ش: أي هذا باب في بيان النفل بعد فراغ الإِمام من قتال العدو، وبعد إحراز الغنيمة.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن سليمان ابن موسى، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة -﵁-: "أن النبي - ﷺ - نفل في بدأته الربع، وفي رجعته الثلث".
ش: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري. وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي الشامي الحمصي، روى له الجماعة سوى مسلم.
وسليمان بن موسى القرشي الأموي أبو الربيع الدمشقي الأشدق، قال أبو حاتم: محله الصدق، وفي بعض حديثه بعض الاضطراب. وقال البخاري: عنده مناكير.
وقال النسائي: أحد الفقهاء وليس بالقوي في الحديث. روى له مسلم في مقدمة كتابه والأربعة.
وزياد بن جارية -بالجيم والياء آخر الحروف بعد الراء- التميمي الدمشقي ويقال: يزيد وزيد أيضًا، وكذا وقع عند ابن ماجه، والصواب زياد، وثقه النسائي. وقال أبو حاتم: شيخ مجهول. روى له أبو داود وابن ماجه.
وحبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري الصحابي -﵁-.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو المغيرة، ثنا سعيد بن عبد العزيز، ثنا سليمان بن موسى، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة قال: "شهدت رسول الله -﵇- نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة".
وأخرجه أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا.
_________________
(١) "مسند أحمد" (٤/ ١٦٠ رقم ١٧٥٠٤).
(٢) "سنن أبي داود" (٢/ ٨٨ رقم ٢٧٤٨).
(٣) "سنن ابن ماجه" (٢/ ٩٥١ رقم ٢٨٥١).
[ ١٢ / ٣١٣ ]
وأراد بالبدأة ابتداء الغزو، وبالرجعة القفول منه، والمعنى: كان إذا نهضت سرية من جملة العسكر المقبل على العدو فأوقعت بهم نفلها الربع مما غنمت، وإذا فعلت ذلك عند عود العسكر نفلها الثلث؛ لأن الكرة الثانية أشق عليهم والخطة فيها أعظم وذلك لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم، وهم في الأول أنشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو، وهم عند القفول أضعف وأفتر وأشهى للرجوع إلى أوطانهم؛ فزادهم لذلك.
ولمَّا أخرج الترمذي (١) حديث عبادة بن الصامت -﵁-: "أن النبي -﵇- كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث"، قال: وفي الباب عن سعد وابن عباس وحبيب بن مسلمة ومعن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع.
وقد أخرج الطحاوي -﵀-: حديث معن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع على ما يجيء.
وأما حديث سعد: فأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد -﵁- قال: "لمَّا كان يوم أحد قتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه؛ وكان سيفًا له ثمن، قال: فجئت به إلى النبي -﵇- وقد قتل أخي عمير قبل ذلك، فقال لي -﵇-: اذهب فاطرحه -يعني في المغانم- قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فدعاني النبي -﵇-، فقال: اذهب فخذ سيفك".
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الطحاوي في الباب السابق من حديث داود، عن عكرمة، عنه.
_________________
(١) سيأتي.
(٢) "مسند البزار" (٤/ ٧٢ رقم ١٢٣٩).
[ ١٢ / ٣١٤ ]
ص: فذهب قومٌ إلى أن للإمام أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها كما كان له قبل ذلك، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب والحسن البصري والأوزاعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: يجوز للإمام أن ينفل من الغنيمة ما شاء بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها كما كان له قبل ذلك، واستدلوا في ذلك بالحديث المذكور.
وقال ابن قدامة: ينفل الإِمام ومن استخلفه الإِمام كما فعل النبي -﵇- في بدأته الربع بعد الخمس، وفي رجعته الثلث بعد الخمس النفل بزيادة تزاد على سهم الغازي، ومنه نفل الصلاة وهو ما زيد على الفرض، والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: هذا الذي ذكره الخرقي، وهو أن الإِمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيًا بعث بين يديه سرية تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء، أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي وذلك خمسٌ آخر، ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه، فإذا قفل بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه ثم أعطى السرية ثلث ما بقي، ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه، وبهذا قال حبيب بن مسلمة والأوزاعي والحسن وجماعة، ويروى عن عمرو بن شعيب أنه قال: "لا نفل بعد رسول الله -﵇-، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث". نصَّ عليه أحمد، وهذا قول مكحول والأوزاعي والجمهور من العلماء.
