص صحابي - ﵁ - روى عن النبي -﵇- في بيع الخمر، وقال أبو عمر: وقيل: إن خالدًا لم يسمع من النبي -﵇-.
وجده: العاص بن هشام، وهو قتل كافرًا يوم بدر؛ فعن هذا قالوا: إن هذا الإسناد فيه وهم؛ لأن عكرمة كيف يروي عن أبيه عن جده، وجده كافر؟!.
وهكذا أخرجه الطبراني (١) ولكن ليس في روايته ذكر: -أو عمه- وقال: ثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي: ثنا شيبان بن فروخ، ثنا حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله -﵇- قال: "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تدخلوها".
وقال ابن الأثير في ترجمة خالد بن العاص بعد أن روى ما رواه الطبراني بإسناده عنه: هذا وهم؛ لأن جد عكرمة علي ما ذكره هو العاص، وخالد والد عكرمة لا جده، وقد اختلف في جد عكرمة فقال ابن أبي حاتم: عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص، وقال ابن حبان: عكرمة بن خالد بن سلمة المخزومي، وقال أبو نصر الكلاباذي مثل الطبراني: عكرمة بن خالد بن العاص، وقال ابن منده: خالد بن سلمة بن هشام بن العاص بن هشام بن المغيرة.
قلت: يستقيم الإسناد المذكور علي ما ذكره ابن أبي حاتم؛ لأنه حينئذٍ يكون جد عكرمة هو سعيد بن العاص، وسعيد بن العاص صحابي ولد عام الهجرة، وروي عن النبي -﵇-، وكذا علي قول ابن حبان، لأنه حينئذٍ يكون جد عكرمة سلمة بن هشام بن المغيرة، وسلمة بن هشام صحابي أسلم قديمًا، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وابن عم خالد بن الوليد، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم.
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٤/ ١٩٥ رقم ٤١٢٠).
[ ١٤ / ٧٣ ]
وقد أخرج أبو موسى المديني هذا الحديث -وليس فيه ذكر عن جده- من طريق حَبان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه -أو عن عمه: "أن النبي -﵇- قال في غزوة تبوك: إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن حميد قال: سمعت شرحبيل بن حسنة يحدث، عن عمرو بن العاص: "أن الطاعون وقع بالشام، فقال عمرو: تفرقوا عنه فإنه رجز، فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة - ﵁ - فقال: قد صحبت رسول الله -﵇- فسمعته يقول: إنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، فاجتمعوا له ولا تفرقوا، فقال عمرو: صدق".
ش: إسناده صحيح.
وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الصمد، ثنا همام، عن قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم قال: "لما وقع الطاعون بالشام خطب عمرو بن العاص الناس وقال: إن هذا الطاعون رجس، فتفرقوا عنه في هذه الشعاب وفي هذه الأودية، فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة فغضب، فجاء يجر ثوبه معلق نعله بيده، فقال: صحبت رسول الله -﵇-، وعمرو أضل من حمار أهله، ولكنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، ووفاة الصالحين قبلكم".
ص: قالوا: فقد أمر رسول الله - ﷺ - في هذه الآثار أن لا يُقدم على الطاعون، وذلك للخوف منه.
ش: أي قال أهل المقالة الأولى، وأراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن عوف وطارق بن شهاب وسعد ابن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جده وشرحبيل بن حسنة - ﵃ -.
_________________
(١) "مسند أحمد" (٤/ ١٩٥ رقم ١٧٧٨٨).
[ ١٤ / ٧٤ ]
ص: قيل لهم: ما في هذا دليل علي ما ذكرتم؛ لأنه لو كان أَمْرُهُ بترك القدوم للخوف منه لكان يطلق لأهل الموضع الذي وقع فيه أيضًا الخروج منه؛ لأن الخوف عليهم منه كالخوف علي غيرهم، فلما منع أهل الموضع الذي وقع فيه الطاعون من الخروج منه، ثبت أن المعنى الذي من أجله منعهم من القدوم عليه غير المعنى الذي ذهبتم إليه.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا من الأحاديث المذكورة وهو جواب بطريق المنع، وهو أن يقال: دليلكم لا يطابق مدَّعاكم؛ وذلك لأنه لو كان أمره بترك القدوم للخوف منه. . . . إلى آخره.
ص: فإن قال قائل: فما ذلك المعنى؟
قيل له: هو عندنا -والله أعلم- علي أن لا يقدم عليه رجل فيصيبه بتقدير الله -﷿- أن يصيبه، فيقول: لولا أن قد قدمت هذه الأرض لما أصابني هذا الوجع، وكذلك لو أقام في الموضع الذي خرج منه لأصابه، فأمر أن لا يقدمها خوفًا من هذا القول، وكذلك أمر أن لا يخرج من الأرض التي قد نزل بها؛ لئلا يسلم، فيقول: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء، فأمر بترك القدوم على الطاعون للمعنى الذي وصفنا، وبترك الخروج عنه للمعنى الذي ذكرنا، وكذلك ما روينا عنه في أول هذا الباب من قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" ليس علي ما تأوله عليه أهل المقالة الأولي، ولكنه عندنا -والله أعلم- لا يورد ممرض علي مصح فيصيب المصح ذلك المرض، فيقول الذي أورده: لو أني لم أورده عليه لم يصبه من هذا المرض شيء، فلعله لو لم يورده أيضًا لأصابه كما أصابه لما أورده، فأمر بترك إيراده وهو صحيح علي ما هو مريض لهذه العلة، التي لا يؤمن على الناس وقوعها في قلوبهم، وقولهم ما ذكرنا بألسنتهم.
ش: أشار بذلك المعنى إلى قوله: غير المعنى الذي ذهبتم وهو ظاهر، وهذا جواب الجمهور، وقالوا: إن نهي النبي -﵇- أن يسقي إبله الممرض مع إبله المصح لا
[ ١٤ / ٧٥ ]
لأجل العدوي، ولكن لأن الصحاح ربما عرض لها مرض فوقع في نفس صاحبها أن ذلك من قبيل العدوى فتفتنه وتشككه، فأمر باجتنابه والبعد عنه، وقد يحتمل أن يكون ذلك من قبيل الماء والمرعى تستوبله الماشية فتمرض، فإذا شاركها في ذلك غيرها أصابه مثل ذلك الداء، فكانوا لجهلهم يسمونه عدوى، وإنما هو فعل الله تعالى بتأثير الطبيعة علي سبيل التوسط في ذلك. والله أعلم.
ص: وقد روي عن رسول الله -﵇- في نفي الإعداء: ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي، أن سعيد بن المسيب قال: "سألت سعدًا عن الطيرة، فانتهرني، وقال: من حدثك؟ فكرهت أن أحدثه، فقال: سمعت رسول الله -﵇- يقول: لا عدوى ولا طيرة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى. . . . فذكر بإسناده مثله، وزاد: "ولا هامة".
ش: ذكر هذا الحديث وما بعده من الأحاديث شاهدةً لصحة ما ذهب إليه من خالف أهل المقالة الأولى في قولهم: لا يورد الممرض على المصح، وينبغي الفرار والاجتناب عن ذي داء وعاهة.
وأخرج هذا الحديث من طريقين صحيحين، وقد ذكرهما بعينهما عن قريب.
وأخرج البزار في "مسنده" (١) نحو الأول قال: ثنا محمَّد بن المثني، عن عبيد الله ابن موسى، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي. . . . إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٢) نحو الثاني: ثنا موسي بن إسماعيل، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى، أن الحضرمي بن لاحق حدثه، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك أن رسول الله -﵇- كان يقول: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار".
_________________
(١) "مسند البزار" (٣/ ٢٩٠ رقم ١٠٨٢).
(٢) "سنن أبي داود" (٤/ ١٩ رقم ٣٩٢١).
[ ١٤ / ٧٦ ]
قوله: "لا عدوى" اسم من الإعداء، وقد فسرناه عن قريب.
و"الطيرة" بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيءِ، وهو مصدر تطير، يقال: تَطَيَّرَ طيَرة كما يقال: تَخَيَّرَ خِيَرَةً ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهي عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر.
و"الهامة": الرأس واسم طائر، وهو المراد في الحديث؛ وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت. أو قيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت -وقيل: روحه- تصير هامة فتطير، ويسمونه: الصَّدَي، فنفاه الإِسلام ونهاهم عنه. ذكره الهروي في الهاء والواو، وذكره الجوهري في الهاء والباء.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة (ح).
وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا الوليد بن عقبة الشيباني، قال: ثنا حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله -﵇-: "لا يُعدي سقيم صحيحًا".
ش: هذان طريقان جيدان حسنان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن عثمان بن أبي شيبة، عن الوليد بن عقبة بن المغيرة الشيباني الكوفي، قال أبو زرعة: لا بأس به. ووثقه ابن حبان، وروي له أبو داود.
عن حمزة بن حبيب بن عمارة الكوفي الزيات، روى له الجماعة سوى البخاري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني الكوفي، وثقه النسائي، وروي له في "مسند علي - ﵁ -" وهو صاحب شُرَطة علي بن أبي طالب.
[ ١٤ / ٧٧ ]
وأخرجه أبو يعلي في "مسند" (١) بأتم منه: ثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا الوليد بن عقبة -قال عثمان: الشيباني- قال: نا حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة الحماني، عن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا صفر، ولا هامة، ولا يُعدي سقيم صحيحًا".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن الوليد بن عقبة. . . . إلى آخره.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -﵇-: "لا طيرة ولا هامة ولا عدوى، فقال رجل: أطرح الشاة الجربى في الغنم فتجربهن؟ قال النبي -﵇- أو ابن عباس: فالأولى من أجربها؟! ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يشك في شيء منه، وذكره كله عن النبي -﵇-.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس.
_________________
(١) "مسند أبي يعلى" (١/ ٣٤٠ رقم ٤٣١).
(٢) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١١٧١ رقم ٣٥٣٩).
