ش: أي هذا باب في بيان حكم العرايا، وهو جمع عرية، فعلية بمعنى مفعولة، من عراه يعروه: إذا قصده، ويحتمل أن تكون فعلية بمعنى فاعلة، من عَرِيَ يَعْرَى: إذا خلع ثوبه كأنها عُرِّيت من جملة التحريم، فَعَرِيَت أي خرجت، قال القاضي: قد اختلف أهل اللغة في هذه التسمية، فقال بعضهم: ذلك مأخوذ من عروت الرجل إذا أتيته تسأل معروفه، فأعراه نخلة على هذا أعطاه ثمرها، فهو يعروها: أي يأتيها ليأكل ثمرها، وهم يقولون: سألني فأسألته، وطلبني فأطلبته، فعلى هذه الطريقة هي التي فسرها بعض أهل العلم، وهي التي صوَّب أبو عبيد في التفسير وهو من أئمة اللغة، وقد قال بعض أهل اللغة: إنها مأخوذة من كون المُعري قد أخلى ملكه عنها وأعراها من ملكه، وعلى هذا يصح صرف العرية إلى إخلائه ملكه من الثمر، أو من بعض الشجر، وقال ابن الأثير في "النهاية": اختلف في تفسيرها، فقيل: إنه لما نهى عن المزابنة وهو بيع الثمر في رءوس النخل بالتمر؛ رخَّص من جملة المزابنة في العرايا، وهو أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل لهم يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيجيء إلى صاحب النخل فيقول له: بعني ثمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس، فرخص فيه إذا كان دون خمس أوسقه، وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: العرايا: جمع عرية، وهي عطية ثمر النخل دون الرقاب كانوا يعطون ذلك إذا دهمتهم سنة لمن لا نخل له، فيعطيه من نخله ما سمحت به نفسه مثل الأفقار والأحبال والمنحة والعمرى، وكانت العرب تتمدح بالإعراء، وفي "الاستذكار": قال أهل اللغة: العرية مأخوذة من قولهم: عَرَوت الرجل أعروه إذا أتيته تلتمس بِرَّه ومعروفه من قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١) وقيل: هو مأخوذ من تخلي الإنسان عن
_________________
(١) سورة الحج، آية: [٣٦].
[ ١١ / ٤٩٢ ]
ملكه من الثمرة، من قوله تعالى ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (١) أي بالموضوع الخالي، وقال صاحب "العين": العرية من النخل الذي تعرى من المساومة عند بيع النخل. قال عبد الوهاب: معنى العرية عندنا أن يهب الرجل ثمر نخلة أو نخلات من حائطه لرجل. قال ابن زرقون: وهذا الذي ذكر يجيء على مذهب أشهب وابن حبيب، وأما ابن القاسم فالعرية عنده أن يعطيه الثمرة على وجه مخصوص، وهو أن يكون على المعرى ما يلزمها إلى بدو صلاحها. وذلك عنده يلزم الموهوب له من يوم الهبة، ففرق في ذلك بين العرية والهبة، ولذلك قال: عن مالك: زكاة العرية على المعرى، وزكاة الهبة على الموهوب له، قال: ففرق بينهما في الزكاة والسقي، وقال أشهب: زكاة العرية على المعري كالهبة إلا أن يعروه بعد الزهو، ويلزمه مثل ذلك في السقي، وقال محمد: لا خلاف بينهم أن السقي على المعري، وقال ابن حبيب: السقى والزكاة على المعري والواهب، وقال سحنون: إن كانت العرية والهبة بيد المعري والواهب يسقيها ويقوم عليها فالزكاة عليه، وإن كانتا بيد المعرى أو الموهوب له يقوم عليها ويأكل منها فالزكاة عليه.
قلت: الذي ذكره الأئمة الأربعة وغيرهم في تفسير العرايا وحكمها سيجيء في موضعها في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمر بالتمر".
قال عبد الله: وحدثنا زيد بن ثابت "أن رسول الله -﵇- أرخص في العرايا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -﵇- "أنه نهى عن المزابنة".
قال ابن عمر -﵄-: وأخبرني زيد بن ثابت "أن رسول الله -﵇- أرخص في العرايا".
_________________
(١) سورة الصافات، آية: [٢٤٥].
[ ١١ / ٤٩٣ ]
حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت -﵃-: "أن رسول الله -﵇- أرخص في العرايا".
حدثنا على بن شيبة بهذا الإسناد قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المحاقلة والمزابنة، ورخص في العرايا".
ش: هذه خمس طرق صحاح:
الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي -﵇-.
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى قال: نا سفيان، عن الزهري (ح).
وثنا ابن نمير وزهير بن حرب -واللفظ لهما- قالا: نا سفيان، قال: أنا الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "أن النبي -﵇- نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالتمر". قال ابن عمر: وثنا زيد بن ثابت "أن رسول الله -﵇- رخص في بيع العرايا -زاد ابن نمير في روايته-: أن تباع".
وأخرجه البخاري أيضًا (٢).
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم وهو محمد بن الفضل السدوسي البصري شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه الترمذي (٣): ثنا قتيبة، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع،
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٦٧ - ١٦٨ رقم ١٥٣٤).
(٢) "صحيح البخاري" (٢/ ٧٦٣ رقم ٢٠٧٢).
(٣) "جامع الترمذي" (٣/ ٥٩٥ رقم ١٣٠٢).
[ ١١ / ٤٩٤ ]
عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: " [أن رسول الله -﵇-] (١) أرخص في بيع العرايا بخرصها".
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب الواشحي البصري شيخ البخاري وأبي داود عن حماد بن زيد إلى آخره.
وأخرجه الكجي في "مسنده": عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله -﵇- رخص في بيع العرايا بخرصها كيلًا".
الرابع: عن على بن شيبة .. إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٢): ثنا ابن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع إلى آخره نحوه.
الخامس: عن على بن شيبة أيضًا، عن يزيد بن هارون إلى آخره بعين الإسناد المذكور، ولكن المتن مختلف كما ذكره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله -﵇- نهى عن المزابنة والمحاقلة، إلا أنه رخص لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها".
قوله: "عن بيع الثمر" بفتح الثاء المثلثة والميم.
وقوله: "التمر" بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الميم.
قوله: "أرخص في العرايا" وفي رواية مسلم "رخص" بالتشديد،
_________________
(١) تكررت في "الأصل".
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (٤/ ٥٠٧ رقم ٢٢٥٩٢).
(٣) "مسند أحمد" (٥/ ١٩٠ رقم ٢١٧٠٠).
[ ١١ / ٤٩٥ ]
وقد ذكرناها، والرخصة عند الفقهاء تخصيص بعض الجملة المحظورة بالإباحة.
وباقي تفسير الألفاظ قد مَرَّ مستوفي.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: "أن رسول الله - ﷺ - رخص في بيع العرايا بالتمر والرطب".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مسلم (١): من حديث سالم، عن أبيه عن زيد بن ثابت، عن رسول الله -﵇-: "أنه رخص في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك".