وقال الشافعي: لا حدّ للنفل، بل هو موكول إلى اجتهاد الإِمام.
القسم الثاني: أن ينفل بعض الجيش لعنائه وبأسه وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.
القسم الثالث: أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا فله كذا، فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري.
[ ١٢ / ٣١٥ ]
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس للإمام أن ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس، فأما من غير الخمس فلا؛ لأن ذلك قد ملكته المقاتلة، فلا سبيل للإمام عليه، وقالوا: قد يحتمل أن يكون ما كان للنبي -﵇- ينفله في الرجعة هو ثلث الخمس بعد الربع الذي كان نفله في البدأة فلا يخرج مما قلنا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا -﵏-، فإنهم قالوا: لا يجوز التنفيل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس.
وقال الجصاص: قال أصحابنا والثوري: لا نفل بعد إحراز الغنيمة، إنما النفل أن يقول: من قتل قتيلًا فله سلبه، ومن أصاب شيئًا فهو له.
وقال الأوزاعي: في رسول الله -﵇- أسوةٌ حسنة؛ كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث.
وقال مالك والشافعي في جواز النفل بعد إحراز الغنيمة نحو أن يقول: من أخذ شيئًا فهو له، ومن قتل قتيلًا فله سلبه.
قوله: "وقالوا: قد يحتمل. . ." إلى آخره، جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى من حديث حبيب بن سلمة.
بيانه أن يقال: استدلالكم بالحديث المذكور غير تام.
لأنه يحتمل أن يكون تنفيل النبي -﵇- في الرجعة هو ثلث الخمس بعد الربع الذي كان نفله في ابتداء الغزو، فحينذٍ يكون الحديث حجة لنا حيث يكون التنفيل بالثلث من الخمس لا من غير الخمس.
وقال الجصاص في تأويل الحديث المذكور: ومعلوم أن ذلك ليس بلفظ عموم في سائر الغنائم وإنما هي حكاية فعل النبي في شيء بعينه، ولم يبين كيفيته، وجائز أن يكون معناه ما ذكره من قوله للسرية في الرجعة: "وجعل لهم في الرجعة أكثر مما جعله لها في البدأة". لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنيمة وإحرازها، ويكون من
[ ١٢ / ٣١٦ ]
يواليهم من الكفار متأهبين مستعدين للقتال؛ لانتشار الخبر بوصول الجيش إلى أرضهم.
والوجه الآخر: أنه جائز أن يكون بعد إحراز الغنيمة، وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي -﵇- فجعلها لمن شاء منهم، وذلك منسوخ بما ذكرنا.
فإن قيل: ذكر في حديث حبيب بن مسلمة: "الثلث بعد الخمس"، فهذا يدل على أن ذلك كان بعد قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١).
قيل له: لا دلالة فيه على ما ذكرت؛ لأنه لم يذكر أن الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١)، وجائز أن يكون ذلك على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين الثلث والنصف، ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا؛ لم يجز الاعتراض به على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾؛ (١) إذ كان قوله ذلك يقتضي إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين، فاقتضى به إيجاب الخمس لأهله كاقتضائه إيجاب الخمس لأهله المذكورين، فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر الآية، فغير جائز أن يجعل شيء منها لغيره على غير مقتضى الآية إلا بما يجوز بمثله تخصيص الآية، والله أعلم.
ص: فقال لهم الآخرون: إن الحديث إنما جاء في أن رسول الله -﵇- كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث، فكما كان الربع الذي كان ينفله في البدأة إنما هو الربع قبل الخمس، فكذلك الثلث الذي كان ينفله في الرجعة هو الثلث أيضًا قبل الخمس وإلا لم يكن لذكر الثلث معنى.
قيل لهم: بل له معنى صحيح؛ وذلك أن المذكور من نفله في البدأة هو الربع مما يجوز له النفل منه، فكذلك نفله في الرجعة هو الثلث مما يجوز له النفل منه وهو الخمس.
_________________
(١) سورة الأنفال، آية: [٤١].
[ ١٢ / ٣١٧ ]
ش: أي قال لأهل المقالة الثانية الآخرون، وهم أهل المقالة الأولى. تقريره: أن هذا منع لما ذكروه من قولهم: قد يحتمل. . . إلى آخره. وهو ظاهر، وكذلك جوابه وهو قوله: "قيل لهم: بل له معنى صحيح. . ." إلى آخره.