[ ١٤ / ٧٨ ]
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا سريج بن النعمان، قال: ثنا هشيم، عن ابن شبرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا عدوى، فقال رجل: يا رسول الله، فإن النقبة من الجرب تكون بجنب البعير فيشمل ذلك الإبل كلها جربًا! فقال رسول الله -﵇-: فمن أعدى الأول؟ خلق الله -﷿- كل دابة فكتب أجلها ورزقها وأثرها".
ش: إسناده صحيح.
وأبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي.
وسريج -بضم السين المهملة وبالجيم- بن النعمان الجوهري، شيخ البخاري.
وهشيم هو ابن بشير.
وابن شُبْرة هو عبد الله بن شُبرمة بن الطفيل الضبي الكوفي القاضي، فقيه أهل الكوفة التابعي.
وأبو زرعة بن عمرو قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، روي له الجماعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا هاشم، نا محمد بن طلحة، عن عبد الله بن شُبْرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -﵇-: "لا يُعدي شيء شيئًا -ثلاثًا- فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، إن النقبة تكون بمشفر البعير أو بعَجبْه؛ فتشمل الإبل جربًا! قال: فسكت ساعة، ثم قال: ما أعدى الأول؟! لا عدوى ولا صفر ولا هامة؛ خلق الله -﷿- كل نفس، فكتب حياتها وموتها ومصيباتها ورزقها".
قوله: "فإن النُقْبَة" بضم النون وسكون القاف وفتح الباء الموحدة، وهو أول شيء يظهر من الجرب، وجمعها نُقْب بسكون القاف؛ لأنها تنقب الجلد أي تحرقه.
_________________
(١) "مسند أحمد" (٢/ ٣٢٧ رقم ٨٣٢٥).
[ ١٤ / ٧٩ ]
قوله: "وأثرها" بفتحتين، وأراد به: مشيها في الأرض، ومن ذلك سمي الأجل أثرًا لأن من مات لا يبقى له أثر، فلا يُرى لأقدامه في الأرض أثرٌ.
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن رجل، عن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - مثله.
ش: قبيصة هو ابن عقبة السوائي، شيخ البخاري.
وسفيان هو الثوري.
وعمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، روي له الجماعة.
وأبو زرعة هو بن عَمرو بن جرير، وقد ذكر الآن، وفيه مجهول.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن عمارة بن القعقاع، ثنا أبو زرعة، ثنا صاحب لنا، عن عبد الله بن مسعود قال: "قام فينا رسول الله -﵇- فقال: لا يُعدي شيء شيئًا، لا يُعدي شيء شيئًا، لا يعدي شيء شيئًا (٢) فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة، فتجرب كلها! فقال رسول الله -﵇-: فما أجرب الأول؟! لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس فكتب حياتها ومصيباتها ورزقها".
وأخرجه الترمذي (٣) أيضًا عن محمَّد بن بشار، عن عبد الرحمن. . . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا المقدمي، قال: ثنا حسان بن إبراهيم الكرماني، قال: ثنا سعيد بن مسروق، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن رجل من أصحاب ابن مسعود، عن أبي هريرة، عن النبي -﵇- مثله.
_________________
(١) "مسند أحمد" (١/ ٤٤٠ رقم ٤١٩٨).
(٢) كذا في "الأصل" تكررت "لا يعدي شيء شيئًا" ثلاث مرات، وفي "مسند أحمد" مرة واحدة.
(٣) "جامع الترمذي" (٤/ ٤٥٠ رقم ٢١٤٣).
[ ١٤ / ٨٠ ]
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي -﵇- مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، عن حسان بن إبراهيم بن عبد الله الكرماني قاضي كرمان، عن سعيد ابن مسروق الثوري والد سفيان الثوري، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن رجل، عن أبي هريرة.
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (١) نحوه، وقد ذكرناه عن قريب.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا مالك ويونس، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر عن ابن عمر، - ﵄ - عن رسول الله -﵇- قال: "لا عدوى".
ش: رجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، أن أبا الزبير حدثه، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله -﵇- مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان.
_________________
(١) "مسند أحمد" (٢/ ٣٢٧ رقم ٨٣٢٥).
(٢) "موطأ مالك" (٢/ ٩٧٢ رقم ١٧٥٠).
[ ١٤ / ٨١ ]
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد -شيخ البخاري- عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمَّد بن حاتم، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي -﵇- يقول: "لا عدوى ولا غول ولا صفر".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -.
ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشَيش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن أنس، عن النبي -﵇- مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي -﵇- مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن ابن خُشَيْش -بضم الخاء المعجمة وبشينين معجمتين- عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي -﵇- قال: "لا عدوى ولا طيرة؛ ويعجبني الفأل الصالح [والفأل الصحيح: الكلمة الصحيحة] (٣) ".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٥ رقم ٢٢٢٢).
(٢) "سنن أبي داود" (٤/ ١٨ رقم ٣٩١٦).
(٣) كذا في "الأصل، ك"، وفي "سنن أبي داود": والفأل الصالح: الكلمة الحسنة.
[ ١٤ / ٨٢ ]
وأخرجه الترمذي (١) عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن هشام، عن قتادة، عن أنس نحوه، وقال: حسن صحيح.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الصبغي، عن شعبة بن الحجاج. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن مثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث، عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي -﵇- قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة".
وأخرجه ابن ماجه (٣) أيضًا:
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابن عجلان، قال: حدثني القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم وعبيد الله بن مقسم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله -﵇- مثله، وزاد: "ولا هامة ولا غول ولا صفر، قال أبو صالح: فسافرت إلى الكوفة ثم رجعت فإذا أبو هريرة ينتقص: لا عدوى. لا يذكرها، فقلت: لا عدوى، فقال: أببت".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة وغيره، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله -﵇-: "لا عدوى، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيجربها؟! فقال رسول الله -﵇-: فمن أعدى الأول؟ ".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال: قال ابن شهاب: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله -﵇- مثله.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤/ ١٦١ رقم ١٦١٥).
(٢) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٦ رقم ٢٢٢٤).
(٣) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١١٧٠ رقم ٣٥٣٧).
[ ١٤ / ٨٣ ]
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد الحذامي، عن عُلَيّ بن رباح اللخمي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله -﵇-: "لا عدوي".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن القعقاع بن حكيم الكناني، روى له الجماعة؛ البخاري في غير الصحيح، وعن زيد بن أسلم القرشي المدني الفقيه -أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة، وعن عبيد الله بن مقسم المدني، روي له الجماعة؛ غير الترمذي، ثلاثتهم عن أبي صالح ذكوان الزيات، روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١) مختصرًا: ثنا محمَّد بن عبد الرحيم [بن] (٢) البرقي، أن سعيد بن الحكم حدثهم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابن عجلان قال: ثنا القعقاع بن حكيم وعبيد الله بن مقسم وزيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله -﵇-[قال] (٢): "لا غول".
وأخرجه البزار في "مسنده" عن محمَّد بن مسكين، عن سعيد بن أبي مريم. . . . إلى آخره. وقال: "لا عدوى ولا غول ولا هامة ولا صفر".
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، روى له الجماعة، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، روى له الجماعة، عن صالح بن كيسان المدني، روي له الجماعة، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤/ ١٧ رقم ٣٩١٣).
(٢) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود".
[ ١٤ / ٨٤ ]
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره، أن أبا هريرة - ﵁ - قال: إن رسول الله -﵇- قال: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال إبلي (تكون في الرمل) (٢) كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها؟! فقال: فمن أعدى الأول؟ ".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (٣): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى -واللفظ لأبي طاهر- قالا: نا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال ابن شهاب: فحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة حين قال رسول الله -﵇-: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيجيء البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها كلها؟! قال: فمن أعدى الأول؟ ".
الرابع: عن يونس أيضًا عن عبد الله بن وهب، عن معروف بن سويد الحذاء، عن عُلَيّ -بضم العين وفتح اللام- بن رَبَاح، وقال ابن يونس في ترجمة معروف بن سويد هذا: وليس عند ابن وهب عن معروف بن سويد هذا من المسند إلا ثلاثة أحاديث كلها عن عُلَي بن رباح، عن أبي هريرة - ﵁ -.
قوله: "لا غَول" الغول بضم الغين المعجمة، أحد الغيلان وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس، فتتغول تغولًا أي: تتلون تلونًا في صور شتى، وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي -﵇- وأبطله.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ٢١٦١ رقم ٥٣٨٧).
(٢) تكررت في "الأصل".
(٣) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٢ رقم ٢٢٢٠).
[ ١٤ / ٨٥ ]
وقيل: قوله: "لا غول" ليس نَفْيًا لعين الغول أو وجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله، فيكون المعنى بقوله: "لا غول" أنها لا تستطيع أن تُضل أحدًا، ويشهد له الحديث الآخر: "لا غول ولكن السعالي" والسِّعالي جمع سِعلاة وهي السحرة من الجن، أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان" أي ادفعوا شرها بذكر الله، وهذا يدل علي أنه لم يرد بنفيها عدمها، ومنه حديث أبي أيوب - ﵁ -: "كان لي تمر في سهوة، فكان الغول يجيء فيأخذ".
وقال الخطابي: قوله: "لا غول" ليس نفي الغول عينًا وإبطال كونها، وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها من اختلاف تلونها في الصور المختلفة، وإضلالها الناس عن الطريق، وسائر ما يحكون عنها مما لا نعلم له حقيقة، نقول: لا تصدقوا بذلك ولا تخافوها؛ فإنها لا تقدر علي شيء من ذلك إلا بإذن الله، ويقال: إن الغيلان سحرة الجن؛ تسحر الناس وتفتنهم بالإنحلال عن الطريق. والله أعلم.