وذكر ابن زرقون في "شرح الموطأ" أنه سماه بيعًا لما فيه من معنى المعاوضة، ولوجه آخر من معني البيع وهو أنه لا يثبت حكمه إلا باختيار المبتايعين.
وقال القاضي في "شرح مسلم": هذا الحديث مخالف لما قبله؛ لأنه لا يجوز بيعها بالرطب وإنما هي رخصة فلا تجوز إلا على ما وردت به، وجل الأحاديث لم يُذكر فيها إلا شراءها بالتمر، وهذا الذي وقع ها هنا بالرطب أو بالتمر، لو تركنا نقيض اللسان لاحتمل أن يكون شكا من الراوي؛ هل قال -﵇-: بالرطب، أم قال: بالتمر؟ وشك الراوي يمنع من النطق به في الرطب.
قلت: يدفع ما قاله في ذلك ما جاء في رواية أبي داود "بالتمر والرطب" بحرف الواو دون "أو"، وكذلك في رواية الطحاوي على ما مَرَّت.
وقال القاضي أيضًا: قد قال بعض أصحابنا في حديث خارجة: هو حديث أنفرد به راويه وجاء بخلاف سائر الأحاديث وذلك يقدح فيه.
قلت: لا نسلم هذا الكلام؛ لأن رواة هذا الحديث كلهم حفاظ ثقات، وأئمة مشهورون، وتفرد واحد منهم برواية لا يضر.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٣/ ١١٦٨ رقم ١٥٣٩).
[ ١١ / ٤٩٦ ]
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن إسماعيل الشيباني، قال: "بعت ما في رءوس نخلي بمائة وسق؛ إن زاد فلهم، وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر عن ذلك فقال: نهى رسول الله -﵇- عن بيع الثمرة بالتمر، إلا أنه رخص في العرايا".
ش: إسناده صحيح.
وسفيان هو ابن عيينة، وإسماعيل هو ابن إبراهيم الشيباني، ذكره ابن حبان في الثقات التابعين.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سفيان، عن عمرو، عن إسماعيل الشيباني: "بعت ما في رءوس نخلي بمائة وسق؛ إن زاد فلهم، وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر، فقال: نهى عنه رسول الله -﵇-، ورخص في العرايا".
قوله: "بمائة وسق" الوسق -بفتح الواو- ستون صاعًا وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصالح والمد، والأصل في الوسق الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته، والوسق أيضًا ضم الشيء إلى الشيء.
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله -﵇- نهى عن بيع الثمر حتى يُطعم، وقال: لا يباع شيء منه إلا بالدراهم والدنانير؛ إلا العرايا فإن رسول الله -﵇- رخص فيها".
ش: قد مر هذا في الباب السابق بعين هذا الإسناد والمتن إلى قوله: "حتى يطعم".
وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤).
_________________
(١) "مسند أحمد" (٢/ ١١ رقم ٤٥٩٠).
(٢) "صحيح البخاري" (٢/ ٧٦٤ رقم ٢٠٧٧).
(٣) "صحيح مسلم" (٣/ ١١٦٧ رقم ١٥٣٦).
(٤) "المجتبى" (٧/ ٣٧ رقم ٣٨٧٩).
[ ١١ / ٤٩٧ ]
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المزابنة، إلا أنه رخص في العرايا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر: "أن النبي -﵇- نهى عن المحاقلة والمزانبة والمخابرة -وقال أحدهما: والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين -ونهى عن الثنيا ورخص في العرايا".
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
الأول: عن المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح المكي إلى آخره.
وأخرجه مسلم بأتم منه (١): نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: نا مخلد بن يؤيد الجزري، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله -﵇- نهى عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة، وعن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم والدنانير إلا العرايا " الحديث.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي وسعيد بن ميناء كلاهما، عن جابر -﵁-.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن عمر القواريرى ومحمد بن عبيد الغبري -واللفظ لعبيد الله- قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة -قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة- وعن الثُنْيا، ورخص في العرايا".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٣/ ١١٧٢ رقم ١٥٣٦).
[ ١١ / ٤٩٨ ]
وقد مَرَّ تفسير المحاقلة والمزابنة، وأما المخابرة فقد فسرها جابر في كتاب مسلم بأنها الأرض يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر، وقال أهل اللغة: المخابرة هي المزارعة على النصيب كالثلث وغيره، والخُبرة النصيب، وقال الأزهري: الخُبر يكون زرعًا ويكون إكارًا، وقال ابن الأعرابي: أصل المخابر مأخوذ من خيبر؛ لأن النبي -﵇- كان أقرها في أيدي أهلها على النصف، فقيل: خابرهم أي عاملهم في خيبر. وقيل: هي من الخبار وهي الأرض اللينة، قاله ابن الأثير.
قوله: "والمعاومة" وهي بيع السنين، يعني بيع ثمرة حائطه سنين، وقد مَرَّ الكلام فيه أيضًا.
قوله: "ونهى عن الثُنْيا" بضم الثاء المثلثة وسكون النون، وهي أن يستثني في البيع شيء مجهول فيفسده. وقيل: هو أن يباع شيء جزافًا فلا يجوز أن يستثني منه شيء، قَلَّ أو كَثُر، وتكون الثنيا في المزارعة أن يستثني بعد النصف أو الثلث كيل معلوم.
وقد استدل أبو حنيفة والشافعي بظاهر هذا الحديث، وتمسكًا بعموم نهيه عن بيع الثنيا، ولم يُجَوِّزا إذا باع صبرة واستثني منها جزءًا، وإن كان معلومًا، وأجاز مالك أن يستثني منها من الملكية ما يعلم أنه لا يزيد على ثلث جميعه، لأن ذلك عنده في حكم اليسير الذي لا يؤدي إلى الجهالة بالبيع، فوجب أن يجوز.
وقال القاضي: ومن الثنيا اشتراط البائع على المبتاع متي جاءه بالثمن فالسلعة له، وهذا الذي يسميه الموثوقون بيع الثُّنْيا، ومنها قول المشتري: إن لم آتك بالثمر يوم كذا فلا بيع بيني وبينك.
فاختلف العلماء، فبعضهم أبطل الشرط وصحح البيع، ومنهم من ألزم قائله ما شرط وجعل الآخر بالخيار. والوجهان يرويان عن مالك، وما كان من ذلك على التطوع بعد العقد لزم الوفاء به. وأما ثُنْيا المشتري بعض ثمرة نخله التى باع فلا يخلوا أن يكون على الكيل أو الجزء أو ثمرة نخلات معينات، فأما النخلات المعينات فلا خلاف في جواز استثنائها؛ لأنه لم يقع عليها بيع جملة، وإن استثني بعضها على الكيل
[ ١١ / ٤٩٩ ]
فمذهب عامة العلماء وفقهاء الفتيا بالأمصار: أنه لا يجوز من ذلك قليل ولا كثير، وذهب مالك في جماعة أهل المدينة إلى جواز ذلك ما بينه وبين ثلث الثمرة، لا يزيد على ذلك، وإن استثني جزءًا مشاعًا فيجوز عند مالك وعامة أصحابه؛ قل أو كثر.