ص: قال أهل المقالة الأولى: فقد روي حديث حبيب هذا بلفظ يدل على ما قلنا.
فذكروا ما حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة -﵁-: "أن رسول الله -﵇- كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث بعد الخمس".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة -﵁-: "أن رسول الله -﵇- كان ينفل في الغزو الربيع بعد الخمس، وينفل إذا قفل الثلث بعد الخمس".
حدثنا فهد وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية ابن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة: "أن رسول الله -﵇- كان ينفل في الغزو الربع بعد الخمس".
قالوا: فقد دلَّ ما ذكرنا أن ذلك الثلث الذي كان رسول الله -﵇- ينفله في الرجعة هو الثلث بعد الخمس.
قيل لهم: قد يحتمل هذا أيضًا ما ذكرنا.
ش: لما أول أهل المقالة الثانية حديث حبيب بن مسلمة الذي روي من طريق سليمان بن موسى، عن زياد بن جاري، عنه، بالتأويل المذكور، وهو أنه يحتمل أن يكون تنفيله -﵇- هو ثلث الخمس على ما مرَّ ذكره مستقصىً، عارضهم أهل المقالة الأولى في ذلك، وقالوا: قد روي حديث حبيب بن مسلمة هذا بلفظ آخر يدل على ما قلنا ويرد تأويلكم، وهو ما رواه مكحول الشامي، عن زياد بن جارية، عن حبيب: "أن رسول الله -﵇- كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث بعد الخمس". وقد صرَّح ها هنا أن تنفيله -﵇- الثلث إنما كان بعد الخمس، فأجاب
[ ١٢ / ٣١٨ ]
الطحاوي عن ذلك بقوله: "قيل لهم: قد يحتمل هذا أيضًا ما ذكرنا" يعني يحتمل أن يكون معناه كان ينفل في الرجعة ثلث الخمس بعد إخراج الخمس، والاحتمال المذكور هناك موجود ها هنا، فلا يتم به الاستدلال، بل يكون الحديث على كل حال حجة لنا عليهم، فافهم.
ثم إنه أخرج هذا الحديث ها هنا من ثلاث طرق:
الأول: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان -تكلم فيه بعضهم، ووثقه ابن حبان- عن أبيه ثابت بن ثوبان، عن مكحول، عن زياد بن جارية -بالجيم- عن حبيب.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي، ثنا غسان بن الربيع، ثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة قال: "نفل رسول الله -﵇- الثلث".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن يزيد بن يزيد بن جابر. . . إلى آخره.
والكل ثقات.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر الشامي، عن مكحول، عن زياد بن جارية التميمي، عن حبيب بن مسلمة الفهري أنه قال: "كان رسول الله -﵇- ينفل الثلث بعد الخمس".
وله في رواية أخرى (٣): "كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل".
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٤/ ١٩ رقم ٣٥٢٦).
(٢) "سنن أبي داود" (٢/ ٨٨ رقم ٢٧٤٨).
(٣) "سنن أبي داود" (٢/ ٨٨ رقم ٢٧٤٩).
[ ١٢ / ٣١٩ ]
الثالث: عن فهد بن سليمان وعلي بن عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الله بن صالح ورَّاق الليث، عن معاوية بن صالح بن حدير الحمصي قاضي الأندلس، عن العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي الدمشقي، عن مكحول. . . إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود أيضًا (١): عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول. . . إلى آخره نحوه.
قوله: "إذا قفل" أي رجع، والقفول: الرجوع.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت -﵄- قال: "كان رسول الله - ﷺ - ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث".
قيل لهم: وهذا الحديث أيضًا فقد يحتمل ما احتمله حديث حبيب بن مسلمة الذي أرسله أكثر الناس عن مكحول: "أنه كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث".
وقد يجوز أيضًا أن يكون عبادة عنى بقوله: "وينفلهم إذا قفلوا الثلث" فيكون ذلك على قفول من قتال إلى قتال. فإذا كان ذلك كذلك وكان الثلث المُنْفل هو الثلث قبل الخمس، فذلك جائز عندنا أيضًا؛ لأنه يرجى بذلك صلاح القوم وتحريضهم على قتال عدوهم، فأما إذا كان القتال قد ارتفع فلا يجوز النفل؛ لأنه لا منفعة للمسلمين في ذلك.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى، أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبادة بن الصامت، وقد أخرجه الطحاوي في باب: "الرجل يقتل قتيلًا في دار الحرب" بعين هذا الإسناد، ولكن متن الحديث هناك غير المتن الذي ها هنا.
