ش: أي هذا باب في بيان حكم العاطس إذا شمته المشمت، كيف ينبغي أن يرد عليه، التشميت -بالشين والسين- الدعاء بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما يقال: شَمَّتَ فلانًا، وشَمَّتَ عليه تَشْمِيتًا فهو مُشَمِّت، واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم كأنه دعاء للعاطس بالثبات علي طاعة الله، وقيل معناه: أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يُشْمَتُ به عليك.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ورقاء، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن خالد بن عرفجة قال: "كنا مع سالم بن عبيد، فعطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلى أمك، ما شأن السلام وشأن ما هاهنا؟! ثم سار ساعة ثم قال للرجل: أَعَظُمَ عليك ما قلت لك؟ قال: وددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا غيره، قال: بينما نحن مع رسول الله -﵇- إذْ عطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله -﵇-: عليك وعلي أمك، إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين -أو على كل حال- وليردوا عليه: يرحمك الله، وليرد عليهم: يغفر الله لكم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن شيخ من أشجع قال: "كنا مع سالم. . . ." فذكر مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن ورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، قال أحمد: ثقة صاحب سنة. روى له الجماعة.
عن منصور بن المعتمر، روى له الجماعة.
[ ١٤ / ٤٦ ]
عن هلال بن يساف -ويقال: إساف- الأشجعي الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. روي له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
عن خالد بن عرفجة -ويقال: عرفطة- تابعي لا يعرف، وقال أبو حاتم: مجهول. روى له أبو داود هذا الحديث وفي روايته أيضًا: خالد بن عرفجة نحو روايته الطحاوي علي ما يأتي الآن.
وهو يروي عن سالم بن عبيد الأشجعي، كان من أهل الصُّفة، يُعد في الكوفيين.
وقال أبو داود (١): ثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق -يعني- أبي يوسف، عن أبي بشر ورقاء، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن خالد بن عرفجة، عن سالم بن عبيد الأشجعي. . . . بهذا الحديث عن النبي -﵇-.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن قيس بن الربيع فيه مقال كثير، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن شيخ من أشجع قال: "كنا مع سالم" فذكر نحو الحديث المذكور، وهذا فيه ضعيف ومجهول.
ورواه ابن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، عن هلال، عن رجل، عن سالم. . . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- ابن هلال، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن منصور، عن هلال، عن شيخ من أشجع، عن سالم.
وهذا كما ترى فيه اختلاف.
وقال الترمذي (٢): وهذا حديث اختلفوا في روايته عن منصور، وقد أدخلوا بين هلال وبين سالم رجلًا.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٢/ ٧٢٦ رقم ٥٠٣٢).
(٢) "جامع الترمذي" (٥/ ٨٢ رقم ٢٧٤٠).
[ ١٤ / ٤٧ ]
وأخرجه النسائي (١): عن أحمد بن حرب، عن قاسم بن يزيد، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن رجل، عن سالم به.
وعن بندار (٢)، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن رجل، عن آخر قال: "كنا مع سالم في سفر. . . ." فذكره.
وعن القاسم بن زكرياء (٣)، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن رجل، عن خالد بن عرفطة، عن سالم نحوه.
ورواه ابن المهدي، عن أبي عوانة، عن منصور، عن هلال، عن رجل من آل عرفطة، عن سالم، وهذا كما تراه اختلاف كثير.
وأخرجه أبو داود (٤) في رواية أخري من طريق صحيح: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف قال: "كنا مع سالم بن عبيد، فعطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلي أمك، ثم قال بعد: لعلك وجدت فيما قلتُ؟ قال: لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا شر، قال: إنما قلت لك كما قال رسول الله -﵇- لنا؛ بينا نحن عند رسول الله -﵇- إذْ عطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله -﵇-: وعليك وعلي أمك، ثم قال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله، -قال فذكر بعض المحامد- وليقل له مَن عنده: يرحمك الله، وليرد -يعني عليهم: يغفر الله لنا ولكم".