وذهب عبد الملك إلى أنه لا يجوز استثناء الأكثر، والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء الأكثر من الأقل، وقد اختلف في ذلك النحاة والأصوليون وكتاب الله يشهد بجوازه؛ فإن الله تعالى قال عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١)، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢) فقد استثني كل صنف من الآخر [] (٣) لا سيما ما وردت به الآثار في تكثير الغاوين.
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة -﵁-: "أن رسول الله -﵇- نهي عن بيع الثمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها من التمر، يأكلها أهلها رطبًا".
ش: إسناده صحيح.
وسفيان هو ابن عيينة، ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وبُشَير -بضم الباء
_________________
(١) سورة ص، آية: [٨٢ - ٨٣] ولعل مراد المؤلف: ذكر آية الحجر رقم (٣٩، ٤٠) وفيها: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
(٢) سورة الحجر، آية: [٤٢].
(٣) طمس في "الأصل"، وجاء في "عمدة القاري" (١٤/ ٢١): وإنما الحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإن جعلت المخلصين الأكثر فقد استثناهم، وإن جعلت الغاوين الأكثر فقد استثناهم أيضًا، ولأن الاستثناء إخراج، فإذا جاز إخراج الأقل؛ جاز إخراج الأكثر. ومذهب البصريين من أهل اللغة وابن الماجشون المنع.
[ ١١ / ٥٠٠ ]
الموحدة وفتح الشين المعجمة -بن يسار- بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة- الحارثي الأنصاري المدني روي له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): نا عمرو الناقد وابن نمير، قالا: نا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي -﵇- نحوه.
وأخرجه بقية الجماعة بألفاظ مختلفة (٢).
قوله: "عن بيع الثمر" بالثاء المثلثة، والميم المفتوحتين.
وقوله: "بالتمر" بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الميم.
قوله: "بخرصها" أي بخرص العرية من التمر، وهو أن يتحرى ذلك ويخرص في رءوس النخل وليست له مكيلة.
قوله: "رطبا" نصبت على الحال من التبادل، فافهم.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن بعض أصحاب رسول - ﷺ - من أهل دارهم منهم: سهل بن أبي حثمة "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا؛ تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها يأكلونها رطبًا".
ش: إسناده صحيح.
والقعنبي هو عبد الله بن مسلمة، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. وبقية الرجال ذكروا الآن.
وأخرجه مسلم (٣): عن القعنبي، نحوه.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٣/ ١٧٠ رقم ١٥٤٠).
(٢) البخاري (٢/ ٧٦٤ رقم ٢٠٧٩)، وأبو داود (٢/ ٢٧١ رقم ٣٣٦٣)، والترمذي (٣/ ٥٩٦ رقم ١٣٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٦٨ رقم ٤٥٤٢). وأما ابن ماجه فلم يعزه له المزي في "تحفة الأشراف" (٤/ ٩٣ رقم ٤٦٤٦).
(٣) "صحيح مسلم" (٣/ ١١٧٠ رقم ١٥٤٠).
[ ١١ / ٥٠١ ]
قوله: "ذلك الربا" أي بيع الثمر بالتمر، وإنما أنث اسم الإشارة في قوله: "تلك المزابنة" باعتبار لفظ المزابنة.
قوله: "النخلة والنخلتين " إلى آخره تفسير لقوله: "العرية".
قوله: "بخرصها" الباء فيه متعلقة بقوله: "يأخذها".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي وعثمان بن عمر، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولي ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة: "أن رسول الله -﵇- رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق -أو فيما دون خمسة أوسق، شك داود هي خمسة أو فيها دون خمسة؟ ".
ش: إسناده صحيح. ورجاله ثقات.
وعثمان بن عمر بن فارس، شيخ أحمد، روي له الجماعة، وأبو سفيان اسمه قُزمان، قاله الدارقطني، روي له الجماعة، وهو مولي عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي.
والحديث أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢): عن القعنبي.
والترمذي (٣): عن قتيبة، عن مالك، وعن أبي كريب، عن زيد بن حباب، عن مالك.
وأخرجه البخاري (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦).
وقال القاضي: قوله: "فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق" ما يدل أنه يختص
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٣/ ١١٧١ رقم ١٥٤١).
(٢) "سنن أبي داود" (٢/ ٢٧٢ رقم ٣٣٦٤).
(٣) "جامع الترمذي" (٣/ ٥٩٥ رقم ١٣٠١).
(٤) "صحيح البخاري" (٢/ ٧٦٤ رقم ٢٠٧٨).
(٥) "المجتبى" (٧/ ٢٦٨ رقم ٤٥٤١).
(٦) ولم يعزه المزي لسنن ابن ماجه؛ انظر "التحفة" (١٠/ ٤٥٧ رقم ١٤٩٤٣).
[ ١١ / ٥٠٢ ]
بما يوسق ويكال، ويحتج به لأحد القولين، لاختصاص ذلك بالتمر والزبيب، وما في معناه مما ييبس ويدخر ويأخذه المكيل.
وقد ذكر أبو داود عن أبي هريرة الحديث وفيه: "فيما دون خمسة أوسق".
فقد قصر -﵇- الرخصة والحكم في العرية على هذا القدر المذكور في الحديث فلا يزاد عليه، وكان الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير الذي تجب فيه الزكاة من هذا الجنس، وقد اختلف قول مالك في إجراء حكم العرية في خمسة أوسق فقال به في مشهور قوله؛ اتباعًا لما وجد عليه العمل عندهم بالمدينة، وقال أيضًا: لا يجوز في الخمسة ويجوز فيما دونها، لأنه المتحقق في الحديث، والخمسة مشكوك فيها، وبهذا قال الشافعي إلا أنه قال: لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق وأفسخه فيما وراءه، وحكي ابن القصار عنه اختلاف قوله كاختلاف قول مالك، وهذا في شرائها بخرصها تمرًا، وأما شراؤها بالدنانير والدراهم والعروض على مشهور قول مالك؛ فجائز من ربها وغيره وإن جاوزت خمسة أوسق، وقال الإِمام أما شك الرواي في الخمسة أوسق فعندنا اختلاف في جواز البلوغ إليها، وقد قال بعض المخالفين: إذا شك الراوي بين خمسة فما دون فلا وجه للتعلق بروايته في تحديد مقدار ما دون الخمسة أوسق، ولكن وقع في بعض الروايات: "أربعة أوسق" فوجب الانتهاء إلى هذا للتيقن، وإسقاط ما زاد عليه، وإلى هذا المذهب مال ابن المنذر، وألزم المزني الشافعي أن يقول به.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الواسع بن حَبَّان، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله - ﷺ - رخص في العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: في كل عشرة أقناء قنو، يوضع في المسجد للمساكين".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم.
وحَبَّان في الموضعين بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة.
[ ١١ / ٥٠٣ ]
وأخرجه البيهقي (١) من حديث ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع، عن جابر: "نهى رسول الله -﵇- عن المحاقلة والمزابنة، وأذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها، ثم قال: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا أحمد بن عبد الملك، نا محمد (٣) بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله قال: "أمر رسول الله -﵇- من كل جاد بعشرة أوسق من تمر بقنو، يعلق في المسجد للمساكين".