[ ١٢ / ٣٢٠ ]
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت: "أن النبي -﵇- كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث".
قال أبو عيسى: حديث عبادة حديث حسن [صحيح] (٢).
وقد روي هذا الحديث عن أبي سلام، عن رجل من أصحاب النبي -﵇-.
قال البخاري: لا يصح حديث سليمان بن موسى، إنما رواه داود بن عمرو عن أبي سلام عن النبي -﵇-، وسليمان بن موسى منكر الحديث، أنا لا أروي عنه شيئًا.
قوله: "بادين" نصب على الحال من الضمير المرفوع في قوله: "إذا خرجوا".
قوله: "إذا قفلوا" أي إذا رجعوا.
قوله: "قيل لهم. . ." إلى آخره، جواب عن الحديث المذكور.
قوله: "الذي أرسله أكثر الناس" أي أكثر الحُفَّاظ أرسلوا حديث حبيب بن مسلمة، منهم أبو أحمد الزبيري.
أخرجه البيهقي من طريقه (٣): عن سعيد، عن سليمان، عن مكحول: "أن رسول الله -﵇- نفل في مبدئه الربع، فلما قفل نفل الثلث".
قوله: "وقد يجوز أيضًا. . ." إلى آخره، جواب آخر عن حديث عبادة -﵁-، وهو ظاهر.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عُمر وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قالا: ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤/ ١٣٠ رقم ١٥٦١).
(٢) كذا في "الأصل، ك "، وليس في النسخة المطبوعة من "جامع الترمذي".
(٣) "سنن البيهقي الكبرى" (٦/ ٣١٣ رقم ١٢٥٨٣).
[ ١٢ / ٣٢١ ]
ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: "لما قربنا من المشركين أمرنا أبو بكر -﵁- فشننا الغارة عليهم، فنفلني أبو بكر -﵁- امرأةً من فزارة أتيت بها من الغارة، فقدمت بها المدينة، فاستوهبها مني رسول الله -﵇- فوهبتها له، فبعث بها رسول الله -﵇- ففادى بها أناسًا من المسلمين".
فكان من الحجة للآخرين عليهم: أنه لم يذكر في ذلك الحديث أن أبا بكر -﵁- كان نفل سلمة قبل انقطاع الحرب أو بعد انقطاعها، فلا حجة في ذلك.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث سلمة بن الأكوع؛ فإنه ذكر فيه أن أبا بكر -﵁- نفله امرأةً من السبي، فهذا يدل على جواز التنفيل بعد الفراغ من قتال العدو وبعد إحراز الغنيمة.
وأخرجه الطحاوي في الباب الأول من كتاب السير بعين هذا الإسناد مقتصرًا على حكم شنِّ الغارة، وأخرج ها هنا طرفًا منه.
وأخرجه مسلم بتمامه (١)، وقد ذكرناه هناك.
قوله: "فشننا الغارة"، أي فرقنا عليهم من جميع جهاتهم، والغارة اسم من الإغارة.
قوله: "ففادى بها أناسًا" من المفاداة، قال الجوهري: يقال: فداه وفاداه: إذا أعطى فداءه وأنقذه.
وقال ابن الأثير: الفِدَاء -بالكسر والمد والفتح مع القصر-: فكاك الأسير، يقال: فداه يفديه، فداء وفدى، وفاداه يفاديه مفاداة: إذا أعطى فداءه وأنقذه وفداه بنفسه.
قلت: يقال: فداه: إذا أعطى المال وخلص الأسير، وأفداه: إذا دفع الأسير وأخذ المال، وفاداه: إذا أعطى الأسير وأخذ عوضه الأسير.
_________________
(١) تقدم.
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
قوله: "فكان من الحجة للآخرين عليهم" أي فكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى، وأراد بها جواب عما قالوا.
تقريره: أن الاستدلال بحديث سلمة بن الأكوع لما ذهبوا إليه غير صحيح؛ لأنه لم يبيِّن فيه أن أبا بكر -﵁- كان نفل سلمة بعد انقطاع الحرب وبعد إحراز الغنيمة، ولا بيَّن فيه أيضًا أن كان قبل ذلك، فبطل الاستدلال به.