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلي هذا، فقالوا: هكذا ينبغي أن يقول العاطس، ويقال له علي ما في هذا الحديث.
هكذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -﵏-.
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٦/ ٦٦ رقم ١٠٠٥٦).
(٢) "السنن الكبرى" (٦/ ٦٦ رقم ١٠٠٥٧).
(٣) "السنن الكبرى" (٦/ ٦٦ رقم ١٠٠٥٨).
(٤) "سنن أبي داود" (٤/ ٣٠٧ رقم ٥٠٣١).
[ ١٤ / ٤٨ ]
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن السائب وسليمان الأعمش والثوري والنخعي؛ فإنهم قالوا: ينبغي للعاطس أن يقول: الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله علي كل حال، ويقول له الحاضرون أو واحد منهم: يرحمك الله، ثم يقول العاطس: يغفر الله لكم، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود.
رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل من عند: يرحمك الله؛ وليرد عليهم: يغفر الله لنا ولكم".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يقول العاطس بعد أن يشمت: يهديكم الله ويصلح بالكم".
ش: أي خالف القومَ المذكورين جماعةٌ آخرون وأراد بهم: ابن أبي ليلي وعروة ابن الزبير ويحيى وعيسي بن أبي طلحة وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة ومالكًا والشافعي؛ فإنهم قالوا: يقول العاطس بعد تشميت الناس إياه: يهديكم الله ويصلح بالكم.
قال أبو عمر: اختلفوا في كيفية رده، فقال مالك: لا بأس أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم أو يغفر الله لكم. وهو قول الشافعي، قال: أيُّ ذلك قال حسن. وروي قول هؤلاء عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة - ﵄ -.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود، أنه سمع عبيد بن أم كلاب يقول: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - ﵄ - يقول:"كان رسول الله -﵇- إذا عطس حمد الله، فيقال له: يرحمك الله، فيقول لهم: يهديكم الله ويصلح بالكم".
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٢٧١ رقم ٢٥٩٩٨).
[ ١٤ / ٤٩ ]
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن جعفر - ﵄ -، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة المصري.
وأبو الأسود اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة روي له الجماعة. وعبيد بن أم كلاب: لم أر أحدًا يتكلم فيه (١).
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا إسحاق بن عيسي ويحيي بن إسحاق، قالا: نا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: سمعت عبيد بن أم كلاب يحدث، عن عبد الله بن جعفر قال: يحيي بن إسحاق قال: سمعت عبد الله بن جعفر -قال أحدهما: ذي الجناحين- "إن رسول الله -﵇- كان إذا عطس حمد الله، فيقال له: يرحمك الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم".
وأخرجه الطبرانى (٣): عن أحمد بن يحيي، عن عمرو بن خالد، عن ابن لهيعة. . . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أبو معشر، عن عبد الله ابن نُجَيّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي -﵇- أنها قالت: "عطس رجل عند رسول الله -﵇-، فقال: ماذا أقول يا نبي الله؟ قال: قل: الحمد لله، قال القوم: ما نقول له يا رسول الله؟ قال: قولوا: يرحمك الله، قال: ماذا أقول لهم؟ قال: قل: يهديكم الله ويصلح بالكم".
_________________
(١) وقال الحافظ في "تعجيل المنفعة" (١/ ٢٧٨): لا يُدري من هو، قلت: هو شاعر كان بالمدينة، وكان يمدح عبد الله بن جعفر، وحديثه عنه في تشميت العاطس. . . . إلى آخره. وذكر فيه كلامًا كثيرًا، وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٥/ ٨٨): عبيد بن أم كلاب سمع من عمر بن الخطاب، وهو عبيد بن سلمة الليثي، وهو الذي خرج من المدينة بقتل عثمان فاستقبل عائشة بسرف، فأخبرها بقتله وبيعة الناس لعلي بن أبي طالب فرجعت إلى مكة، وكان عبيد علويًّا. وانظر "تاريخ الطبري" (٣/ ١٢).
(٢) "مسند أحمد" (١/ ٢٠٤ رقم ١٧٤٨).