حدثنا يعقوب، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "سمعت رسول الله -﵇حين أَذِنَ لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها- يقول: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة".
قوله: "أقناء" جمع قِنْو -بكسر القاف- وهو العِذق بما فيه من الرطب.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق فذكر
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" (٥/ ٣١١ رقم ١٠٤٤٩).
(٢) "مسند أحمد" (٣/ ٣٥٩ رقم ١٤٩١٠).
(٣) الذي في "الأصل": حماد بن سلمة. وكذلك وقع في النسخة المطبوعة من "صحيح ابن خزيمة" (٤/ ١١٠ رقم ٢٤٦٩). والصحيح: محمد بن سلمة. كذا هو في "مسند أحمد" (٣/ ٣٥٩ رقم ١٤٩١٠)، و"سنن أبي داود" (١/ ٥٢٢ رقم ١٦٦٢)، و" مسند أبي يعلى" (٤/ ٣٤ رقم ٢٠٣٨). فإن حماد بن سلمة لم يُذكر في شيوخ أحمد بن عبد الملك الحراني، وقال الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح" (١/ ٤١١): فممن يروي عن حماد بن زيد دون ابن سلمة أحمد بن إبراهيم الموصلي وأحمد بن عبد الملك الحراني ". وأحمد بن عبد الملك عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق إسناد دائر. انظر "مسند أحمد" في الأحاديث (١٧٥٧، ٥٣٥٣، ٧٠٣٥، ٩٢٢٠، ٩٢٢٤، ١١٨٠١، ١٤٩١٠، ١٨٣٥٢، ٢١٨٢٥، ٢٤٩٢٣، ٢٤٩٢٤) والله أعلم.
[ ١١ / ٥٠٤ ]
بإسناده مثله، غير أنه قال: "ثم قال: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" ولم يذكر قوله: "في كل عشرة".
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح.
عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي الحمصي أحد مشايخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن عمه واسع بن حَبَّان، عن جابر بن عبد الله -﵁-.
ص: قال أبو جعفر -رحمة الله-: فقد جاءت عن الآثار، عن رسول الله - ﷺ - وتواترت في الرخصة في بيع العرايا، فقبلها أهل العلم جميعًا ولم يختلفوا في صحة مجيئها، وتنازعوا في تأويلها، فقال قوم: العرايا أن يكون الرجل له النخلة والنخلتان في وسط النخل الكثير لرجل آخر، وقد كان أهل المدينة إذا كان وقت الثمار خرجوا بأهليهم إلى حوائطهم، فيجيء صاحب النخلة والنخلتين بأهله؛ فيضر ذلك بصاحب النخل الكثير.
فرخص رسول الله - ﷺ - لصاحب النخل الكثير أن يعطي صاحب النخلة أو النخلتين بخرص ماله من ذلك تمرًا، لينصرف هو وأهله عنه، ويخلص تمر الحائط كله لصاحب النخل الكثير، فيكون فيه هو وأهله.
وقد روي هذا القول عن مالك بن أنس -﵁-.
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن هذه الأحاديث التى وردت في العرايا لم ينازع أحد في صحتها، ولا اختلف في صحة مجيئها وإنما تنازعوا في تأويلها، فقال قوم: "العرايا أن يكون الرجل له النخلة أو النخلتين " إلى آخره.
وأراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير والأوزاعي ومالك بن أنس -﵏-، فإنهم قالوا: العرايا هي أن يهب الرجل لآخر ثمر نخلة -أو نخلتين أو نخلات- من ماله ويكون الواهب سكن بأهله في ذلك الحائط، فيشق عليه دخول المعرى في
[ ١١ / ٥٠٥ ]
الحائط، فله أن يبتاع منه ذلك الثمر يخرصه تمرًا إلى الجداد، ولا يجوز عندهم إلا نسيئة، وأما يدًا بيد فلا.
وقال أبو عمر (١): فجملة قول مالك وأصحابه في العرايا: أن العرية هي أن يهب الرجل من حائطه خمسة أوسق فما دونها، ثم يريد أن يشتريها من المعرى عند طيب الثمرة، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرًا عند الجذاذ، وإن عَجَّل له لم يجز، ولا يجوز ذلك لغير المعرى؛ لأن الرخصة فيه وردت، وجائز بيعها من غيره بالدنانير والدراهم وسائر العروض.
وقال أيضًا ولا يجوز البيع في العرايا عند مالك وأصحابه إلا لوجهين: إما لدفع ضرر دخول المعرى على المعري، وإما لأن يرفق المعري المعرى فيكفيه المؤنة فيها فأرخص له أن يشتريها منه بخرصها تمرًا إلى الجذاذ.
وفي "الاستذكار": يجوز الإعراء في كل نوع من الثمر كان مما ييبس ويدخر أم لا؟ وفي القثاء والموز والبطيخ قاله ابن حبيب قبل الأبار وبعده لعام أو لأعوام في جميع الحائط أو بعضه، وقال ابن حبيب عن مالك: يكون باجتماع أمرين: أن يصلح فيها ثمره وأن يقبضها، فإن عدم أحد الأمرين قبل موت المعري فلا شيء فيها للمعرى، وقال عبد الوهاب: بيع العرية جائز بأربعة شروط:
أحدهما: أن تزهى وهو قول جمهور الفقهاء، وقال يزيد بن أبي حبيب: يجوز قبل بدو الصلاح.
والثاني: أن تكون خمسة أوسق فأدنى، وهو رواية المصريين عن مالك، وروى عنه أبو الفرج عمرو بن محمد: أنه لا يجوز إلا في أقل من خمسة أوسق، فإن خرصت أقل من خمسة أوسق فلما جذت وجد أكثر، ففي "المدونة" روى صدقة بن حبيب عن مالك: أن الفضل لصاحب العرية، ولو جذ أقل من الخرص ضمن الخرص، ولو خلطه قبل أن يكيله لم يكن عليه زيادة ولا نقص.
_________________
(١) "التمهيد" (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
[ ١١ / ٥٠٦ ]
والثالث: أن يعطيه خرصها عند الجذاذ، ولا يجوز له تعجيل الخرص تمرًا خلافًا للشافعي في قوله: إنه يجب عليه أن يعجل الخرص تمرًا، ولا يجوز أن يفترقا حتى يتقابضا.
والشرط الرابع: أن يكون من صنعها فإذا باعها بخرصها إلى الجذاذ، ثم أراد تعجيل الخرص جاز، قاله ابن حبيب.
وعن مالك فيما يصح ذلك فيه من الثمار روايتان:
إحداهما: أنه لا يجوز إلا في النخل والعنب، وبه قال الشافعي.
والثانية: أنه يجوز في كل ما ييبس ويدخر من الثمار، كالجوز واللوز والتين والزيتون والفستق. رواه محمد، وقال أشهب في الزيتون: يجوز إذا كان ييبس ويدخر، وأما النخل الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب؛ فعلى اشتراط التيبيس يجب أن لايجوز. انتهي.