قوله: "ولا صفر" كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها: الصفر تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تُعْدِي فأبطل الإِسلام ذلك، وقيل: أراد به النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلون صفر هو الشهر الحرام فأبطله، قال الخطابي: حكي أبو عبيد، عن رؤبة بن الحجاج أنه قال: الصفر حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس وهي أعدى من الجرب، قال أبو عبيد: فأبطل النبي -﵇- أنها تُعدي.
وقال أبو داود في "سننه" (١): ثنا محمَّد بن المصفى، قال: ثنا بقية، قال: قلت لمحمد بن راشد: قوله: هامة قال: كانت الجاهلية تقول: ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج من قبره هامة.
قلت: فقوله: صفر قال: سمعنا أن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر، فقال: النبي -﵇-: لا صفر".
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٢/ ٤١١ رقم ٣٩١٥).
[ ١٤ / ٨٦ ]
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نمر، عن رسول الله -﵇- مثله.
ش: إسناده صحيح.
وأبو اليمان الحكم بن نافع -شيخ البخاري.
وشعيب هو ابن حمزة.
والزهري محمَّد بن مسلم.
والسائب بن يزيد الكندي له ولأبيه صحبة.
وأخرجه مسلم (١): حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أنا اليمان، عن شعيب، عن الزهري، قال: حدثني السائب بن يزيد ابن أخت نمر، أن النبي -﵇- قال: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا هشام وسعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي -﵇- مثله.
ش: إسناده صحيح.
ومسدد هو ابن مسرهد -شيخ البخاري وأبي داود.
ويحيى هو ابن سعيد القطان.
وهشام هو الدستوائي.
وسعيد هو ابن أبي عروبة.
وأخرجه مسلم (٢): عن هدبة بن خالد، عن همام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي -﵇- قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل؛ الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٣ رقم ٢٢٢٠).
(٢) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٦ رقم ٢٢٢٤).
[ ١٤ / ٨٧ ]
ص: حدثنا ابن مرزوق (قال: ثنا) (١) وهب قال: ثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت أبا الربيع يحدث، عن أبي هريرة، عن رسول الله -﵇- قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: الطعن في الأنساب، والنياحة، ومطرنا بنوء كذا وكذا، والعدوى؛ يكون البعير في الإبل فتجرب، فيقول: مَن أعدى الأول".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن علقمة فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان حسنان جيدان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وعن أحمد: ثبت في الحديث. روي له الجماعة، عن أبي الربيع المدني قال أبو حاتم: صالح الحديث.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا أبو داود، قال: أنا شعبة والمسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة والطعن في الأنساب، والعدوى؛ أجرب بعير فأجرب مائة بعير؛ ومن [أجرب] (٣) البعير الأول؟ والأنواء؛ مطرنا بنوء كذا وكذا". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد .. إلي آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): عن محمَّد بن جعفر، عن حجاج، عن شعبة، عن علقمة. . . . إلى آخره نحوه.
_________________
(١) تكررت في "الأصل".
(٢) "جامع الترمذي" (٣/ ٣٢٥ رقم ١٠٠١).
(٣) في "الأصل، ك": "جرب"، والمثبت من "جامع الترمذي".
(٤) "مسند أحمد" (٢/ ٤٥٥ رقم ٩٨٧٣).
[ ١٤ / ٨٨ ]
قوله: "بنوء كذا" النوء يجمع علي أنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنها قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (١)، ويسقط في الغرب كل ثلاثة عشرة ليلة منزلة تنزل القمر مع طلوع الفجر وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت من الشرق، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رفقتها يكون مطر، وينسبونه إليها فيقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء -الطالع بالشرق- ينوء نوءًا أي نهض وطلع، وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد، قال أبو عبيد: لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وإنما غلظ النبي -﵇- في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله، وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا أي في وقت هذا -وهو هذا النوء الفلاني- فإن ذلك جائز؛ فإن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو سعيد الأشج، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي -﵇- قال: "لا عدوى. وقال: فمن أعدى الأول؟ ".
ش: أبو سعيد الأشج اسمه عبد الله بن سعيد بن الحصين الكندي الكوفي شيخ الجماعة.
وأبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي روى له الجماعة.
وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي، روى له الجماعة.
والقاسم هو ابن عبد الرحمن الشامي، فيه خلاف.
وأبو أمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي - ﵁ -.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا أحمد بن أنس بن مالك الدمشقي، نا عمرو بن محمَّد
_________________
(١) سورة يس، آية: [٣٩].
(٢) "المعجم الكبير" (٨/ ١٩٥ رقم ٧٨٠١).
[ ١٤ / ٨٩ ]
الغاز الجرشي، ثنا أبو خليد، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -﵇-: "لا هام، ولا صفر، ولا عدوى، ولا يتم شهران ثلاثون يومًا".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يونس بن محمَّد، عن مفضل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر - ﵁ - قال: "أخد النبي -﵇- بيد مجذوم فوضعها في القصعة، وقال: بسم الله، ثقة بالله وتوكلًا على الله".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا إسماعيل بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله -﵇- مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: غريب: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة -واسمه عبد الله بن محمَّد الحافظ الكوفي شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه، عن يونس بن محمَّد بن مسلم البغدادي المؤدب -روى له الجماعة- عن مفضل بن فضالة أبي مالك البصري، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بذاك، وعن ابن المديني: في حديثه نكارة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
عن حبيب بن الشهيد الأزدي البصري، روى له الجماعة.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن سعيد الأشقر وإبراهيم بن يعقوب، قالا: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا المفضل بن فضالة. . . . إلى آخره نحوه متنًا وسندًا، غير أن في لفظه: "فأدخله معه في القصعة" قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمَّد، عن المفضل بن فضالة، هذا شيخ بصري، والمفضل بن فضالة آخر، شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤/ ٢٦٦ رقم ١٨١٧).
[ ١٤ / ٩٠ ]
وأخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) أيضًا.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضي البصرة وشيخ البخاري، عن إسماعيل بن مسلم المكي، فيه مقال؛ فعن أحمد: منكر الحديث. وعن ابن معين: لا شيء. وعن ابن المديني: ليس بشيء.
وهو يروي عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.
قوله: "بيد مجزوم" وهو الذي أصابه الجذام، قال ابن سيده: سمي بذلك؛ لتجذم الأصابع وتقطعها، ورجل أجذم ومجذم: نزل به الجذام، وقالت الأطباء: الجذام علة تحدث من انتشار السواد في جميع البدن، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها وربما تَقَرح.
فإن قيل: قد أخرج البخاري (٣) من حديث أبي هريرة، عن النبي -﵇-: "فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد".
وأخرج أبو نعيم أيضًا (٤) من حديث أبي هريرة، عن النبي -﵇- قال: "اتقوا المجذوم كما يتقي الأسد".
وفي حديث ابن عباس عنه -﵇-: "فروا من الأجذم كما تفرون من الأسد" (٥)، وفي رواية: "لا تديموا النظر إلى المجذومين" (٦).
وأخرج ابن حبان (٧) من حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي -﵇-: إنا قد بايعناك فارجع".
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤/ ٢٠ رقم ٣٩٢٥).
(٢) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١٧٢ رقم ٣٥٤٢).
(٣) "صحيح البخاري" (٥/ ٢١٥٨ رقم ٥٣٨٠).
(٤) وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٧/ ٢١٨ رقم ١٤٠٢٤) من حديث الأعرج عن أبي هريرة.
(٥) أخرجه معمر بن راشد في "جامعه" (١١/ ٢٠٤).
(٦) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢/ ١١٧٢ رقم ٢٥٤٣).
(٧) هو عند مسلم في "صحيحه" (٤/ ١٧٥٢ رقم ٢٢٣١)، والنسائي في "المجتبى" (٧/ ١٥٠ رقم ٤١٨٢).
[ ١٤ / ٩١ ]
وأخرج أبو نعيم (١) أيضًا من حديث الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن أبي أوفى، أن رسول الله -﵇- قال: "كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين".
وأخرج ابن ماجه (٢) من حديث فاطمة بنت الحسين، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تديموا النظر إلى المجذوم".
وفي رواية (٣) عن فاطمة، عن أبيها، عن علي ترفعه، فذكره.
فهذه كلها تعارض حديث جابر - ﵁ -.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأمور:
الأول: أن حديث جابر لا يقاوم الأحاديث المذكورة، والمُعَارَضَة لا تكون إلا مع التساوي.
الثاني: علي تقدير الصحة أن أخذه بيده، وقوله: "كل بسم الله" ليس فيه أنه أكل معه، وإنما أذن له ولم يأكل هو -﵇-. ذكره الكلاباذي.
الثالث: علي تقدير أكله معه؛ أراد أن يُعْلم أن هذه الأمراض لا تُعدي بطبعها، ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب؛ ففي حديث جابر ونحوه نفي ما كان يعتقده الجاهلي، وأن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال في حديث أخر: "فمن أعدي الأول" وفي حديث أبي هريرة ونحوه أَعْلَم أن الله جعل ذلك سببًا لذلك، فحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله تعالى، أو يكون قاله لمن ضعفت نيته، وحديث جابر يكون في حق من قويت نيته وزاد يقينه، فيخاطب -﵇- كل إنسان بما يليق حاله، وهو -﵇- يفعل الحالتين معًا، تارة بما فيه التسوية والتشريع، وتارة بما يغلب عليه من القوة الإلهية، وزعم النظام أن قوله: "فر من
_________________
(١) وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٢٨٩).
(٢) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١١٧٢ رقم ٣٥٤٣).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (١/ ٧٨ رقم ٥٨١).
[ ١٤ / ٩٢ ]
المجذوم" معارض لقوله: "لا عدوى" قال أبو بكر محمَّد بن الطيب: هذا جهل وحيف من قائله؛ لأن قوله: "لا عدوى" مخصوص يراد به شيء دون شيء، وإن كان الكلام ظاهره العموم فليس بمنكر أن يخص العموم بقول آخر، أو استثناء فيكون قوله: "لا عدوى" المراد به إلا الجذام والبرص والجرب فكأنه قال: لا عدوى إلا ما كنت بينته لكم أن فيه عدوى فلا تناقض حينئذ.