ص: واحتجوا لقولهم أيضًا بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا المبارك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-: "أن رسول الله -﵇- بعث سرية فيها ابن عمر -﵄- فغنموا غنائم كثيرة، فكانت غنائمهم لكل إنسان اثني عشر بعيرًا، ونفل كل إنسان منهم بعيرًا بعيرًا سوى ذلك".
قالوا: فهذا ابن عمر يخبر أنهم قد نفلوا بعد سهامهم بعيرًا بعيرًا، فلم ينكر ذلك النبي -﵇-.
قيل لهم: ما لكم في هذا الحديث من حجة، وهو إلى الحجة عليكم أقرب منه إلى الحجة لكم؛ لأن فيه: "فبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا"، ففي ذلك دليل أن ما نفلوا منه ما نفلوا من ذلك كان من غير ما كانت فيه سهمانهم وهو الخُمس، فلا حجة لكم بهذا الحديث في النفل من غير الخمس.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر -﵄-.
أخرجه بإسناد صحيح.
والمبارك هو ابن فضالة.
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
وأخرجه البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله -﵇- بعث سريةً فيها عبد الله قبل نجد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا -أو أحد عشر بعيرًا- ونفلوا بعيرًا بعيرًا".
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "بعث النبي -﵇- سرية وأنا فيهم قِبَل نجد، فغنموا إبلًا كثيرةً، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا -أو أحد عشر بعيرًا- ونفلوا بعيرًا بعيرًا".
وأخرجه أبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك.
وعن القعنبي وابن موهب كلاهما، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله -﵇- بعث سريةً فيها عبد الله بن عمر قِبَل نجد. . ." الحديث.
قوله: "قالوا" أي قال أهل المقالة الأولى، وأشار إلى بيان وجه استدلالهم بالحديث المذكور، وأجاب عنه بقوله: "قيل لهم. . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
وقال أبو عمر: في الحديث من الفقه: إرسال السرايا إلى أرض العدو، وذلك عند العلماء مردود إلى إذن الإِمام واجتهاده على قدر ما يعلم من قوة العدو وضعفه.
وفيه: أن ما يحصل عليه المسلمون ويعيدونه من أموال العدو يسمى غنيمة.
وفيه: أن للإمام والأمير على الجيش أن ينفل من الغنائم ما شاء على قدر اجتهاده.
وفيه: أن ما غنمه المسلمون من أموال المشركين يقسم بينهم بعد إخراج خمسه.
ص: فلما لم يكن في شيء مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم من الآثار ما يجب به ما قالوا، أردنا أن ننظر فيما احتج به أهل المقالة الأخرى لقولهم من الآثار أيضًا، فنظرنا في ذلك.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٣/ ١١٤١ رقم ٢٩٦٥).
(٢) "صحيح مسلم" (٣/ ١٣٦٨ رقم ١٧٤٩).
(٣) "سنن أبي داود" (٢/ ٨٧ رقم ٢٧٤٤).
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت -﵄-: "أن رسول الله -﵇- أخذ يوم حنين وبرةً من جنب بعير، ثم قال: يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخُمس، والخُمس مردودٌ فيكم، فأدوا الخيط والمخيط، وكان رسول الله -﵇- يكره الأنفال، وقال: ليَرُدَّ قوي المؤمنين على ضعفيهم".
أفلا ترى أن رسول الله -﵇- قال: "لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخُمس"؟ فدلَّ ذلك أن ما سوى الخُمس من الغنائم للمقاتلة لا حكم للإمام في ذلك، ثم كره رسول الله -﵇- الأنفال، وقال: "ليَرُدَّ قوي المؤمنين على ضعيفهم"، أي لا يفضل أحد من أقوياء المؤمنين مما أفاء الله عليهم لقوته على ضعيفهم لضعفه، ويستوون في ذلك، واستحال أيضًا أن يكون رسول الله -﵇- نفل من الأنفال ما كان يكره، فكان النفل الذي ليس بمكروه هو النفل من الخُمس.
فثبت بذلك أن ما كان رسول الله -﵇- نفله ما رواه عبادة عنه في هذا الحديث هو من الخُمس.
ش: لما انتفت صحة استدلال أهل المقالة الأولى بالأحاديث المذكورة لما ذهبوا إليه، ولم يكن لهم دليل فيها على الوجه المذكور.