وقال قوم: العرية النخلة والنخلتان والثلاث تجعل للقوم، فيبيعون ثمرها يخرصها تمرًا. وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق، وروي عن زيد بن ثابت.
وقال قوم مثل هذا إلا أنهم خصوا بذلك المساكين يجعل لهم ثمر النخل فيصعب عليهم القيام عليها، فأبيح لهم أن يبيعوه بما شاءوا من التمر؛ وهو قول سفيان بن حسين، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل.
وقال قوم: العرية: الرجل يعري النخلة -أو يستثني من ماله النخلة- أو النخلتين يأكلها، فيبيعها بمثل خرصها. وهو قول عبد ربه بن سعيد الأنصاري.
وقال قوم: العرية أن يأتي أوان الرطب، وهنالك قوم فقراء لا مال لهم ويريدون ابتياع رطب يأكلونه مع الناس ولهم فضول تمر من أقواتهم، فإنه لهم أن يشتروا الرطب بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق.
[ ١١ / ٥٠٧ ]
وهو قول الشافعي وأبي ثور، ولا عرية عندهما في غير النخل والعنب، وقال ابن قدامة في "المغني": العرايا لا تجوز إلا فيما دون خمسة أوسق. وبهذا قال ابن المنذر والشافعي -في أحد قوليه- وقال مالك والشافعي -في القول الآخر-: يجوز في الخمسة، ورواه الجوزقاني عن إسماعيل بن سعيد، عن أحمد، واتفقوا على أنها لا تجوز في الزيادة على خمسة أوسق.
وقال أيضًا: إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر لا أقل منه ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشترى به معلومًا بالكيل، ولا يجوز جزافًا، ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا.
واختلف في معني خرصها من التمر، فقيل: معناه: أن يطيف الخارص بالعرية فينظر كم يجيء منها تمرًا فيشتريها بمثله من التمر، وهذا مذهب الشافعي.
ونقل حنبل عن أحمد أنه قال: يخرصها رطبًا ويعطي تمرًا، ولا يجوز أن يشتريها بخرصها رطبًا. وهو أحد الوجوه لأصحاب الشافعي.
والثاني: يجوز.
والثالث: يجوز مع اختلاف النوع، ولا يجوز مع اتفاقه، ولا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبًا، ولا يجوز بيعها لغني، وهذا أحد قولي الشافعي، وأباحها في القول الآخر مطلقًا للغني والمحتاج، ولا يجوز بيعها في غير النخل، وهو مذهب الليث، وقال القاضي: يجوز في بقية الثمار من العنب والتين وغيرهما. وهو قول مالك والأوزاعي.
وأجازه الشافعي في النخل والعنب دون غيرهما.
ص: وكان أبو حنيفة -رحمة الله- يقول -فيما سمعت أحمد بن أبي عمران يذكر-: أنه سمع محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: معني ذلك عندنا: أن يعري الرجلُ الرجلَ ثمر نخلة من نخله فلم يُسَلِّم ذلك إليه حتى يبدو له، فرخص له أن يحبس ذلك ويعطيه مكانه خرصه تمرًا. وكان هذا التأويل أشبه وأولى
[ ١١ / ٥٠٨ ]
مما قال مالك؛ لأن العرية إنما هي العطية، ألا تري إلى الذي مدح الأنصار كيف مدحهم إذ يقول:
ليست بسَنْهَاءَ ولا رُجَبيَّة ولكن عرايا في السّنين الجَوَائِحِ
أي أنهم كانوا يعرونها في السنين الجوائح، فلو كانت العرية كما ذهب إليه مالك إذا؛ لما كانوا ممدوحين بها إذ كانوا يُعْطَون كما يُعْطَون، ولكن العرية بخلاف ذلك.
ش: أوَّل أبو حنيفة: معني العرايا بأن يهب الرجل رجلًا آخر ثمر نخلة أو نخلتين، فلم يسلِّم ذلك إليه ثم يبدو له -يعني يظهر له أن لا يُمَكِّنه من ذلك- فيعطيه مكان ثمر ما أعطاه تمرًا يابسًا، فيخرج بذلك عن إخلاف الوعد، وهذا هو معنى العرية عند أبي حنيفة وحكمها، ثم ادعي الطحاوي أن هذا التأويل هو أشبه وأولي التأويلين -أعني التأويل الذي أوله وتأويل مالك وذلك لأن العرية معناها: العطية، ألا تري إلى الذي مدح الأنصار بقوله: ليست بِسَنْهاءَ إلى آخره، ذكر العرايا وأراد بها العطايا، يعني أنهم كانوا يعرونها أي يعطونها في السنين الجوائح؟ ولو كانت العرايا كما ذهب إليه مالك؛ إذًا لما وقع كلام الشاعر مدحًا في حقهم، ولا كانوا هم ممدوحين بها، لأنهم كما كانوا يُعْطُون كانوا يُعْطَون أيضًا، فتقع المعاوضة؛ فلا يصير فيه فضل لأحدهما على الآخر.
فعلم من ذلك أن معنى العرية على ما قاله أبو حنيفة، لا على ما قاله مالك ولا غيره من الأئمة.
ثم اعلم أن قائل هذا الشعر هو سويد بن الصامت من شعراء الأنصار.
قوله: "ليست بسنهاء". أي ليست نخلهم بسنهاء، والسنهاء النخل التي تحمل سنة وتحول سنة فلا تحمل، وذلك عيب في النخل، فوصف نخله أنها ليست كذلك، ولكنها تحمل في كل عام، وهو على وزن صحراء، يقال: سَنَهَت النخلة وتَسَنَّهت إذا أتت عليها السنون والسَّنْهَة -مثل الجَبْهة- أصل السنة.
[ ١١ / ٥٠٩ ]
قوله: "ولا رُجَبِيَّة" بضم الراء المهملة وفتح الجيم وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف، نسبة إلى الرجب وهو جمع رُجْبَة مثل ركبة تجمع على رُكَب، والرجبة اسم من الترجيب، وهو أن تدعم الشجرة إذا كثر حملها لئلا تنكسر أغصانها، وقال ابن قتيبة: الرجبية هي التى تميل لضعفها؛ فَتُدْعَم من تحتها.
قوله: "ولكن عرايا" استدراك من المعني الأول، أي ولكن كانوا يُعْرون عرايا: أي عطايا.
قوله: "من السنين الجوائح". بالجيم، وفي آخره حاء مهملة، وهو جمع جائحة وهي الشدة التى تجتاح المال من سنة أو فتنة، يقال جاحتهم الجائحة واجتاحتهم، وجاح الله ماله وأجاحه واجتاحه بمعنى، أي أهلكه بالجائحة، وأصل الكلمة من الجوح وهو الاستئصال، يقال: جحت الشيء أجوحه، ويروى: في السنين المواحل، وهو جمع ماحلة من المحل، وهو الجدب والقحط، والمعني أنهم يعرونها في السنين الجدبة، يعني يعطون ثمرتها أهل الحاجة في سِنِيّ الجدب والمجاعة والشدة.
