ش: أي هذا باب في بيان سهم ذوي القربى، والسهم: النصيب.
وذوو القربى: أقرباء النبي -﵇-.
واختلف العلماء في ذلك، فقال أصحابنا: قرابة النبي -﵇- الذين تحرم عليهم الصدقة ذوو أقربائه وآله، وهم آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب.
وروي نحو ذلك عن زيد بن أرقم.
وقال آخرون: بنو المطلب داخلون فيهم؛ لأن النبي -﵇- أعطاهم من الخمس، وقال بعضهم: قريش كلها من أقرباء النبي -﵇- الذين لهم سهم من الخمس، إلا أن للنبي -﵇- أن يعطيه من رأى منهم.
وبه قال الأصبغ به فرج، وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، يحدث عن علي بن أبي طالب -﵁-: "أن فاطمة أتت رسول الله - ﷺ - تشكو إليه أثر الرحا في يدها، وبلغها أن النبي -﵇- أتاه شيء، فأتته تسأله خادمًا، فلم تلقه، ولقيتها عائشة -﵂-، فاخبرتها الحديث، فلما جاء النبي -﵇- أخبرته بذلك، قال: فأتانا رسول الله -﵇- وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ تكبرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدًا ثلاثًا وثلاثين إذا أخذتما مضاجعكما؛ فإنه خير لكما من خادم".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وعبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي.
[ ١٢ / ٢٨٥ ]
والحكم هو ابن عتيبة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن علي -﵁-: "أن فاطمة -﵂- شكت ما تلقى في يدها من الرحى، فأتت النبي -﵇- تسأله خادمًا فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت أقوم، فقال: مكانك، فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا ثلاثًا وثلاثين، وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم".
وعن شعبة، عن خالد، عن ابن سيرين قال: التسبيح أربع وثلاثون.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا ابن مثنى وابن بشار واللفظ لابن مثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: أنا علي -﵁-: "أن فاطمة -﵂- اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وأتي النبي -﵇- بسبي فانطلقت فلم تجده، ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي -﵇- أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي -﵇- إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال النبي -﵇-: على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري، وقال: ألا أخبركما خيرًا مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما أن تكبرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم".
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، وثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن شعبة -المعنى- عن الحكم، عن ابن أبي ليلى -قال مسدد-: ثنا علي -﵁- قال: "شكت فاطمة -﵂- إلى النبي -﵇- ما تلقى في يدها من الرحى فأتي بسبي،
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ٢٣٢٩ رقم ٥٩٥٩).
(٢) "صحيح مسلم" (٤/ ٢٠٩١ رقم ٢٧٢٧).
(٣) "سنن أبي داود" (٤/ ٣١٥ رقم ٥٠٦٢).
[ ١٢ / ٢٨٦ ]
فأتته تسأله فلم تره، فأخبرت بذاك عائشة، فلما جاء النبي -﵇- أخبرته، فأتانا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: على مكانكم، فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم".
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (١): عن قتيبة، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي -﵁-.
وعن (٢) أحمد بن سليمان، عن يزيد، ثنا العوام، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى في معناه.
قوله: "تسأله خادمًا" الخادم: واحد الخدم غلامًا كان أو جارية؛ لأنه خرج عن عدا الاشتقاق، ودخل في حكم الأسماء كالحائض والعاتق.
قوله: "وقد أخذنا مضاجعنا" أي دخلنا في فراشنا للنوم.
قوله: "تكبرا الله أربعًا وثلاثين" أي تقولان: الله أكبر -أربعًا وثلاثين مرة- وتقولان: سبحان الله -ثلاثًا وثلاثين مرة- وتقولان: الحمد لله -ثلاثًا وثلاثين مرة- فتصير الجملة مائة مرة.
وفي رواية البخاري: كل واحدة من هذه تقال ثلاثًا وثلاثين مرة، فتصير الجملة تسعة وتسعين. وفي رواية ابن سيرين: التسبيح يقال أربعًا وثلاثين والتكبير ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين.
قوله: "فإنه خير لكما من خادم" أي قال: هذا القول خير لكما من خادم، معناه أنكما تتقويان بالذكر وتستغنيان عن الخادم.