أشار إلى بيان ما احتجت به أهل المقالة الثانية من الأحاديث على وجه الصحة، فمنها حديث عبادة بن الصامت، أخرجه في هذا الباب عن قريب بعين هؤلاء الرواة عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان -فيه مقال- عن سليمان بن موسى، عن مكحول الشامي، عن أبي سلام ممطور الحبشي، عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي الصحابي -﵁-.
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
وأخرجه النسائي (١): أخبرني عمرو بن يحيى بن الحارث، نا محبوب -يعني ابن موسى-[قال: أنبأنا أبو إسحاق -وهو الفزاري، عن عبد الرحمن بن عياش، عن سليمان بن موسى] (٢) عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت -﵄- قال: "أخذ رسول الله -﵇- يوم حنين وبرةً من جنب بعير، فقال: يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخُمس، والخُمس مردود عليكم".
وأخرجه أحمد بوجوه كثيرة، منها (٣): ما رواه عن معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق -يعني الفزاري- عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، عن النبي -﵇- قال: "أدوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول، وإنه عار على أهله يوم القيامة".
قوله: "وَبَرَة" بالفتحات، قال الجوهري: الَوبَر للبعير -بالتحريك- الواحدة وبرة.
قوله: "مما أفاء الله عليكم من الفيء" وهو الغنيمة.
قال الجوهري: الفيء: الخراج والغنيمة، تقول منه: أَفَاءَ الله على المسلمين مال الكفار يُفيء إفاءة.
قوله: "والمخيط" بكسر الميم: الإبرة، وفي رواية "أدوا الخياط والمخيط" الخياط هو الخيط.
وهذا الحديث يدل على أن ما سوى الخمس من الغنائم للمقاتلة، ولا حكم للإمام فيه، فإذا كان كذلك فلا يجوز التنفيل منه، فافهم.
_________________
(١) "المجتبى" (٧/ ١٣١ رقم ٤١٣٨).
(٢) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "المجتبى".
(٣) "مسند أحمد" (٥/ ٣١٨ رقم ٢٢٧٦٦).
[ ١٢ / ٣٢٦ ]
ص: وقد روي عن رسول الله -﵇- أيضًا ما يدل على صحة هذا المذهب:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية، عن معن بن يزيد السلمي، قال: سمعت رسول الله -﵇- يقول: "لا نَفْل إلا بعد الخمس"، ومعنى قوله: "إلا بعد الخمس" عندنا -والله أعلم- أي حتى يقسم الخمس، فإذا قسم الخمس انفرد حق المقاتلة وهو أربعة أخماس، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإِمام من بعد أن أثر أن يفعل ذلك من الخُمس لا من أربعة الأخماس التي هي حق المقاتلة.
ش: أي قد روي أيضًا عن النبي -﵇- ما يدل على صحة مذهب أهل المقالة الثانية، وهو حديث معن بن يزيد بن الأخنس السلمي، له ولأبيه ولجده صحبة.
أخرجه بإسناد صحيح: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سهل بن بكار بن بشر الدارمي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة عن عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن أبي الجويرية الجرمي -واسمه حطان بن خفاف- وثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة، وروى له البخاري وأبو داود والنسائي.
عن معن بن يزيد -﵁-.
وأخرجه البيهقي (١) بأتم منه: من حديث أبي عوانة، عن عاصم بن كليب، حدثني أبو الجويرية قال: "وجدت جرة خضراء في إمارة معاوية -﵁- في أرض العدو وعلينا رجل من أصحاب النبي -﵇- من بني سليم يقال له: معن بن يزيد، فأتيته بها، فقسمها بين الناس وأعطاني مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله -﵇- يقول ورأيته يفعل، سمعت رسول الله -﵇- يقول: لا نفل إلا بعد الخُمس لأعطينك، وأخذ يعرض عليَّ من نصيبه، فأبيت وقلت: ما أنا بأحق به منك".
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" (٦/ ٣١٤ رقم ١٢٥٨٩).
[ ١٢ / ٣٢٧ ]
ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: "أن أنس بن مالك -﵁- كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في غزاة غزاها فأصابوا سبيًا، فأراد عبيد الله أن يعطي أنسًا من السبي قبل أن يقسم، فقال أنس: لا، ولكن اقسم ثم أعطني من الخُمس، قال: فقال عبيد الله: لا، إلا من جميع الغنائم، فأبى أنس أن يقبل منه، وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخُمس شيئًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن كهمس بن الحسن، عن محمد بن سيرين، عن أنس نحوه.