ص: فإن قال قائل: فقد ذكر في حديث زيد بن ثابت: "أن رسول الله -﵇- نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا" فصارت العرايا في هذا الحديث أيضًا هي بيع ثمر بتمر، قيل له: ليس في الحديث من ذلك شيء [إنما] (١) فيه ذكر الرخصة في العرايا مع النهي عن بيع الثمر بالتمر، وقد يقرن الشيء بالشيء، وحكمهما يختلف.
ش: هذا السؤال وارد على تأويل أبي حنيفة، يعني العرية: هي العطية بلا بدل، وليست بيعًا، تقريره أن يقال: إن ما ذكره أبو حنيفة منقوض بما رواه زيد بن ثابت: "أن رسول الله -﵇- عن بيع الثمر -بالثاء المثلثة- بالتمر -بالتاء المثناة من فوق- ورخص في العرايا" فدل ذلك أن العرية أيضًا بيع ثمر بتمر، ولكنه رَخَّص فيها ترفيقًا للناس.
_________________
(١) ليست في "الأصل".
[ ١١ / ٥١٠ ]
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم أن يدل هذا الحديث على ما ذكرتم، غاية ما في الباب أن هذا الحديث مشتمل على حكمين مقرونين:
أحدهما: النهي عن بيع الثمر بالتمر.
والآخر: الترخيص في العرايا.
ولا يلزم من ذكرهما مقرونين أن يكون حكمهما واحد، وقد يقرن الشيء بالشيء وحكمهما يختلف، ونظائر هذا كثيرة، وقد ذكر أهل التحقيق من الأصوليين: أن من العمل بالوجوه الفاسدة ما قال بعضهم: إن القران في النظم يوجب القران في الحكم، ووجه فساد ذلك: أن ما يجب في الجملة الناقصة لافتقارها إلى ما يتم به، فإذا تم بنفسه لم تجب الشركة إلا فيما يفتقر إليه، وقوله -﵇-: "ورخص في العرايا" جملة تامة لا تفتقر إلى ما تتم به، فلا يطلق حينئذ على العرية أنها البيع.
فإن قيل: حديث زيد بن ثابت -﵁-: "أن رسول الله - ﷺ - رخص في بيع العرايا" وحديث سهل بن أبي حثمة: "إلا أنه رخص في بيع العرية" يدل على أن العرية بيع ثمر بتمر، وأنه يرد ما قاله أبو حنيفة -ومن تبعه-: إن العرية هي العطية.
قلت: الراوي هو الذي سماها بيعًا لتصورها بصورة البيع لا أن يكون بيعًا حقيقة، ألا تري أنه لم يملكها المعرى له لانعدام القبض، فكيف يجعل بيعًا؟ ولأنه لو جعل بيعًا لكان بيع الثمر بالتمر إلى أجل، وأنه لا يجوز بلا خلاف، فدل ذلك أن العرية المرخص فيها ليست ببيعٍ حقيقة، بل هي عطية.
ص: فإن قال: فقد ذكر التوقيف في حديث أبي هريرة -﵁- على خمسة أوسق، وفي ذكره ما ينفي أن يكون حكم ما هو أكثر من ذلك كحكمه.
قيل له: ما فيه ما ينفي شيئًا مما ذكرت، وإنما يكون ذلك كذلك لو قال رسول الله -﵇-: لا تكون العرية إلا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، فأما إذا كان الحديث إنما فيه: "أن رسول الله - ﷺ - رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق فذلك يحتمل أن يكون النبي -﵇- رخص فيه لقوم في عرية لهم هذا
[ ١١ / ٥١١ ]
مقدارها، فنقل أبو هريرة ذلك، وأخبر بالرخصة فيما كانت، ولا ينفي أن تكون تلك الرخصة جارية فيما هو أكثر من ذلك.
ش: هذا السؤال وارد على تأويل أبي حنيفة، حيث لم يقدر بخمسة أوسق ولا بما دونها. وحديث أبي هريرة يرده؛ لأن فيه توقيفًا على خمسة أوسق، وتنصيصه بذلك ينفي أن يكون حكم الأكثر من ذلك كحكم الخمسة أو ما دونها.
وأيضًا لو كانت العرية عطية -على ما ذكره- لما حددها وقصرها على خمسة أوسق، فقصره عليها يدل على أنها بيع رخَّص فيه واستثني من البيع المحرم الذي هو بيع الثمر بالتمر.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم أن التحديد بالخمسة ينفي أن يكون ما هو أكثر خارجًا عن حكم الخمسة، وإنما يلزم ذلك أن لو كان فيه شيء يدل على الحصر، نحو ما إذا قال: لا تكون العرية إلا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، وليس نظم الحديث كذلك وإنما هو أنه -﵇- رخص فيها لقوم في عرية كانت عندهم هذا المقدار، فنقل الراوي ذلك كما كان عليه أهل القضية وذلك لا ينفي أن تكون الرخصة فيما هو أكثر من ذلك، ثم العجب أنهم يجعلون الخمسة تحديدًا ويقصرون الحكم عليها، والحال أنها مشكوك فيها، والنهي عن المزابنة ثابت بيقين؛ فوجب أن لا يستثنى منها إلا الثابت بيقين، وهو أربعة أوسق، فافهم. والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: ففي حديث ابن عمر وجابر -﵃-: "إلا أنه رخص في العرايا" فصار ذلك مستثنى من بيع الثمر بالتمر، فثبت بذلك أنه بيع ثمر بتمر.
قيل له: قد يجوز أن يكون قصد بذلك إلى المعرى، فرخص له أن يأخذ تمرًا بدلًا من ثمرٍ في رءوس النخل، لأنه يكون ذلك في معني البيع، وذلك له حلال، فيكون الاستثناء لهذه العلة، وفي حديث سهل بن أبي حثمة: "إلا أنه رخص في بيع العرية بخرصها تمرًا، يأكلها رطبًا" فقد ذكر للعرية أهلًا وجعلهم يأكلونها رطبًا، ولا يكون ذلك إلا ومَلَكها الذين عادت إليهم بالبدل الذي أُخِذَ منهم.
[ ١١ / ٥١٢ ]
فبذلك ثبت قول أبي حنيفة -﵁-.
ش: تقرير السؤال أن يقال: نظم حديث عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله يدل على أن العرية بيع؛ لأن في حديثهما: "إلا أنه رخص في العرايا" وقد استثني ذلك من بيع الثمر بالتمر، والمستثنى من جنس المستثنى منه، فثبت بذلك أن العرية بيع ثمر بتمر مستثنى من البيع المحرم المنهي عنه، وهو بيع الثمر بالتمر.
وتقرير الجواب أن يقال: يجوز أن يكون الاستثناء ها هنا لا لما ذكرتم، بل يكون قصد بذلك إلى أن المعرَى -بفتح الراء- قد قصد له أن يأخذ تمرًا بدلًا من التمر الذي في رءوس النخل التى أعريت له، فهذه الصورة في حق غيره حرام، وفي حق المعرَى -بفتح الراء- حلال، فاستثني بذلك بيانًا لهذه العلة ثم إن المعرَى -بفتح الراء- بأخذه التمر بدلًا عن الثمر الذي في رءوس النخل يكون كالبائع لذلك الثمر بالتمر الذي يأخذه من المعري -بكسر الراء- فإطلاق البيع على العرية بهذه الحيثية؛ لا باعتبار أن هناك بائع حقيقة أو بيع حقيقة.