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٦/ ٢٠٣ رقم ١٠٦٥٠).
(٢) "السنن الكبرى" (٦/ ٢٠٤ رقم ١٠٦٥١).
[ ١٢ / ٢٨٧ ]
ويستفاد من أحكام:
الأول: احتجت به طائفة على أن ذوي قرابة رسول الله - ﷺ - لا سهم لهم في الخمس معلوم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الثاني: فيه بيان فضيلة هذا الذكر.
الثالث: استدلت به طائفة على وجوب الخدمة على الزوجة مثل الطبخ والخبز وغسل الثياب ونحو ذلك، وإن كانت الزوجة من بنات الأشراف، وعندنا ليس عليها ذلك، وإنما كانت خدمة فاطمة -﵂- على وجه البر والإحسان لا على وجه الإلزام، فإذا قامت الزوجة بذلك على وجه المروءة والفضل فلها ذلك، ولا إجبار عليها بذلك. وأفتى بعض مشايخنا بالعرف.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي -﵁-: "أنه قال لفاطمة -﵂- ذات يوم: قد جاء الله أباك بسعة ورقيق فأتيه فاستخدميه، فأتته فدكرت ذلك له، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصُفَّة تطوى بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعها وأنفق عليهم، ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ علمنيه جبريل -﵇-: كبرا في دبر كل صلاة عشرًا وسبحا عشرًا واحمدا عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما. . ." ثم ذكر مثل ما في حديث سليمان.
ش: هذا وجه آخر، وطريقه صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، ثنا حماد، أنا عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي -﵁-: "أن رسول الله - ﷺ - لما زوجه فاطمة بعث معه بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحائين وسقاء وجرتين، فقال علي -﵁- لفاطمة -﵂- ذات يوم: والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، قال: وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي -﵇- فقال:
_________________
(١) "مسند أحمد" (١/ ١٠٦ رقم ٨٣٨).
[ ١٢ / ٢٨٨ ]
ما جاء بك أي بنية؟ فقالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعًا، فقال علي -﵁-: يا رسول الله، والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة -﵂-: قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة، فأخدمنا، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم، فرجعا، فأتاهما النبي -﵇- وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رءوسها تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامها تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، فقال: كلمات علمنيهن جبريل -﵇-، فقال: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا وتحمدان عشرًا وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبرا أربعًا وثلاثين، قال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله -﵇-، قال: فقال له ابن الكواك: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين".
قوله: "بسَعَة" السعة بفتحتين الجدة والطاقة، وأراد بها المال.
قوله: "تطوى بطونهم" يقال: طَوِيَ من الجوع يَطْوَى طوى، فهو طاوٍ: أي خالي البطن جائع لم يأكل، وطَوَى يَطْوِي إذا تعمد ذلك.
قال الجوهري: الطَّوَى الجوع، يقال: طَويَ -بالكسر- يَطْوِي طوًى فهو طاوٍ ووطيًّان، وطَوَى -بالفتح- يَطْوِي طيًّا إذا تعمد لذلك.
قوله: "لقد سنوت" أي استقيت، ومنه السانية، وهي الناقة التي يستقى عليها.
قوله: "حتى مجلت يداي" يقال: مَجَلت يده تَمْجُل مَجْلًا ومَجِلَت تَمْجَلُ مَجَلًا إذا ثَخنُ جلدها وتَعَجَّر وظهر منها ما يشبه البثر من العمل في الأشياء الصلبة الخشنة.
و"القطيفة" كساء له خمل.
[ ١٢ / ٢٨٩ ]
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا زيد ابن الحباب، قال: حدثني عياش بن عقبة، قال: حدثنى الفضل بن حسن بن عمرو، عن ابن أم الحكم، أن أمه حدثته: "أنها ذهبت هي وأختها حتى دخلتا على فاطمة -﵂-، فخرجن جميعًا فأتين رسول الله -﵇- وقد أقبل من بعض مغازيه ومعه رقيق، فسألته أن يخدمهن، فقال رسول الله -﵇-: سبقكن يتامى أهل بدر".
ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي.
ومحمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.
وزيد بن الحباب بن زياد العكلي الكوفي روى له الجماعة سوى البخاري.
وعياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- بن عقبة بن كليب الحضرمي المصري أمير مصر لأبي جعفر، قال الدارقطني: ليس به بأس، روى له أبو داود والنسائي.
والفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري المدني نزيل مصر، وثقه ابن حبان.
وابن أم الحكم، أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب، على ما نذكره.
وهذا كما رأيت الفضل بن حسن يروي عن ابن أم الحكم، ووقع في بعض النسخ: عن أم الحكم، بدون الابن. وكذا وقع بالوجهين في "سنن أبي داود"، ولكن الصواب: عن ابن أم الحكم، وكذا ذكر ابن عساكر في "الأطراف"، وقال: أخرج أبو داود، عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن عياش بن عقبة الحضرمي، عن الفضل بن الحسن الضمري، أنا ابن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير حدثه عن إحداهما.
[ ١٢ / ٢٩٠ ]
وكذا أخرج الطبراني في "معجمه" (١): من طريق ابن أبي شيبة، وقال: الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية، عن ابن أم الحكم على ما نذكره.
وكذا وقع في رواية أبي يعلى الموصلي، ووقع في رواية أبي سعيد بن يونس في ترجمة الفضل بن حسن: عن أم الحكم -بدون ذكر الابن- على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وأم الحكم هي بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشية بنت عم النبي -﵇-، ويقال لها أم الحكيم أيضًا، قيل: اسمها عاتكة، وقيل: صفية، وقيل ضباعة.
قال خليفة بن خياط: حدثني غير واحد من بني هاشم أنهم لا يعرفون للزبير ابنة غير ضباعة، وقال: ضباعة هي أم حكيم، قال الحافظ أبو قاسم: هذا وهم؛ فقد ذكر الزبير بن بكار للزبير ابنتين: ضباعة وأم حكيم، وذكر أن أم حكيم كانت تحت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وولده منها، وضباعة كانت تحت المقداد.
قوله: "ذهبت هي وأختها" أختها هي ضباعة بنت الزبير -﵃-.
والحديث أخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: ثنا عياش بن عقبة الحضرمي، عن الفضل بن حسن الضمري، أن ابن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير، حدثه عن إحداهما أنها قالت: "أصاب رسول الله -﵇- سبيًا، فذهبت أنا وأختي وفاطمة بنت رسول الله -﵇- إلى النبي -﵇- فشكونا إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من النبي، فقال رسول الله -﵇-: سبقكن يتامى بدر. . ." ثم ذكر قصة التسبيح.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب،
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٢٥/ ١٣٨ رقم ٣٣٣) من طريق علي بن المديني، ثنا زيد بن الحباب، عن عياش ابن عقبة، حدثني الفضل بن الحسن بن أمية، به.
(٢) "سنن أبي داود" (٢/ ١٦٦ رقم ٢٩٨٧).
[ ١٢ / ٢٩١ ]
حدثني عياش بن عقبة، حدثني الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري، حدثني ابن أم الحكم، قال: حدثتني أمي أم الحكم: "أن رسول الله -﵇- قدم من بعض غزواته وقد أصاب رقيقًا، فذهبت هي وأختها حتى دخلتا على فاطمة -﵂-، فذهبن إلى النبي -﵇- يسألنه أن يخدمهن وشكين إليه الحاجة، فقال: لا، لقد سبقكن يتامى أهل بدر".
وأخرجه ابن يونس في "تاريخه": ثنا أحمد بن أبي عمر المعافري، ثنا محمد بن سلمة المرادي، ثنا ابن وهب، عن عياش بن عقبة، أن الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري، ثنا أن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب حدثته إحداهما أنها قالت: "أصاب رسول الله -﵇- سبايا، فذهبت أنا وفاطمة ابنة النبي -﵇- نشكو إليه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من ذلك السبي، فقال رسول الله -﵇-: سبقكن بها يتامى أهل بدر، ولكن أدلكن على ما هو خير لَكُنَّ من ذلك: تكبرن الله -﷿- على أثر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تكبيرة وثلاثًا وثلاثون تسبيحة وثلاثًا وثلاثون تحميدة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلى أن ذوي قرابة رسول الله -﵇- لا سهم لهم في الخمس معلوم، ولا حظّ لهم منه خلاف حظ غيرهم.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن بن محمد بن الحنفية والحسن البصري ومحمد بن إسحاق وآخرين، فإنهم قالوا: لا حظ لقرابة رسول الله -﵇- من الخمس معلومًا، ولا نصيب لهم خلاف نصيب غيرهم.