فهذا أنس لم يقبل النفل إلا من الخمس.
ش: أي: وقد دلَّ على ما ذكرنا من أن النفل لا يكون إلاَّ من الخُمس حديث أنس -﵁-.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين. . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مختصرًا: ثنا أبو أسامة، عن ابن عون، عن محمد قال: "بعث إلي أنس -﵁- بشيء قبل أن تقسم الغنائم، فقال: لا، وأبى حتى تقسم".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن كهمس بن الحسن التميمي البصري، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٦/ ٥٠٠ رقم ٣٣٢٩٢).
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة (١)، ولكن في روايته عبيد الله بن زياد موضع عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، كان عبيد الله بن أبي بكرة والي زياد بن أبي سفيان، ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وقال: يروي عن أبيه، عداده في أهل البصرة، روى عن أهلها.
قلت: أبو بكرة اسمه نفيع الصحابي -﵁-.
وقال ابن أبي شيبة (١): أنا ابن إدريس، عن كهمس، عن ابن سيرين قال: "غزا أنس بن مالك مع عبيد الله بن زياد، قال: فأعطاه ثلاثين رأسًا من سبي الجاهلية، قال: فسأله أنس أن يجعلها من الخُمس فأبى أن يقبلها".
ص: وقد روى مثل ذلك أيضًا عن جبلة بن عمرو:
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار: "أنهم كانوا مع معاوية بعد حديج في غزوة المغرب، فنفل الناس، ومعنا أصحاب النبي -﵇- فلم يردوا ذلك غير جبلة بن عمرو".
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، قال: "سألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو، فقال: لم أر أحدًا صنعه غير ابن حديج؛ نفلنا بأفريقية النصف بعد الخُمس ومعنا من أصحاب النبي -﵇- من المهاجرين الأولين أناس كثير، فأبى جبلة بن عمرو أن ياخد منها شيئًا".
ش: أي وقد روي مثل ما ذكرنا أن النفل لا يكون إلا من الخُمس عن جبلة بن عمرو الأنصاري الصحابي أخو أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري -﵄-، أخرجه من طريقين فيهما عبد الله بن لهيعة المصري، فيه مقال.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٦/ ٥٠٠ رقم ٣٣٢٩٦).
[ ١٢ / ٣٢٩ ]
وسليمان بن يسار الهلالي أبو أيوب المدني مولى ميمونة زوج النبي -﵇-، أخو عطاء بن يسار، روى له الجماعة.
ومعاوية بن حُديج -بضم الحاء المهملة وفي آخره جيم- التجيبي أبو نعيم الكندي الخولاني المصري له صحبة، وقيل: لا صحبة له. والأول أصح، ولي الإمرة على غزو المغرب سنة أربع وثلاثين وسنة أربعين وسنة خمسين.
وخالد بن أبي عمران التجيبي أبو عمر التونسي قاضي إفريقية، واسم أبي عمران زيد، قال ابن يونس: كان فقيه أهل المغرب ومفتي أهل مصر والمغرب، وكان يقال: إنه مستجاب الدعوة. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
والأثر أخرجه ابن يونس في ترجمة جبلة بن عمرو معلقًا، وقال: وحديثه رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن الأشج، قال: "سألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو، فقال: نفلنا معاوية بن حُديج بإفريقية، فأبى جبلة بن عمرو الساعدي صاحب النبي -﵇- أن يأخذ من ذلك شيئًا".
قلت: غزوة معاوية بن حُديج إفريقية سنة أربع وثلاثين، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: ففي هذا الحديث أن أصحاب رسول الله -﵇- سوى جبلة بن عمرو قد قبلوا.
قيل له: صدقت، ونحن فلم ننكر أن الناس قد اختلفوا في ذلك، فمنهم من أجاز للإمام النفل قبل الخُمس، ومنهم من لم يجزه، وأن أصحاب رسول الله -﵇- قد كانوا في ذلك مختلفين، وإنما أردنا بما روينا عن أنس وجبلة أن نخبر أن قولنا هذا قد تَقَدَمَنَا فيه من ذكرنا من أصحاب رسول الله -﵇-.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إن التنفيل بعد الفراغ من القتال وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز، وقد جاء في حديث جبلة بن عمرو: أن أصحاب
[ ١٢ / ٣٣٠ ]
رسول الله -﵇- غير جبلة قد قبلوا نفل معاوية بن حُديج، فدلَّ أن التنفيل بعد فراغ القتال وإحراز الغنيمة جائز، وهذا يرد ما قلتم.