ص: فإن قال قائل: لو كان تأويل هذه الآثار ما ذهب إليه أبو حنيفة، لما كان لذكر الرخصة فيها معني.
قيل له: بل له معنى صحيح، ولكن قد اختلف فيه، ما هو؟
فقال عيسى بن أبان: معني الرخصة في ذلك أن الأموال كلها لا تملك بها أبدالًا إلا من كان مالكها لا يبيع الرجل ما لا يملك ببدل، فيملك ذلك البدل، فإنما يملك ذلك البدل إذا ملكه بصحة ملكه للشيء الذي هو بدل منه.
قال: فالمعرَى لم يكن يملك العرية، لأنه لم يكن قبضها، والتمر الذي يأخذه بدلًا منها، فقد جعل طَيِّيًا له في هذا الحديث، وهو بدل من رطبٍ لم يكن ملكه.
قال: فهذا هو الذي قصد بالرخصة إليه.
[ ١١ / ٥١٣ ]
وقال غيره: الرخصة أن الرجل إذا عرَى الرجل الشيء من ثمره، فقد وعد أن يسلمه إليه ليملكه المُسَلَّم إليه بقبضه إياه، وعلى الرجل في دينه أن يفي بوعده، وإن كان غير مأخوذ به في الحكم، فرخص للمعرِي أن يحبس ما أعرى بأن يعطي المعرى خرصه تمرًا بدلًا منه من غير أن يكون آثمًا، ولا في حكم من أخلف موعدًا، فهذا موضع الرخصة.
ش: تقرير السؤال أن يقال: أحاديث العرايا ذُكرت بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا في شيء محرم، والعرايا لو كانت عطية على ما أَوَّله أبو حنيفة لم يكن لذكر الرخصة فيها فائدة ولا معني؛ لأن الرخصة لا دخل لها في العطايا والهبات، فَذِكْر الرخصة يدل على أنها بيع مستثنى من البيوع الحرمة.
وقد أجاب عنه الطحاوي بجوابين:
أحدهما: عن عيسى بن أبان، والآخر: عن غيره، وكلاهما ظاهر.
قوله: "قال: فالمعرى" بفتح الراء.
قوله: "وقال غيره" أي غير عيسى بن أبان.
قوله: "وعلى الرجل في دينه أن يفي بوعده" لورود النصوص من الكتاب والسنة على الحث والتحريض بوفاء المواعيد.
قوله: "فرخص للمعري" بكسر الراء.
قوله: "بأن يعطي المعرَى" بفتح الراء.
ص: وهذا التأويل الذي ذكرناه عن أبي حنيفة أولى ما حُمل عليه وجه هذا الحديث، لأن الآثار قد جاءت عن رسول الله -﵇- متواترة بالنهي عن بيع الثمر بالتمر، منها ما قد ذكرناه في أول هذا الباب، ومنها:
ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد وأبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله -﵇- قال: "لا تبايعوا الثمر بالتمر".
[ ١١ / ٥١٤ ]
قال ابن شهاب: وحدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي -﵇-.
مثله سواء.
حدثنا يزيد وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبي -﵇-، مثله.
حدثنا محمد بن الحجاج، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، قال: "سمعت ابن عمر -﵄- سئل عن رجل اشتري ثمرة بمائة فرق يكيل له، قال: نهى رسول الله -﵇- عن هذا -يعني المزابنة".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن زكريا قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله -﵇- عن بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، والزبيب بالعنب كيلا، والزرع بالحنطة كيلًا".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن عون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عمر سئل عن رجل باع ثمرة أرضه من رجل بمائة فرق، فقال: نهي رسول الله -﵇- عن هذا، وهو المزابنة".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أخبرني يونس، قال: حدثني نافع، أن عبد الله بن عمر قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المزابنة، قال: والمزابنة: أن يشتري الرجل -أو يبيع- حائطه بتمر كيلًا، أو كرمه بزبيب كيلًا، أو أن يبيع الزرع كيلًا بشيء من الطعام".
حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄- قال: "نهي رسول الله -﵇- عن المحاقلة والمزابنة".
حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، عن سفيان، عن ابن جريج عن عطاء، عن جابر عن النبي -﵇-، مثله، وزاد: "أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة، والمزابنة: أن يبيع الثمر في رءوس النخل بمائة فرق".
[ ١١ / ٥١٥ ]
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، قال: أنا إبراهيم بن ميسرة، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المخابرة والمزابنة والمحاقلة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن حفص، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني سَعْد بن إبراهيم، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المحاقلة والمزابنة. قال والمحاقلة: الشرك في الزرع، والمزابنة: التمر بالتمر في النخل".
فهذه الآثار قد تواترت عن رسول الله -﵇- بالنهي عن بيع الكيل من التمر بالثمر في رءوس النخل، فإن حمل تأويل العرايا على ما ذهب إليه أبو حنيفة كان النهي على عمومه ولم يبطل منه شيء، وإن حمل على ما ذهب إليه مالك بن أنس: خرج منه ما تأول هو العرية عليه، فلا ينبغي أن يخرج شيء من حديث متفق عليه إلا بحديث متفق على تأويله، أو بدلالة أخري متفق عليها، وقد روي أيضًا عن رسول الله - ﷺ - ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع، في النهي عن بيع الرطب بالتمر، فإن حملنا معني العرية على ما قال مالك؛ ضاد ما روي في النهي عن بيع الرطب بالتمر، وإن حملناه على ما قال أبو حنيفة؛ اتفقت معانيها ولم تتضاد، وأولى بنا في صرف وجوه الآثار ومعانيها ما ليس فيه تضاد ولا معارضة سنة بسنة.
فقد ثبت بما ذكرنا في العرايا ما ذهب إليه أبو حنيفة، والله أسأله التوفيق.
ش: أشار بهذا الكلام إلى ترجيح تأويل أبي حنيفة في العرايا على تأويل غيره، بيان ذلك أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت عن النبي -﵇- متواترة -يعني متكاثرة، ولم يرد بها التواتر المصطلح عليه- بالنهي عن بيع الثَّمَر -بالثاء المثلثة وفتح الميم- بالتمر -بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم- فمنها أي من هذه الأحاديث: ما قد مر ذكره في أول هذا الباب، وهو حديث ابن عمر الذي أخرجه من طرق متعددة، وفيه نهي رسول الله -﵇- عن بيع الثمر بالتمر، ومنها ما أخرجه
[ ١١ / ٥١٦ ]
عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمر -﵃- من ستة طرق صحاح:
الأول فيه: عن أبي هريرة وعن ابن عمر كليهما.
أخرجه بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح.
وهو عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة.
وعن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي -﵇-.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة -واللفظ لحرملة- قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر". قال ابن شهاب: وحدثني سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي -﵇-، مثله سواء.
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله بن صالح وراق الليث، عن ليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي -﵇-.
وأخرجه البخاري (٢): من حديث الليث، عن عُقَيل، عن الزهري إلى آخره نحوه.