ص: قالوا: إنما جعل الله -﷿- لهم ما جعل من ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، وبقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ
_________________
(١) سورة الأنفال، آية: [٤١].
[ ١٢ / ٢٩٢ ]
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) لحال فقرهم وحاجتهم، فأدخلهم مع الفقراء والمساكين، فكما يخرج الفقير واليتيم والمسكين من ذلك لخروجهم من المعنى الذي به استحقوا ما استحقوا من ذلك، فكذلك ذووا قرابة رسول الله -﵇- المضمومون معهم إنما كانوا ضُمُّوا معهم لفقرهم، فإذا استغنوا خرجوا من ذلك.
وقالوا: لو كان لقرابة رسول الله -﵇- في ذلك حظ لكانت فاطمة بنت رسول الله -﵇- منهم، إذ كانت أقربهم إليه نسبًا وأمسهم به رحمًا، فلم يجعل لها حظًّا في السَّبْي الذي ذكرنا فيخدمها خادمًا ولكنه وكلها إلى ذكر الله -﷿-؛ لأن ما تأخذه من ذلك إنما حكمها فيه حكم المسكين فيما يأخد من الصدقة، فرأى أن تركها ذلك والإقبال على ذكر الله وتسبيحه وتهليله خيرًا لها من ذلك وأفضل.
وقد قسم أبو بكر وعمر -﵁- بعد وفاة رسول الله -﵇- جميع الخمس فلم يريا لقرابة رسول الله -﵇- في ذلك حقًّا خلاف حق سائر المسلمين، فثبت بذلك أن هذا هو الحكم عندهما، وثبت [إذ] (٢) لم ينكره عليهما أحد من أصحاب رسول الله -﵇-، ولم يخالفهما فيه؛ أن ذلك كان رأيهم فيه أيضًا.
وإذا ثبت الإجماع في ذلك من أبي بكر وعمرو من جميع أصحاب رسول الله -﵇-؛ ثبت القول به، ووجب العمل به وترك خلافه.
ش: أي قال هؤلاء القوم، وأشار به إلى بيان حجة هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر.
قوله: "لحال فقرهم" متعلق بقوله: "إنما جعل الله لهم ما جعل".
قوله: "إنما كانوا ضُمُّوا" على بناء المجهول.
قوله: "إذ كانت" تعليل لما قبله.
_________________
(١) سورة الحشر، آية: [٧].
(٢) في "الأصل، ك": "أنه"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
[ ١٢ / ٢٩٣ ]
قوله: "ولكنه وَكَلَها" بتخفيف الكاف، يقال: وَكَلْتُ أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، وأما وكّلته -بالتشديد- فمعناه استكفيته أمره ثقة بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسي.
قوله: "وقد قسم أبو بكر. . ." إلى آخره، إشارة إلى بيان أن ما ذهبوا إليه هو ما وقع عليه الإجماع من الصحابة؛ وذلك لأن أبا بكر وعمر -﵄- لما قسما الخمس بعد وفاة النبي -﵇- ولم يريا لذوي قرابة النبي -﵇- في ذلك حقًّا خلاف حق سائر المسلمين، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة -﵃-، فصار ذلك إجماعًا لا يخالف فيه ولا يعدل إلى غيره.
ص: ثم هذا عليّ -﵁- لما صار الأمر إليه؛ حمل الناس على ذلك أيضًا، وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق، قال: "سألت أبا جعفر فقلت: أرأيت علي بن أبي طالب -﵁- حيث ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوى القربى؟ قال: سلك به والله سبيل أبي بكر وعمر -﵄-، فقلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: أَمَ والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره والله أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر -﵄-".