وقال الطبري: اختلف السلف في صحة هذا الحديث -أي حديث: "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"- فأنكر بعضهم أن يكون -﵇- أمر بالبعد من ذي عاهة جذامًا كان أو غيره، قالوا: قد أكل مع مجذوم وأقعده معه، وفعله أصحابه المهديون، روى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أن وفد ثقيف أتوا أبا بكر الصديق - ﵁ - فأتى بطعام فدعاهم، فتنحى رجل، فقال: ما له؟ قال: مجذوم، فدعاه وأكل معه". وكان ابن عمر وسلمان - ﵃ - يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان معهم، وعن عكرمة: "أنه تنحى من مجذوم، فقال له ابن عباس: لعله خير مني ومنك".
وعن عائشة: "أن امرأة سألتها. أكان رسول الله -﵇- قال: فروا من المجذومين فراركم من الأسد؟ فقالت: عائشة كلَّا والله، ولكنه قال: لا عدوى، قال: فمن أعدى الأول، وكان مولى لنا أصابه ذلك الداء، فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي".
قالوا: وقد أبطل -﵇- العدوى.
وقال آخرون: الخبر صحيح، وقالوا: أمره -﵇- بالفرار منه لنهيه عن النظر إليه.
وقال محمَّد بن جرير: الصواب عندنا ما صح أنه لا عدوى وأنه لا يصيب نفسًا إلا ما كُتِبَ عليها من الله، لا ينبغي لذي صحة الدنو من الأجذم وذي العاهة التي يكرهها الناس لا أن ذلك حرام، ولكن حذرًا من أن يظن الصحيح إذْ نزل به الداء أن ذلك أصابه لدنوه منه، فيوجب له ذلك الدخول فيما نهى عنه وأبطله من أمر الجاهلية في العدوى، وليس في أمره -﵇- بالفرار من المجذوم خلاف لأكله معه؛
[ ١٤ / ٩٣ ]
لأنه كان يأمر بالأمر علي جهة الندب أحيانًا، وعل وجه الإباحة أحيانًا، ثم يترك فعله؛ ليعلم أن نهيه لم يكن علي وجه التحريم.
ص: حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن أبي مسلم الخولاني، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل مع صاحب البلاء؛ توضعًا لربك وإيمانًا".
ش: علي بن زيد بن عبد الله الفرضي -نزيل طرسوس.
وموسى بن داود الضبي قاضي طرسوس وشيخ أحمد، ثقة روي له مسلم والأربعة غير الترمذي.
ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني، روي له الجماعة.
وأبو مسلم الخولاني اسمه عبد الله بن ثُوبَ بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وفي آخره باء موحدة، ويقال: ثواب، ويقال: ابن أثوب، ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عوف، ويقال: ابن مسلم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف، اليماني الزاهد، سكن الشام بداريا بالقرب من دمشق رحل يطلب النبي -﵇- فمات النبي -﵇- وهو في الطريق، ولقي أبا بكر الصديق، وروى عن عمر وغيره من الصحابة، روى له مسلم والأربعة غير الترمذي.
وأبو ذر اسمه جندب بن جنادة الغفاري - ﵁ -.
ص: فقد نفى رسول الله - ﷺ - العدوى في هذه الآثار التي ذكرناها، وقال: "فمن أعدى الأول؟ " أي لو كان إنما أصاب الثاني لما أعداه الأول؛ إذًا لما أصاب الأول شيء؛ لأنه لم يكن معه ما يعديه، ولكنه لما كان ما أصاب الأول إنما كان بقدر الله -﷿-؛ كان ما أصاب الثاني كذلك.
ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن جماعة من الصحابة وهم: سعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن
[ ١٤ / ٩٤ ]
مالك والسائب بن يزيد وأبو أمامة الباهلي وأبو ذر الغفاري - ﵃ - فإن النبي -﵇- نفى الإعداء في أحاديث هؤلاء حيث قال: "فمن أعدى الأول؟ " وبيَّن معنى هذا الكلام بقوله: أي لو كان إنما أصاب الثاني. . . . إلى آخره.
قوله: "لما أعداه الأول" أي لأجل إعداء الأول الثاني، وكلمة "ما" مصدرية.
قوله: "إذًا" أي حينئذ.
قوله: "لما أصاب الأول شىء". "اللام" مفتوحة و"ما" نافية.
قوله: "ولكن لمَّا كان". "لما" هذه بمعنى "حين".
ص: فإن قال قائل: أفنجعل هذا مضادًا لما روي عن النبي -﵇-: "لا يُورَد مُمْرِض علي مُصِح" كما جعله أبو هريرة.
قلت: لا، ولكن نجعل قوله: "لا عدوى" كما قال النبي -﵇- على نفي العدوى أن تكون أبدًا، ونجعل قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" على الخوف منه أن يورده عليه فيصيبه بقدر الله -﷿- ما أصاب الأول، فيقول الناس: أعداه الأول، فكره إيراد المصح إلى الممرض خوف هذا القول.
ش: تقرير السؤال أن يقال: الأحاديث المذكورة عن الصحابة المذكورين تدل علي نفي الإعداء، وحديث أبي هريرة الذي رواه عن النبي -﵇-: "لا يورد ممرض علي مصح" الذي احتجت به أهل المقالة الأولى يدل علي وجود الإعداء، وبينهما تعارض وتضاد.
وتقرير الجواب أن يقال: إنما كان يكون بينهما تعارض إذ ورد معناهما علي محل واحد، وأما إذا كان معنى كل واحدٍ واردًا علي محل واحدٍ؛ لا يتحقق التعارض ولا التضاد، وهاهنا كذلك، وقد بينه بقوله: "ولكن نجعل".
قوله: "لا عدوى. . . ." إلي آخره وهو ظاهر، والهمزة في قوله: "أفنجعل" للاستفهام.
[ ١٤ / ٩٥ ]
ص: وقد روينا عن رسول الله -﵇- في هذه الآثار أيضًا وضعه يد المجذوم في القَصْعة، فدلّ فعل رسول الله -﵇- هذا أيضًا علي نفي الإعداء؛ لأنه لو كان الإعداء مما يجوز أن يكون؛ إذًا لما فعل النبي -﵇- ما يخاف ذلك منه؛ لأن في ذلك جَرُّ التلف إليه، وقد نهى الله -﷿- عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقد مَرَّ رسول الله -﵇- بهدف مائل فأسرع"، فإذا كان يسرع من الهدف المائل مخافة الموت؛ فكيف يجوز عليه أن يفعل ما يخاف منه الإعداء؟!.
ش: ذكر هذا تأييدًا لما قاله من نفي التضاد بين الأحاديث المذكورة، في دلالة وضع النبي -﵇- يد المجزوم في القصعة علي نفي الإعداء، ظاهره قطعًا، إذ لو كان الإعداء مما له وقوع لما فعل النبي -﵇- ما يخاف الإعداء منه؛ لأن فيه جلب التلف إلى النفس، وقد نهي الله -﷿- عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) ولما مَرَّ النبي -﵇- بهدف مائل أسرع خوفًا من الوقوع، فإذا كان قد أسرع في ذلك مخافة الموت؛ فكيف يجوز عليه فعل ما يخاف منه الإعداء الذي يؤدي إلى التلف؟!.
و"الهدف" بفتحتين كل بناء مرتفع مشرف.
وقد أخرج الطحاوي هذا معلقًا هاهنا.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا إسماعيل بن علية، عن حجاج الصواف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: بلغني أن رسول الله -﵇- كان يقول: "إذا مَرَّ أحدكم بهدف مائل، أو صدف مائل فليسرع المشي، وليسأل الله المعافاة".
ص: وقد ذكرت فيما تقدم من هذا الباب أيضًا معنى ما روي عن رسول الله -﵇- في الطاعون في نهيه عن الهبوط عليه، وفي نهيه عن الخروج منه، وأن نهيه عن الهبوط عليه خوفا أن يكون قد سبق في علم الله -﷿- أنهم إذا هبطوا عليه أصابهم، فيهبطون فيصيبهم، فيقولون: أصابنا لأنا هبطنا عليه، ولولا أنا هبطنا عليه لما أصابنا.
_________________
(١) سورة النساء، آية: [٢٩].
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٣٣٥ رقم ٢٦٦٤١).
[ ١٤ / ٩٦ ]
وأن نهيه عن الخروج منه لئلا يخرج رجل فَيَسْلَم فيقول: سلمت لأني خرجت، ولولا أني خرجت لم أَسْلَم، فلما كان النهي عن الخروج عن الطاعون، وعن الهبوط عليه لمعنى واحد وهو الطيرة لا الإعداء؛ كان كذلك قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" هو الطيرة أيضًا لا الإعداء؛ فنهاهم رسول الله -﵇- في هذا كله عن الأسباب التي من أجلها يتطيرون، وفي حديث أسامة الذي رويناه عن رسول الله -﵇-، "وإذا وقع بأرض وهو بها فلا يخرجه الفرار منه" دليل علي أنه لا بأس بأن يخرج منها لا على الفرار منه.
ش: المعنى الذي ذكره في قوله -﵇-: "إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض أنتم بها فلا تفروا منه" مما يؤيد المعنى الذي ذكره في التوفيق بين الأحاديث التي فيها نفي الإعداء؛ وبين قوله -﵇-: "لا يورد ممرض على مصح" وهو ظاهر.
وقوله: "فلما كان النهي عن الخروج. . . ." إلي آخره إشارة إلى أن حاصل المعنى المذكور يرجع إلى معنى الطيرة لا إلي معنى الإعداء، فإذا كان المعني على هذا؛ كان معني قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" راجعًا إلى معنى الطيرة لا الإعداء، فكأن النهي في الأحاديث المذكورة عن مباشرة الأسباب التي كانوا يتطيرون من أجلها.