(٣) وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٢٨ رقم ٩٣٤٠) من طريق عمرو بن خالد عن ابن لهيعة به.
[ ١٤ / ٥٠ ]
ش: أبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي، فعن يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وعن البخاري: منكر الحديث.
وعبد الله بن نُجي -بضم النون وفتح الجيم- قال الدارقطني: لا بأس به.
والحديث أخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".
ص: فقال أهل المقالة الأولى: إنما كان قول النبي -﵇-: "يهديكم الله ويصلح بالكم"؛ لأن الذين كانوا بحضرته كانوا يهودًا وكان تعليمه للعاطس في حديث عائشة من قوله: "يهديكم الله ويصلح بالكم" إنما هو لأن من كان بحضرته حينئذٍ كانوا يهودًا.
واحتجوا في ذلك بما حدثنا حسين بن نصر قال ثنا أبو نعيم الفضل بن دُكين، قال: ثنا سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى - ﵁ - قال: "كانت اليهود يتعاطسون عند النبي -﵇- رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن نعيم بن الديلم، عن الضحاك، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي -﵇- مثله.
قالوا: فإنما كان قول رسول الله -﵇-: "يهديكم الله ويصلح بالكم" لليهود علي ما في هذا الحديث، فأما المسلمون فيقولون علي ما في حديث سالم بن عبيد الذي ذكرناه في أول هذا الباب.
ش: هذا جواب أهل المقالة الأولى عما احتج به أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر.
قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج أهل المقالة الأولى فيما أجابوا به عما احتج به أهل المقالة الثانية بحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري -عن
[ ١٤ / ٥١ ]
سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم المدائني الكوفي، عن أبي بردة عامر بن أبي موسي، عن أبيه أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبيه. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن حكيم بن ديلم، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى. . . . إلى آخره نحوه.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسي بن مسعود النهدي، شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، عن أبي بردة.
وهذا الطريق فيه الضحاك بين حكيم وبين أبي بردة، وحكيم هذا قد روي عن الضحاك وعن أبي بردة أيضًا.
ص: وليست لهم عندنا حجة في هذا الحديث علي أصحاب المقالة الآخرى؛ لأن الذي في هذا الحديث أن اليهود كانوا يتعاطسون عن النبي -﵇- رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله، فإنما كان هذا القول من النبي -﵇- لليهود إذ كانوا عاطسين، وليس يختلفون هم ومخالفوهم فما يقول المشمت للعاطس، وإنما اختلافهم فيما يقول العاطس بعد التشميت، وليس في حديث أبي موسى من هذا شيء، فلم يضاد حديثُ أبي موسى هذا حديثَ عبد الله بن جعفر ولا حديثَ عائشة اللذين ذكرنا.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤/ ٣٠٨ رقم ٥٠٣٨).
(٢) "جامع الترمذي" (٥/ ٨٢ رقم ٢٧٣٩).
[ ١٤ / ٥٢ ]
ش: ينهض الطحاوي بهذا الكلام لدفع ما قاله أهل المقالة الأولي من الجواب عما قاله أهل المقالة الثانية؛ ناصرًا لأهل المقالة الثانية، وإيذانًا بأن اختياره هو ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وملخص ذلك: أن ما قاله أهل المقالة الأولى لا يطابق مُدَّعَاهم، فإن المُدَّعَي هو قول العاطس بعد تشميت الناس إياه: "يغفر الله لكم"، ثم رَدِّهِم احتجاج أهل المقالة الثانية بحديث عبد الله بن جعفر وعائشة - ﵃ - بأنَّ هذا إنما كان من النبي -﵇- لليهود حين كانوا يتعاطسون عنده غير مطابق لدعوهم؛ لأنهم والخَصَّم أيضًا لا يختلفون في الذي ينبغي أن يقول المشمت للعاطس، وإنما الاختلاف بينهم في الذي ينبغي أن يقول العاطس بعد تشميت الناس إياه، فكيف يطابق بهذا ردهم بحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -؟.
ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن إبراهيم النخعي:
حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى (ح).
وحدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريابي، قالا: ثنا سفيان، عن واصل، عن إبراهيم قال: "يهديكم الله ويصلح بالكم عند العطاس شيء قالته الخوارج؛ لأنهم كانوا لا يستغفرون للناس".
قيل لهم: وكيف يجوز أن يكون الخوارج أحدثت هذا، وقد كان النبي -﵇- يقوله ويعلمه أصحابه؟
ش: أي احتج أهل المقالة الأولي أيضًا فيما ذهبوا إليه من أن العاطس بعد التشميت يقول: "يغفر الله لكم" ولا يقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم" بما روي عن إبراهيم النخغي.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمَّد بن عمرو، عن يونس، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن النهشلي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن واصل بن حيان الأحدب الكوفي، عن إبراهيم النخعي.
[ ١٤ / ٥٣ ]
الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان .. إلي آخره.
قوله: "قيل لهم": جواب عن هذا الاحتجاج، وهو ظاهر.
وقال أبو عمر بن عبد البر (١): روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "يهديكم الله ويصلح بالكم شيء قالته الخوارج لأنهم لا يستغفرون للناس، واختار الطحاوي قول: يهديكم الله ويصلح بالكم؛ لأنها أحسن من تحيته، وحال من هُدي وأُصلح [باله فوق المغفور] (٢) له، وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، من قوله مثله.
ص: وقد روي عن النبي -﵇- في ذلك أيضًا ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله -﵇-: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه -أو أصحابه: يرحمكم الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ربيع المؤذن وحسين بن نصر، قالا: ثنا يحيي بن حسان، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن النبي -﵇- مثله.
فثبت بذلك انتفاء ما قاله إبراهيم، وكان ما روي من هذا عن النبي -﵇- أصح مجيئًا وأظهر مما روي من خلافه، فهو أحب إلينا مما خالفه.
_________________
(١) "التمهيد" (١٧/ ٣٣٢).
(٢) في "الأصل": "بالتوفيق مغفور"، وهو تحريف، والمثبت من "التمهيد".
[ ١٤ / ٥٤ ]
ش: أورد هذين الحديثين -أي حديثي أبي أيوب وأبي هريرة- شاهدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية؛ وردًا علي إبراهيم النخعي فيما قاله من قوله المذكور، وأشار أيضًا أن هذا اختياره بقوله: "وكان ما روي في هذا. . . ." إلى آخره.
وأخرج حديث أبي أيوب من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها، فيه مقال، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود، قال: أنا شعبة، قال: أخبرني ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن أبي أيوب، أن رسول الله -﵇- قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله علي كل حال، وليقل الذي يرد عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
ثنا محمد بن المثني (١)، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي ليلي، عن أبي أيوب، عن النبي -﵇-، وكان ابن أبي ليلي مضطرب في هذا الحديث يقول أحيانًا: عن علي، عن النبي -﵇-، ويقول أحيانًا: عن أبي أيوب، عن النبي -﵇-.
الثاني: عن حسين بن نصر، عن عبد الرحمن بن زياد الثفقي الرصافي، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٢): عن بندار، عن سعيد، عن شعبة نحوه.
وأخرجه الدارمي أيضًا في "سننه" (٣).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٥/ ٨٣ رقم ٢٧٤١).
(٢) "عمل اليوم والليلة" (١/ ٢٣٥ رقم ٢١٣).
(٣) "سنن الدارمي" (٢/ ٣٦٨ رقم ٢٦٥٩).
[ ١٤ / ٥٥ ]
وأخرج حديث أبي هريرة: عن ربيع بن سليمان المؤذن وحسين بن نصر، كلاهما عن يحيى بن حسان التنيسي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البخاري (١): عن مالك بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -﵇-: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل صاحبه: يرحمك الله".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي -﵇- قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله علي كل حال، وليقل أخوه -أو صاحبه- يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ٢٢٩٨ رقم ٥٨٧٠).
(٢) "سنن أبي داود" (٤/ ٣٠٧ رقم ٥٠٣٣).
[ ١٤ / ٥٦ ]