والجواب عنه ظاهر.
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن سعد بن أبي وقاص -﵁- في هذا.
فذكر ما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن رجل من قومه يقال له: شبر بن علقمة، قال: "بارزت رجلًا يوم القادسية فقتلته، فبلغ سلبه اثني عشر ألفًا، فنفلنيه سعد بن أبي وقاص -﵁-".
قيل له: قد يجوز أن يكون سعد نفله ذلك والقتال لم يرتفع، فإذا كان كذلك فهذا قولنا أيضًا، وان كان إنما نفله بعد ارتفاع القتال فقد يجوز أن يكون جعل ذلك من الخُمس، فإن كان جعله من غير الخُمس فهذا فيه الذي ذكرنا من الاختلاف، فلم يكن في هذا الحديث لأحد الفريقين حجة؛ إذ كان قد يحتمل ما قد صرفه إليه مخالفه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: قد ورد عن سعد بن أبي وقاص -﵁- في هذا الباب ما ينافي ما ذكرتم مما ذهبتم إليه.
أخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس العبدي روى له الجماعة، عن شِبر -بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة، وفي آخره راء- بن علقمة العبدي الكوفي -وثقه ابن حبان.
قوله: "يوم القادسية" -بالقاف- وكان في سنة أربع عشرة من الهجرة، وكان أمير القوم يومئذٍ سعد بن أبي وقاص -﵁-.
و"القادسية": بلدة ذات نخيل ومياه في أرض العراق، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخًا.
قوله: "إذ كان" كلمة "إذْ" للتعليل.
[ ١٢ / ٣٣١ ]
ص: ووجب بعد ذلك أن نكشف وجه هذا الباب لنعلم كيف حكمه من طريق النظر، فكان الأصل في ذلك أن الإِمام إذا قال في حال القتال: "من قتل قتيلًا فله سلبه" أن ذلك جائز، ولو قال: "من قتل قتيلًا فله كذا وكذا درهمًا" كان ذلك جائز أيضًا، ولو قال: "من قتل قتيلًا فله عُشْر ما أصبنا" لم يجز ذلك؛ لأن هذا لو جاز جاز أن تكون الغنيمة كلها للمقاتلين فيبطل حق الله -﷿- فيها من الخُمس، فكان النفل لا يكون قبل القتال إلا فيما أصابه المُنَفَّل بسيفه، ولا يجوز فيما أصاب غيره إلا أن يكون حكمه حكم الإجارة فيجوز ذلك كما تجوز الإجارة، كقوله: من قتل قتيلًا فله عشرة دراهم، فذلك جائز.
فلما كان ما ذكرنا كذلك ولم يجز النفل إلا فيما أصاب المُنَفَّل بسيفه أو فيما جُعل له بعمله، ولم يجز أن يُنَفَّل مما أصاب غيره؛ كان النظر على ذلك أيضًا أن يكون بعد إحراز الغنيمة أحرى أن لا يجوز أن ينفل مما أصاب غيره.
ففسد بذلك قول من أجاز النفل بعد إحراز الغنيمة، ورجعنا إلى حكم ما أصابه هو، فكان ذلك قبل أن يُنَفِّله الإِمام إياه قد وجب حق الله -﷿- في خُمسه، وحق المقاتلة في أربعة أخماسه، فلو أجزنا النفل إذًا لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه، وإنما يجوز النفل فيما يدخل في ملك المُنَفَّل من ملك العدو، فأما ما قد زال عن ملك العدو وصار في ملك المسلمين، فلا نفل في ذلك؛ لأنه من مال المسلمين، فثبت بذلك أن لا نفل بعد إحراز الغنيمة على ما قد فصَّلنا في هذا الباب وبيَّنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -﵏-.
ش: أي وجب بعد بيان المذاهب بالأحاديث والآثار؛ أن نكشف وجه هذا الباب، أي باب النفل لنعلم حكمه من طريق النظر والقياس، وشرَع يُبيِّن ذلك بقوله: "فكان الأصل في ذلك. . . " إلى آخره، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى زيادة بيان.
قوله: "إلا فيما أصابه المنفَّل" بفتح الفاء المشددة، وهو الرجل الذي عين له النفل.
قوله: "فثبت بذلك" نتيجة القياس.
[ ١٢ / ٣٣٢ ]