ص: وقد دل علي ذلك أيضًا ما حدثنا يونس، قال: أنا بشر بن بكر، قال: أنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيي بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس - ﵁ - أن نفرًا من عكل قدموا علي رسول الله - ﷺ - المدينة فاجتووها، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو خرجتم إلي ذودٍ فشربتم من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا. . . ." ثم ذكر الحديث.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك قال: "أتى رسول الله - ﷺ - نفر مَرْضَي من حي من أحياء العرب، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة المُومْ وهو البرسَام، فقالوا: يا رسول الله، هذا الوجع قد وقع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل فكنا فيها؟ قال: نعم، اخرجوا فكونوا فيها".
[ ١٤ / ٩٧ ]
ففي هذا الحديث أن رسول الله -﵇- أمرهم بالخروج إلى الإبل، وقد وقع الوباء بالمدينة، فكان ذلك عندنا -والله أعلم- علي أن يكون خروجهم للعلاج لا للفرار منه؛ فثبت بذلك أن الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون مكروه للفرار منه؛ مباح لغير الفرار.
ش: أي وقد دل علي أنه لا بأس بالخروج من الأرض التي وقع فيها الوباء إذا كان لا علي وجه الفرار منه، ما روي عن أنس بن مالك - ﵁ -.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن بشر بن بكر التنيسي شيخ الشافعي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي قلابة عبد الله ابن زيد الجرمي، عن أنس.
وأخرجه (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم أناس من عكل أو عرينة. فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي -﵇- بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي -﵇- واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر فقطع أيدهم وأرجالهم، وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله".
وأخرجه البخاري في جامعه في مواضع متعددة (٢).
وأخرجه أبو داود (٣): عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. . . . إلى آخره.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ٩٢ رقم ٢٣١).
(٢) انظر الأرقام: (١٤٣٠، ٢٨٥٥، ٣٩٥٦، ٣٩٥٧، ٤٣٣٤، ٥٣٦١، ٥٣٦٢، ٥٣٩٥، ٦٤١٧، ٦٤٢٠، ٦٥٠٣) وغير ذلك.
(٣) "سنن أبي داود" (٤/ ١٣٠ رقم ٤٣٦٤).
[ ١٤ / ٩٨ ]
وأخرجه (١) أيضًا عن عمرو بن عثمان، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أنس.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة بن إياس البصري، عن أنس - ﵁ -.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: نا زهير، قال: ثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة، عن أنس قال: "أتى رسول الله -﵇- نفر من عرينة وأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة الموم وهو البرسام. . . ." الحديث.
وأخرجه مسلم بطرق متعددة (٢).
قوله: "اجتووه" أي أصابهم الجوى -بالجيم- وهو المرض، وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواها واستوخموه، يقال: اجْتَوَيْتُ البلد؛ إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة.
قوله: "إلي ذَوْد" الذود من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، كالنعم، وقال أبو عبيد: الذَّوْدُ من الإبل الإناث دون الذكور.
قوله: "وقد وقع بالمدينة الموم" بميمين بينهما واو ساكنة أولاهما مضمومة، هو البرسام مع الحمي، وقيل: هو بثر أصغر من الجدري، و"الموم" أيضًا الشمع وهو معرب.
و"البِرْسَام" بكسر الباء وهي علة معروفة.
ويستفاد من هذا الحديث أحكام قدمناها في مواضعها.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤/ ١٣١ رقم ٤٣٦٦).
(٢) "صحيح مسلم" (٣/ ١٢٩٧ رقم ١٦٧١).
[ ١٤ / ٩٩ ]
ص: وعلي هذا المعنى -والله أعلم- رجع عمر - ﵁ - بالناس من سرغ، لا علي أنه فار مما قد نزل بهم؛ والدليل علي ذلك:
أن ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا علي بن عياش الحمصي، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: " [اللهم] (١) إن الناس نحلوني ثلاث خصال، وأنا أبرأ إليك منهن: زعموا أني فررت من الطاعون وأنا أبرأ إليك من ذلك، وأني أحللت لهم الطلاء وهو الخمر، وأنا أبرأ إليك من ذلك، و[أني] (٢) أحللت لهم: المكس وهو البخس، وأنا أبرأ إليك من ذلك".
فهذا عمر - ﵁ - يخبر أنه يبرأ إلي الله -﷿- أن يكون فَرَّ من الطاعون، فدل ذلك أن رجوعه كان لأمر آخر غير الفرار، وكذلك ما أراد بكتابه إلي أبي عبيدة - ﵁ - أن يخرج هو ومن معه من جند المسلمين إنما هو لنزاهة الجابية وعمق الأردن، وقد بيَّن أبو موسى في حديث شعبة، المكروه في الطاعون ما هو؟ وهو أن يخرج منه خارج فيسلم فيقول: سَلِمْتُ لأني خرجت، أو يهبط عليه هابط فيصييه فيقول: أصابني لأني هبطت، وقد أباح أبو موسى مع ذلك للناس أن يتنزهوا عنه إن أحبوا، فدل علي ما ذكرنا على التفسير الذي وصفنا.
فهذا معنى هذه الآثار عندنا والله أعلم.
ش: أي وعلى المعنى الذي ذكرنا وهو أن الخروج من الموضع الذي وقع فيه الوباء لا بأس به إذا كان لا للفرار منه؛ رجع عمر بن الخطاب - ﵁ - بالناس من سَرْغ -بفتح السين وسكون الراء المهملتين وبغين معجمة- وروي بفتح [الراء] (٣) أيضًا، وقد ذكرنا أنها قرية بوادي تبوك من طريق الشام، ولم يكن رجوع عمر منها علي أنه فر من الذي قد نزل بأهل الشام من الوباء.
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
(٢) في "الأصل": "أنا"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
(٣) في "الأصل، ك": "السين"، وهو سبق قلم من المؤلف -﵀-، وانظر "النهاية" (٢/ ٣٦١).
[ ١٤ / ١٠٠ ]
فإن قيل: لا نسلم أن رجوعه كان لغير الفرار من الوباء، ألا ترى أنه لما قال له أبو عبيدة: "أفرارًا من قدر الله؟ قال له: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله".
قلت: لدفع هذا السؤال: قال الطحاوي: والدليل علي ذلك أي علي أن رجوع عمر بالناس لم يكن فرارًا عن الوباء؛ أن ابن أبي داود قد حدثنا. . . . إلي آخره.
وقوله: "الدليل" مبتدأ.
وقوله: "أن ابن أبي داود" وفي محل الرفع خبره. وهو إبراهيم البرلسي، يحدث عن علي بن عياش -بالياء المشددة وبالشين المعجمة- بن مسلم الألهاني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة .. إلي آخره.
وهو إسناد صحيح.
وقد صرح فيه أنه تبرأ من قول الناس: فَرَّ عمر من الطاعون، حيث قال: أبرأ إلى الله من ذلك.
وقال أبو عمر (١): لم يبلغني أن أحدًا من أهل العلم فر من الطاعون إلا ما ذَكَر المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب منه فطعن فمات بالسيالة، قال: وهرب عمرو بن عبيد، ورباط بن محمَّد بن رباط إلى الرباطية، فقال إبراهيم بن علي القعنبي:
ولما استفزَّ الموتُ كل مكذبٍ صبرتُ ولم يَصْبِرْ رباطٌ ولا عَمرو
وقال المدائني: ولما وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان، خرج هاربًا، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها: سكر، فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال: طالب بن مدرك، فقال: أوه، ما أراني راجعًا إلى الفسطاط، فمات في تلك القرية.
_________________
(١) "التمهيد" (٦/ ٢١٥ - ٢١٦).
[ ١٤ / ١٠١ ]
قوله: "إن الناس نحلوني" بالنون والحاء المهملة، من نَحَلْتُه القولَ أَنْحَلَه -بالفتح- إذا أضفت إليه قولًا قاله غيره، وادعيته عليه، ومنه انتحل فلان شعر غيره إذا ادعاه لنفسه، وتنحله مثله.
وقوله: "الطلاء" بكسر الطاء وبالمد، وهو الشراب المطبوخ من عصير العنب، وهو الرُّبُّ، وأصله القطران الخاثر الذي تطلى به الإبل.
وقوله: "وهو الخمر" أي الطلاء هو الخمر وإنما أطلق عليه الخمر لكونهم كانوا يشربون المسكر ويقولون: إنه طلاء إنما أباحه عمر - ﵁ - فلأجل ذلك برئ إلي الله -﷿- من ذلك.
وقد جاء في الحديث عن النبي -﵇-: "لتشربن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه".
رواه ابن أبي شيبة (١): عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن محيريز، عنه -﵇-.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) ثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن فرات بن سليمان، عن رجل من جلساء القاسم، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله -﵇-: "أول ما يكفئ [أمتي عن] (٣) الإسلام بشراب يقال له: الطلاء" انتهي.
أراد به الخمر الذي يسمونه الطلاء، وأما الطلاء الذي مباح شربه فهو ما إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حتي يصير كالرُّبِّ، وعن أنس - ﵁ -: "أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا طلحة، كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه".
رواه ابن أبي شيبة (٤): عن علي بن مسهر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
_________________
(١) "مصنف بن أبي شيبة" (٥/ ٦٩ رقم ٢٣٧٧٣).
(٢) "مصنف بن أبي شيبة" (٥/ ٧٠ رقم ٢٣٧٧٦).
(٣) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المصنف".
(٤) "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٩٠ رقم ٢٣٩٨٧).
[ ١٤ / ١٠٢ ]
وقال ابن أبي شيبة أيضًا (١) ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود بن أبي هند قال: "سألت سعيد بن المسيب عن الشراب الذي كان عمر بن الخطاب - ﵁ - أجازه للناس؟ قال: هو الطلاء قد طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه".
قوله: "المكس" هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العَشَّار.