الثالث: عن محمد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني المَرْوذي -وثقه يحيى- عن حماد بن سلمة إلى آخره.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢/ ١١٦٨ رقم ١٥٣٨).
(٢) "صحيح البخاري" (٢/ ٧٦٣ رقم ٢٠٧٢).
[ ١١ / ٥١٧ ]
وأخرجه الطبراني (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عمر سئل عن رجل قال لرجل: بعني ثمرة أرضك بما كنت تكيل منها، قال ابن عمر: نهى رسول الله -﵇- عن هذا، وهي المزابنة".
الرابع: عن نصر بن مرزوق، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن زكرياء إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، أن عبد الله أخبره: "أن النبي -﵇- نهى عن المزابنة؛ بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع الزرع بالحنطة كيلًا".
الخامس: عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن عون الزيادي مولي آل زياد بن أبي سفيان البصري، وثقة أبو زرعة وابن حبان.
السادس: عن نصر بن مرزوق، عن أبي زرعة المصري المؤذن، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن نافع إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المزابنة؛ أن يبيع ثمر حائطه وإن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله".
قوله: "بمائة فَرَق" بفتح الفاء والراء وفي آخره قاف، وهو مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثني عشر مدًّا وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الفَرَق: خمسة أقساط، والقسط نصف صاع، وأما الفَرْق بالسكون فمائة وعشرون رطلًا.
_________________
(١) "المعجم الكبير" (١٢/ ٤٥٦ رقم ١٣٦٥٢).
(٢) "صحيح مسلم" (٣/ ١١٧١ رقم ١٥٤٣).
(٣) "المجتبى" (٧/ ٢٧٠ رقم ٤٥٤٩).
[ ١١ / ٥١٨ ]
قوله: "عن بيع ثَمَر النخل" بالثاء المثلثة وفتح الميم.
وقوله: "بالتمر" بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الميم.
قوله: "حائطه" أراد بالحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار، ويجمع على حوائط.
ومنها ما أخرجه عن ابن عباس -﵄- بإسناد صحيح، عن محمد بن عمرو بن يونس، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني الكوفي.
وأخرجه البخاري (١) من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله -﵇- عن المحاقلة والمزابنة".
ومنها ما أخرجه عن جابر بن عبد الله -﵄- من طريقتين صحيحين:
الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان ابن عيينة، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن جابر -﵁-.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من طريق الشافعي نحوه، وفيه:
"والمحاقلة: أن يبيع الزرع بمائة فَرَق حنطة، والمزابنة: أن يبيع الثمر في رءوس النخل بمائة فَرَق تمر، والمخابرة كراء الأرض بالثلث والربع".
وأخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة (٣).
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المصري المعروف بابن أبي مريم
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٢/ ٧٦٣ رقم ٢٧٥).
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" (٥/ ٣٠٧ رقم ١٠٤٢٠).
(٣) البخاري (٢/ ٨٣٩ رقم ٢٢٥٢)، ومسلم (٣/ ١١٧٢ رقم ١٥٣٦)، وأبو داود (٢/ ٢٧٣ رقم ٣٣٧٣)، والترمذي (٣/ ٥٨٥ رقم ١٢٩٠)، والنسائي (٧/ ٣٧ رقم ٣٨٧٩)، وابن ماجه (٢/ ٧٦٢ رقم ٢٢٦٦).
[ ١١ / ٥١٩ ]
شيخ البخاري، عن محمد بن مسلم بن سُوسَن الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة الطائفي إلى آخره.
ومنها ما أخرجه عن أبي هريرة بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن حفص الأصبهاني، عن سفيان الثوري، عن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو داود، نا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة" انتهي.
ففي هذه الأحاديث النهي عن بيع الكيل من التمر بالثمر في رءوس الأشجار، فمتى ما حملنا تأويل العرايا على ما ذهب إليه غير أبي حنيفة، منها ما تأوله هؤلاء، فيخرج النهي عن عمومه.
وإذا حملناه على ما ذهب إليه أبو حنيفة، كان النهي على عمومه ولم يبطل منه شيء، ولا شك أن هذا أولى؛ لأن فيه العمل بالعموم، وفيما ذهب إليه غيره إبطال بعض العموم.
وأيضًا فقد روي عن النبي -﵇- النهي عن بيع الرطب بالتمر كما مرت أحاديثه في الباب المعقود لها فيما مضى، فمتى ما حملنا معني العرية على ما قال غير أبي حنيفة؛ يلزم التضاد بين أحاديث النهي عن بيع الرطب بالتمر وبين أحاديث العرايا، وإذا حملناها على ما قال أبو حنيفة لا يلزم من ذلك شيء وتتفق معاني أحاديث البابين.
والأولي بل الواجب صرف وجوه الأحاديث إلى معنى ليس فيه تضاد، ولا معارضة سنة بسنة، فافهم.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٤/ ٥٠٦ رقم ٢٢٥٨٧).
[ ١١ / ٥٢٠ ]
ص: وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أيضًا أنه قال: "خففوا في الصدقات؛ فإن في المال العرية والوصيه".
حدثنا بذلك أبو بكرة قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا جرير بن حازم، قال: سمعت قيس بن سعد يحدث، عن مكحول الشامي، عن رسول الله - ﷺ - بذلك.
فدل ذلك أن العرية إنما هي شيء يُمَلِّكه أرباب الأموال قومًا في حياتهم، كما يملكون الوصايا بعد وفاتهم.
ش: هذه حجة أخري تدل على صحة تأويل أبي حنيفة في العرايا، وهو أن معناها العطايا لا البيع، على ما لا يخفى.
والحديث المذكور مرسل، وإسناده صحيح، وهو حجة عندنا على ما عرف في موضعه.
وأبو بكرة هو بكار القاضي.
وأبو عمر الضرير اسمه: حفص بن عمر المصري، شيخ أبي داود وابن ماجه وقيس بن سعد المكي مولي نافع بن علقمة وثقه أحمد وأبو زرعة.
ص: وحجة أخرى في أن معنى العرية كما قال أبو حنيفة لا كما قال مخالفه:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن عون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله -﵇- نهى البائع والمبتاع عن المزابنة، قال: وقال زيد بن ثابت -﵁-: رخص في العرايا في النخلة والنخلتين توهبان للرجل فيبيعهما بخرصهما تمرًا".
فهذا زيد بن ثابت وهو أحد من روى عن النبي -﵇- الرخصة في العرية، فقد أخبر أنها الهبة.
ش: دلالة هذا الحديث على ما قال أبو حنيفة ظاهرة لا تخفى إلا على المعاند.
[ ١١ / ٥٢١ ]
وأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن عون الزيادي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، كلاهما عن نافع إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال زيد ثابت -﵁-: "رخص رسول الله -﵇- في العرايا؛ النخلة والنخلتين توهبان للرجل، فيبيعهما بخرصهما تمرًا".
قوله: "توهبان" على صيغة المجهول صفة لقوله: "والنخلتين" فافهم.
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٥/ ١١٢ رقم ٤٧٧٠).
[ ١١ / ٥٢٢ ]