قوله: "وهو البخس" بالباء الموحدة، والخاء المعجمة، وفي آخره سين مهملة، وفُسِّر المكس به لأن البخس هو ما يأخذه الولاة باسم العشور والمكوس يتأولون فيه الزكاة والصدقة.
قوله: "وكذلك ما أراد" أي وكذلك كان مراد عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي عبيدة: "إن الأردن أرض عمق، وإن الجابية أرض نزهة، فانهض بالمسلمين إلى الجابية" يعني كان مراده أن يخرج هو ومن معه من المسلمين إلى الجابية لنزاهتها ويخرجوا من الأردن لعماقها، ولم يكن ذلك لأجل الفرار من وقوع الوباء فيها.
ص: وأما الطيرة فقد رفعها رسول الله -﵇- وجاءت الآثار بذلك مجيئًا متواترًا:
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير وروح، قالا: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى -رجل من بني أسد، عن زِرٍّ، عن عبد الله - ﵁ -، قال قال رسول الله -﵇-: "إن الطيرة من الشرك، وما منَّا إلَّا، ولكن الله -﷿- يذهبه بالتوكل".
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا شريح، قال: أنا هشيم، عن ابن شبرمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، أن رسول الله -﵇- قال: "لا طيرة".
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن رجل، عن عبد الله، عن النبي -﵇-، مثله.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٩٠ رقم ٢٣٩٨٨).
[ ١٤ / ١٠٣ ]
حدثنا يونس، قال أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ويونس عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن رسول الله -﵇- مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة - ﵂ - قالت: "كان النبي -﵇- يبغض الطيرة ويكرهها".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا هشام وشعبة، عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله -﵇- قال: "لا طيرة".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة وغيره، عن أبي هريرة، عن رسول الله -﵇- مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله -﵇- مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد، عن عُلَيّ بن رباح اللخمي، قال: سمعت أبا هريرة يحدث، عن رسول الله -﵇- مثله.
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي -﵇- مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن قتادة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو سعيد الأشج، قال: ثنا أبو أسامة، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي -﵇- مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا مروان بن معاوية بن الحارث، وابن المبارك، عن عوف، عن حيان، عن قطن بن قبيصة بن المخارق، عن أبيه، قال: سمعت النبي -﵇- يقول: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت".
[ ١٤ / ١٠٤ ]
فلما نهى رسول الله -﵇- عن الطيرة، وأخبر أنها من الشرك، نهى الناس عن الأسباب التي يكون عنها الطيرة، مما ذكر في هذا الباب.
ش: لما ذكر فيها مضى أن نهيه -﵇- عن الخروج من الأرض التي وقع فيها الوباء وعن الهبوط إليها لمعنى واحد، وهو الطيرة لا الإعداء، أراد أن يبين أن الطيرة قد رفعها رسول الله -﵇- وأخبر أنها من الشرك.
وأخرج فيها عن جماعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن مسعود وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة وأنس بن مالك وأبو أمامة وقبيصة بن المخارق - ﵃ -.
أما عن ابن مسعود فأخرجه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وروح بن عبادة، كلاهما عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم الأسدي الكوفي، وثقه أحمد، عن زِرِّ -بكسر الزاي وتشديد الراء- بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه أبو داود (١): نا محمَّد بن كثير، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله -﵇- قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك -ثلاثًا- وما منا إلَّا، ولكن الله -﷿- يذهبه بالتوكل".
وأخرجه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث سلمة، وقال فيه: وروى شعبة أيضًا هذا الحديث عن سلمة.
سمعت محمدًا يقول في هذا: "وما منا": إن هذا عندي من قول ابن مسعود.
قوله: "رجل من بني أسد"، بجر رجل؛ لأنه عطف بيان؛ لقوله: عن عيسي.
قوله: "إن الطيرة من الشرك" خارج مخرج المبالغة والتغليظ.
_________________
(١) "سنن أبو داود" (٤/ ١٧ رقم ٣٩١٠).
(٢) "جامع الترمذي" (٤/ ١٦٠ رقم ١٦١٤).
[ ١٤ / ١٠٥ ]
قوله: "وما منا إلا" فيه حذف، تقديره: إلا وفيه الطيرة، أو إلا قد يعتريه التطير وتسبق إلي قلبه الكراهية فيه، فحذف؛ اختصارًا للكلام، واعتمادًا علي فهم السامع.
الطريق الثاني: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي -شيخ البخاري- عن سفيان الثوري، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن رجل، عن عبد الله.
وقد مر هذا الإسناد بعينه في العدوى، وأعاده هاهنا في الطيرة والكل حديث واحد، وقد مر الكلام فيه مستوفى.
وأما عن أبي هريرة فأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن سريج -بضم السين المهملة وفي آخره جيم- ابن النعمان، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن شبرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة وهذا الإسناد أيضًا بعينه قد ذكره فيما مضى في هذا الباب مقتصرًا فيه علي ذكر العدوى.
الثانى: عن علي بن معبد، قال: عن يعقوب بن إبراهيم عن بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي سلمة، وغيره عن أبي هريرة.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن معروف بن سويد، عن عُلَيّ بضم العين المهملة وفتح اللام، عن أبي هريرة.
وهذه الأسانيد أيضًا قد ذكرها فيما مضى في العدوي وقد أعادها هاهنا في الطيرة.
وأما عن ابن عمر، فأخرجه بإسناد صحيح.
عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، ويونس ابن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.
[ ١٤ / ١٠٦ ]
وهذا أيضًا بعينه ذكر فيما مضي العدوي وأعاده هاهنا في الطيرة.
وأما عن عائشة - ﵂ -:
فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد فيه مقال.
عن علقمة بن أبي علقمة، واسم أبي علقمة: بلال المدني مولى عائشة أم المؤمنين، روى له الجماعة. عن أمه مرجانة، وثقها ابن حبان وروي لها في الأربعة غير ابن ماجه.
وأما عن أنس - ﵁ - فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد بن مسرهد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام الدستوائي، وشعبة، كلاهما عن قتادة، عن أنس.
الثاني: عن عبد الله بن محمَّد بن خشيش، عن مسلم بن إبراهيم. . . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبَعِي. . . . إلى آخره.
وهذه الأسانيد الثلاثة قد ذكرت فيما مضي أيضًا في العدوي، وأعادها هاهنا في الطيرة.
وأما عن أبي أمامة:
فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي سعيد الأشج عبد الله بن سعيد، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي.
وهذا أيضًا قد ذكره فيما مضى في العدوي.
وأما عن قبيصة بن المخارق:
فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الكوفي، عن مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري الكوفي روي له الجماعة.
[ ١٤ / ١٠٧ ]
وعن عبد الله بن المبارك الشيخ العابد المشهور، كلاهما عن عوف بن أبي جميلة المعروف بابن الأعرابي، روى له الجماعة، عن حَيَّان -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء آخر الحروف- ابن العلاء، ويقال: أبو العلاء حيان غير منسوب، قال ابن حبان في "الثقات": حيان بن المخارق أبو العلاء، يروي عن قطن بن قبيصة.
قلت: قطن بن قبيصة بن الخارق الهلالي البصري قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات".
يروي عن أبيه قبيصة بن المخارق الصحابي - ﵁ -.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال ثنا عوف، قال: نا حيان قال غير مسدد: حيان بن العلاء -قال: ثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه، قال سمعت النبي -﵇- يقول: "العيافة والطيرة والطَرْق من الجبْت".
وأخرجه النسائى أيضًا في "اليوم والليلة" (٢).
قوله: "العيافة" بكسر العين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف وبالفاء: وهو زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومَمَرَّها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال: عَافَ يَعِيفُ عَيْفًا إذا زَجَر، وحَدَسَ، وظَنَّ.
وبنوا أسد يُذكرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل عنهم: إن قومًا من الجنّ تذاكروا عيافتهم فأتوهم فقالوا: ضلَّت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا مَنْ يعيف، فقالوا لِغُلَيمِّ منهم: انطلق معهم.
فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيهم عُقابٌ كاسِرةٌ إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكي، فقالوا: مالك؟! فقال: كَسَرَتْ جناحًا وحلفت بالله صراحًا: ما أنت بإنْسِيّ، ولا تبغي لقاحًا.
وقال أبو عبيد: العيافة: زجر الطير، يقال منه: عِفْتُ الطير أَعِيفُها عِيافَةً.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٢/ ٤٠٩ رقم ٣٩٠٧).
(٢) "السنن الكبرى" (٦/ ٣٢٤ رقم ١١١٠٨).
[ ١٤ / ١٠٨ ]
قال: ويقال: في غير هذا عَافَت الطير تَعِيفُ عَيفًا إذا كانت تحوم على الماء، وعاف الرجل الطعام يَعَافُه عَيَافًا إذا كرهه.
قوله: "والطيرة" قد فسرناها.
قوله: "والطَرْق" بفتح الطاء، وسكون الراء المهملتين، وفي آخره قاف، وهو الضرب بالحصى، الذي يفعله النساء. وقيل: هو الخط في الرمل، وقال ابن عباس: الحظ هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حِلوانًا، فيقول له: اقعد حتى اخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض ربوة فيخط فيها خطوطًا كثيرة بالعجلة؛ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها علي مَهْلٍ خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَي عِيان أسرعا البيان، فإن بقي خطَّان، فهما علامة النُّجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخَيْبَة.
وقال الخطابي: الطرق: الضرب بالحصي؛ قال لبيد:
لَعَمْرُكَ ما تَدْرِي الطوارِقُ بالحَصَى ولا زاجِراتُ الطير ما الله صانِعُ
وأصل الطرق: الضرب، ومنه سميت مطرقة الصانع والحداد؛ لأنه يطرق بها، أي يضرب بها، وصورة الخط ما ذكره ابن الأعرابي. ذكر أبو عمر عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: يقعد الحازي ويأمر غلامه. . . . إلي آخر ما ذكرناه.
ص: فإن قال قائل: فقد قال رسول الله -﵇-: "الشؤم في الثلاث".
قيل له: قد روي ذلك عن النبي -﵇- علي ما ذكرت:
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ومالك، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن رسول الله -﵇- قال: "إنما الشؤم في ثلاثة: في المرأة والدار والدابة".
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.
[ ١٤ / ١٠٩ ]
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله -﵇- يقول:. . . . فذكر مثله.
حدثنا يزيد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: أخبرني عتبة بن مسلم، عن حمزة بن عبد اللهَ بن عمر، عن أبيه، عن رسول الله -﵇- مثله.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إنا مُنِعْنا من الأسباب التي تكون عنها الطيرة مطلقًا، وقد جاء عن النبي -﵇- أنه قال: "الشؤم في الثلاث وهي: المرأة والفرس والدار" فلم تكن الطيرة منفية من كل وجه.
والتحقيق في الجواب ما أذكره لك؛ لأن الطحاوي ما أمعن فيه، فيقول: إن النبي -﵇- نهى عن الطيرة مطلقًا وعدها من الشرك، ثم قال: إن كان الشؤم -وهو التطير- ففي ثلاث، يعني لو كان الشؤم يكون في شيء من اعتقادكم بهن لكان في هذه الثلاث ولم يكن في هذه الثلاث شؤم، فلا يكون في شيء شؤم؛ فافهم.
والدليل علي صحة هذا الكلام: أنه -﵇- لم يخبر أن الشؤم حاصل في هذه الثلاث، بل قال: "إن كان الشؤم، ففي ثلاث".
فإن قيل: ما تقول في رواية: "إنما الشؤم في ثلاثة" وقد أخبر بطريق الحصر أن الشؤم موجود في ثلاثة أشياء؟.
قلت: هذا ليس على ظاهره؛ وقد كان ابن مسعود يقول: "إن كان الشؤم في شيء فهو فيما بين اللحيين -يعني اللسان- وما شيء أحوج إلى سجن طويل من لسان".
وإنما قلنا: إنه متروك الظاهر؛ لأجل قوله -﵇-: "لا طيرة" وهي نكرة في سياق النفي فتعم سائر الأشياء التي يُتَطَيَّر بها، ولو قلت: الكلام علي ظاهره لكانت هذه الأحاديث ينفي بعضها بعضًا، وهذا محال أن يظن بالنبي -﵇- مثل هذا الاختلاف من النفي والإثبات في شيء واحد ووقت واحد.
[ ١٤ / ١١٠ ]
والمعنى الصحيح في هذا الباب نفي الطيرة باسرها بقوله: "لا طيرة" وهو أشبه بأصول شريعة النبي -﵇- من حديث الشؤم، ألا ترى أن عائشة - ﵂ - كانت تنكر حديث الشؤم وتقول: إنما حكاه رسول الله -﵇- عن أهل الجاهلية وأقوالهم فيكون قوله -﵇-: "إنما الشؤم في ثلاثة" بطريق الحكاية عن أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يعتقدون الشؤم في هذه الثلاث، لا أن معناه أن الشؤم حاصل في هذه الثلاث في اعتقاد المسلمين. وكانت عائشة - ﵂ - تتقي الطيرة ولا تعتقد منها شيئًا حتى قالت: لنسوة كن يكرهن الابتناء بأزواجهن في شوال: "ما تزوجني رسول الله -﵇- إلا في شوال، ولا بني بي إلا في شوال، فمن كان أحظي مني عنده؟ وكان يُستَحَبُّ أن يدخل علي نسائهن في شوال" (١).
وعن أبي حسان: "أن رجلين دخلا علي عائشة - ﵂ - وقالا: إن أبا هريرة يحدث عن النبي -﵇- أنه قال: إنما الطيرة في الفرس والمرأة والدار، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، ثم قالت: كذب والذي أنزل الفرقان علي من حدث عنه بهذا، ولكن رسول الله -﵇- كان يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة - ﵂ -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٢) " (٣).
وهنا جواب آخر: وهو أنه قد يحتمل أن يكون قوله -﵇-: "الشؤم في ثلاثة" كان في أول الإِسلام؛ خبرًا عما كان تعتقد العرب في جاهليتها علي ما قالت عائشة - ﵂ - ثم نسخ ذلك وأبطله القرآن والسنن، وأخبار الآحاد لا يقطع علي عينها وإنما توجب العمل فقط، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ (٤) وقال ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ. . . .﴾ (٥) الآية، وما خط في
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٧/ ٢٩٠ رقم ١٤٤٧٨).
(٢) سورة الحديد، آية (٢٢).
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (٦/ ٢٤٦ رقم ٢٦١٣٠).
(٤) سورة التوبة، آية: [٥١].
(٥) سورة الحديد، آية: [٢٢].
[ ١٤ / ١١١ ]
اللوح المحفوظ لم يكن منه بد، وليست البقاع ولا الأنفس بصانعة شيئًا من ذلك. فهذا هو الاعتقاد الذي يجب على العبد أن يعتقده، ويسلم أمره إلى الله تعالى، ويترك القطع علي الله بالشؤم في شيء، وقد يقال: إن شؤم المرأة أن تكون سيئة الخلق، أو غير قانعة، أو تكون سليطة، أو تكون غير ولود.
وشؤم الفرس أن يكون شموسًا، وقيل: أن لا يكون يغزى عليها.
وشؤم الدار أن تكون ضيقة، وقيل: أن يكون جارها سُوْءًا (١).
فإن قيل: لم خصص -﵇- هذه الثلاث؟
قلت: لما ذكرنا عن عائشة من أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون حقيقة الشؤم في هذه الثلاث؛ فلذلك نص -﵇- علي هذه الثلاث دون غيرها؛ حكاية عن اعتقادهم ذلك.
فإن قيل: روى مالك في "موطإه" (٢) عن يحيى بن سعيد أنه قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله -﵇- فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر؛ فقل العدد وذهب المال، فقال رسول الله -﵇-: دعوها ذميمة".
قلت: إنما قال ذلك كذلك لِمَا رآه منهم وأنه رسخ في قلوبهم ما كانوا عليه في جاهليتهم، وكان رءوفًا بالمؤمنين بأخذ عفوهم شيئًا فشيئًا، وهكذا كان نزول الفرائض والسنن، حتى استحكم الإسلام وكمل ولله الحمد، ثم بيَّن رسول الله -﵇- بعد ذلك لأولئك الذين قال لهم: "اتركوها ذميمة" ولغيرهم ولسائر أمته الصحيح بقوله: "لا طيرة ولا عدوى" وبالله التوفيق.
وقال الخطابي: يحتمل أن يكون أمرهم بتركها والتحول عنها إبطالًا لما وقع منها في نفوسهم من أن يكون المكروه إنما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا منها انقطعت مادة ذلك والوهم.
_________________
(١) وانظر هذا الجواب بتمامه في "عمدة القاري" (١٤/ ١٥٠).
(٢) "موطأ مالك" (٢/ ٩٧٢ رقم ١٧٥١).
[ ١٤ / ١١٢ ]
قلت: الحديث المذكور الذي رواه مالك أخرجه أبو داود (١) مسندًا: ثنا الحسن بن يحيى أبو علي، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "قال رجل: يا رسول الله، إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير [فيها] (٢) أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، قَلَّ فيها عددنا، وقَلَّت والذميمة وقَلَّت أموالنا، فقال رسول الله -﵇-: ذروها ذميمة" والذميمة فعيلة بمعنى مفعولة، أي اتركوها مذمومة.
ثم إنه أخرج حديث ابن عمر من خمس طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي ومالك بن أنس، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣): عن أبي الطاهر وحرملة عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -﵇- قال: "لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاث: المرأة والفرس والدار".
وأخرجه أيضًا (٤): عن القعنبي، عن مالك. . . . إلي آخره نحوه.
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز -شيخ النسائي- عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم ابن شهاب الزهري، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن رسول الله -﵇-.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٢/ ٤١٣ رقم ٣٩٢٤).
(٢) ليست في "الأصل"، والمثبت من "سنن أبي داود".
(٣) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٧ رقم ٢٢٢٥).
(٤) في "الأصل": "عبيد"، وهو تحريف والمثبت من "صحيح مسلم".
[ ١٤ / ١١٣ ]
وأخرجه مسلم (١): عن القعنبي، عن مالك نحوه.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى وعمرو الناقد وزهير بن حرب، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي -﵇- من غير ذكر حمزة.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع -شيخ البخاري- عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (٣) نحوه: عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سالم.
وأخرجه البخاري (٤) أيضًا.
الخامس: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمَّد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن عتبة بن مسلم التيمي المدني، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي -﵇-.
وأخرجه مسلم (٥): ثنا أبو بكر بن إسحاق، قال: أنا ابن أبي مريم، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عتبة بن مسلم، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله -﵇- قال: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٦ رقم ٢٢٢٥).
(٢) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٧ رقم ٢٢٢٥).
(٣) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٦ رقم ٢٢٢٣).
(٤) "صحيح البخاري" (٥/ ٢١٧٧ رقم ٥٤٣٨).
(٥) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٨ رقم ٢٢٢٥).
[ ١٤ / ١١٤ ]
ص: وقد روي أيضًا علي خلاف هذا المعنى من حديث ابن عمر وغيره: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن هشام، عن يحيى ابن أبي كثير، عن الحضرمي، أن سعيد بن المسيب قال: "سألت سعد بن مالك عن الطيرة، فانتهرني، فقال: من حدثك؟ فكرهت أن أحدثه، فقال: سمعت رسول الله -﵇- يقول: لا طيرة، وإن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة والدار والفرس".
ش: أي وقد روي حديث الشؤم علي خلاف المعنى الحاصل من حديث عبد الله ابن عمر وغيره؛ وذلك لأن في حديث ابن عمر يخبر عن الشؤم أنه حاصل في الثلاث، وفي حديث سعد بن أبي وقاص هذا يخبر بأنه إن كان الشؤم في شيء يكون في الثلاث، وهذا الحديث بعين هذا الإسناد قد ذكر فيما مضي هذا الباب إلى قوله: "لا طيرة" فحسب، وهاهنا أعاده بتمامه وقد ذكرنا هناك ما فيه الكفاية.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عتبة بن مسلم، عن حمزة بن عبد اللهَ بن عمر، عن أبيه، عن رسول الله -﵇- أنه قال: "إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاث: في الفرس والمسكن والدار".
ش: هذا الإسناد بعينة قد ذُكِرَ آنفًا، غير أن هناك: ابن أبي مريم، عن محمَّد بن جعفر، وهاهنا: عن سليمان بن بلال، وهناك لفظ الحديث: "إنما الشؤم" وهاهنا: "إن كان الشؤم". وهكذا أخرجه مسلم سندًا ومتنًا وقد ذكرناه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، سمع جابرًا يحدث، عن النبي -﵇- مثله.
ش: هذا الإسناد بعينه قد ذكر فيما مضى في هذا الباب في "العدوى"، وهاهنا أعاده في الطيرة أيضًا عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر، عن النبي -﵇-: "إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاث. . . ." الحديث.
[ ١٤ / ١١٥ ]
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد يحدث، عن النبي -﵇- مثله.
قال أبو حازم: فكأن سهل بن سعد لم يكن يثبته، وأما الناس فيثبتونه.
ش: إسناده صحيح.
وأبو حازم -بالحاء المهملة والزاي- هو سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمار المدني القاص الزاهد الحكيم، راوية سهل بن سعد الساعدي الصاحبي.
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله -﵇-: "إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والدار -يعني الشؤم".
وأخرجه مسلم (٢): عن القعنبي، عن مالك.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، كلاهما عن أبي حازم، عن سهل نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن عبد السلام، عن عبد الله نافع، عن مالك، عن أبي حازم، نحوه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى، عن الحضرمي بن لاحق، عن سعيد بن المسيب، حدثه قال: "سألت سعدًا عن الطيرة فانتهرني، وقال: سمعت رسول الله -﵇- يقول: "لا طيرة وإن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة والدار والفرس".
ش: ذكر هذا الإسناد بعينه فيما مضى في ذكر "العدوى" وأعاده هاهنا في ذكر "الشؤم"، والكل حديث واحد قطَّعه للمناسبة.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ١٩٥٩ رقم ٤٨٠٧).
(٢) "صحيح مسلم" (٤/ ١٧٤٨ رقم ٢٢٢٦).
(٣) "سنن ابن ماجه" (١/ ٦٤٢ رقم ١٩٩٤).
[ ١٤ / ١١٦ ]
وحبَّان -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة- هو ابن هلال الباهلي.
وأبان هو ابن يزيد العطار.
ويحيى هو ابن أبي كثير.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن عتبة ابن حميد، قال: حدثنا عبيد الله بن أبي بكر، أنه سمع أنس بن مالك يحدث، عن رسول الله -﵇- مثله.
ش: إسناده جيد حسن.
وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري.
وعتبة بن حميد الضبي، وثقه ابن حبان، وضعفه أحمد بن حنبل.
وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، ووقع في بعض روايات الطحاوي في غير هذا الموضع: "أبو بكر بن عبد الله"، ووافق علي ذلك محمَّد بن إسحاق. والصحيح عبيد الله بن أبي بكر كما وقع هاهنا.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله -﵇- أنه قال: "إن كان الشؤم في شىء ففي ثلاث: في المرأة والفرس والدار".
ش: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١)، والبخاري (٢) ومسلم (٢) من حديث مالك وقد ذكرناه عن قريب.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن عمران بن أبي ليلي، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد، أن النبي -﵇- قال: "لا عدوى ولا طيرة، وإن كان في شيء ففي المرأة والفرس والدار".
_________________
(١) "موطأ مالك" (٢/ ٩٧٢ رقم ١٧٤٩).
(٢) تقدم.
[ ١٤ / ١١٧ ]
ش: محمَّد بن عمران بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي شيخ البخاري في كتاب "الأدب"، وثقه ابن حبان.
وأبوه عمران بن محمَّد بن أبي ليلي، روى له الترمذي وابن ماجه.
وابن أبي ليلي هو محمَّد بن أبي ليلى الفقيه، فيه مقال.
وعطية هو ابن سعد بن جنادة الكوفي، فيه مقال؛ فضعفه النسائي، وعن يحيى: صالح. وعن أبي زرعة: ليِّن.
وأبو سعيد هو سعد بن مالك الخدري - ﵁ -.
ص: ففي هذا الحديث ما يدل علي غير ما في الفصل الذي قبل هذا الفصل، وذلك أن سعدًا انتهر سعيدًا حين ذكر له الطيرة، وأخبره عن النبي -﵇- أنه قال: "لا طيرة" ثم قال: "إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار". فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال: إن تكن في شيء ففيهن، أي لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء، فإذا لم تكن في هؤلاء الثلاث فليست في شيء".
ش: أراد بـ"هذا الحديث" هو الحديث الذي ذكر فيه الشؤم قَبْلَهُ الشرط كما في حديث سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر -الذي رواه عنه حمزة ابنه- وجابر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري - ﵃ -.
وأراد بقوله: "غير ما في الفصل" الذي قبل هذا الفصل الحديث الذي فيه ذكر الشؤم بدون كلمة الشرط، كما في حديث عبد الله بن عمر الذي رواه عنه ابناه سالم وحمزة.
قوله: "وذلك" إشارة (إلى) (١) التغاير المذكور بين الحديثين، وأراد بـ"سعد" سعد بن أبي وقاص، وبـ"سعيد" سعيد بن المسيب، وبقية الكلام قد حررناه فيما مضى.
_________________
(١) تكررت في "الأصل".
[ ١٤ / ١١٨ ]
ص: وقد روي عن عائشة - ﵂ - أن ما تكلم به رسول الله -﵇- في ذلك كان علي غير هذا اللفظ:
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي حسان قال: "دخل رجلان من بني عامر علي عائشة، فأخبراها أن أبا هريرة - ﵁ - يحدث عن النبي -﵇- أنه قال في الطيرة: في المرآة والدار والفرس، فغضبت وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، فقالت: والذي نزَّل القرآن علي محمَّد - ﷺ - ما قالها رسول الله -﵇- قط، إنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك".
فأخبرت عائشة - ﵂ - أن ذلك القول كان من النبي -﵇- حكاية عن أهل الجاهلية لا أنه عنده كذلك.
ش: هذا في الحقيقة جواب آخر عن أحاديث الشؤم؛ حاصله: أن عائشة - ﵂ - بينت أن قوله -﵇-: "الشؤم في ثلاث. . . ." الحديث ليس معناه عنده أن الأمر كذلك، وإنما هذا حكاية حكاها -﵇- عن أهل الجاهلية أنهم كانوا يعتقدون ذلك في هذه الأشياء الثلاثة؛ ولهذا أنكرت رواية أبي هريرة حين أخبر الرجلان بذلك، وحلفت أن رسول الله -﵇- ما قالها قط.
أخرج الطحاوي ذلك عنها بإسناد صحيح إلي أبي حسان الأعرج، ويقال: الأجرد، واسمه: مسلم بن عبد الله البصري، وثقه يحيى وابن حبان، وروي له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
وأخرجه ابن عبد البر عن أبي حسان المذكور (١): "أن رجلين دخلا علي عائشة وقالا: إن أبا هريرة يحدث أن النبي -﵇- قال: إنما الطيرة في الفرس والمرأة والدار، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، ثم قالت: كذب والذي أنزل الفرقان علي مَن حدَّث عنه بهذا، ولكن رسول الله -﵇- كان يقول: كان أهل الجاهلية
_________________
(١) "التمهيد" (٩/ ٢٨٩).
[ ١٤ / ١١٩ ]
يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة - ﵂ - ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ. . . .﴾ (١) الآية".
قوله: "وطارت شقة" أي قطعة، ورواه بعض المتأخرين بالسين المهملة، وأورد به المبالغة في الغضب والغيظ، يقال: قد أشق فلان من الغضب والغيظ كأنه امتلأ باطنه به حتى انشق، ومنه قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٢)، وقال أبو عمر (٣): قول عائشة في أبي هريرة: "كذب" فإن العرب تقول: كذبت إذا أرادوا به التغليط، ومعناه: أوهم لم يظنَّ حقا ونحو هذا، وذلك معروف في كلامهم موجود في أشعارهم كثيرًا، قال أبو طالب:
كذبتم وبيت الله نترك مكة ونظعن إلا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نُبْزي محمدًا ولما نطاعن دونه ونناضل
فهذا من باب الغلط وظنّ ما ليس بصحيح، وذلك أن قريشًا أرادوا أن يُخْرجوا بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جوار محمَّد -﵇-، فقال لهم أبو طالب: كذبتم فيما ظنتتم.
قوله: "نظعن" بالظاء المعجمة أي نرحل.
و"البلابل" جمع بلبلة وهي الوسواس.
قوله: "نُبْزِي" بالزاي المعجمة (٤).
و"المطاعنة" بالرماح، والمناضلة بالنبال.
_________________
(١) سورة الحديد، آية: [٢٢].
(٢) سورة الملك، آية: [٨].
(٣) "التمهيد" (٩/ ٢٨٩).
(٤) بيض له المؤلف -﵀-، وذكر ابن الأثير في "النهاية" (١/ ١٢٥): هذا البيت ووقع فيه: "يُبْزي محمدٌ"، على البناء للمجهول، وقال: يبزي: أي يقهر ويغلب، ألا دلا يُبْزي، فحذف "لا" من جواب القسم، وهي مرادة، أي لا يُقهر ولم نقاتل عنه وندافع.
[ ١٤ / ١٢٠ ]