فهذا علي بن أبي طالب -﵁- قد أجراه على ما كان أبو بكر وعمر -﵄- أجرياه عليه؛ لأنه رأى ذلك عدلًا، ولو كان رأيه بخلاف ذلك مع علمه وفضله ودينه إذًا لرده إلى ما رأى.
ش: أوضح ما ذكره من بيان ما ذهب إليه هؤلاء القوم: هو ما وقع عليه إجماع الصحابة بما روي عن علي بن أبي طالب -﵁-.
أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي ابن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق المدني، عن
[ ١٢ / ٢٩٤ ]
أبي جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -﵃- المعروف بالباقر؛ لُقِّبَ به لأنه تبقر في العلوم أي توسع، والتبقر: التوسع، روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حماد بن زيد وغيره، عن ابن إسحاق، قال: "سألت أبا جعفر -يعني الباقر- كيف صنع علي -﵁- في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك به طريق أبي بكر وعمر. قلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: أما والله ما كانوا يصدرون إلا عن رأيه، ولكنه كره أن يتعلق عليه خلاف أبي بكر وعمر" وفي لفظ قال: "أما والله ما كان أهل بيته يصدرون إلا عن رأيه، ولكن كان يكره أن يُدَّعى عليه خلاف أبي بكر وعمر -﵄-". وكذلك رواه السفيانان عن أبي إسحاق.
وقال البيهقي: ضعف الشافعي هذه الرواية بأن عليًّا -﵁- قد رأى غير رأيهما في أن يجعل للعبد في القسمة شيئًا، ورأى غير رأي عمر في التسوية بين الناس وفي بيع أمهات الأولاد، وخالف أبا بكر في الجَدِّ.
قوله: "أَمَ والله" أصله: أما والله، وهي حرف استفتاح بمنزلة "ألا".
قوله: "يصدرون" أي يرجعون.
قوله: "أن يُدَّعى عليه" أي يتعلق عليه خلاف الشيخين.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، قال: "سألت الحسن بن محمد بن علي -﵃- عن قول الله -﷿-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢)؟ قال: أما قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فهو مفتاح كلام: لله الدنيا والآخرة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين، فاختلف الناس بعد وفاة رسول الله -﵇-، فقال قائل منهم: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل:
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" (٦/ ٣٤٣ رقم ١٢٧٣٩).
(٢) سورة الأنفال، آية: [٤١].
[ ١٢ / ٢٩٥ ]
سهم النبي -﵇- للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك في إمارة أبي بكر وعمر -﵄-".
قال: أفلا ترى أن ذلك مما قد اجتمع أصحاب رسول الله -﵇- أنه راجع إلى الكيل والسلاح الذي يكون عدة للمسلمين لقتال عدوهم؟ ولو كان ذلك لذوي قرابة رسول الله -﵇- لما مُنِعُوا منه ولا صرف إلى غيرهم، ولا خفي ذلك على الحسن بن محمد مع علمه في أهله وتقدمه فيهم، وقد قال ذلك عبد الله بن العباس -﵄- في جوابه لنجدة لما كتب إليه يسأله عن سهم ذوي القربى.
وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثني عمي جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن يزيد بن هرمز حدثه: "أن نجدة صاحب اليمامة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى، فكتب إليه ابن عباس: إنه لنا، وقد كان عمر بن الخطاب -﵁- دعانا نُنْكِحَ منه أَيِّمنا ونقضي منه عن غارِمنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا كله ورأينا أنه لنا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت قيسًا يحدث، عن يزيد بن هرمز، قال: "كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس -﵄- يسأله عن سهم ذوي القربى الذي ذكر الله وفرض لهم. فكتب إليه -وأنا شاهد-: كنا نُرَى أنهم قرابة رسول الله -﵇-؛ فأبى ذلك علينا قومنا".
فهذا ابن عباس يخبر أن قومهم أبوا عليهم أن يكون لهم، ولم يظلم من أبي ذلك عليه، فدلَّ أن ما أريد من ذلك بقرابة رسول الله -﵇- هو ما ذكرنا من الفقر والحاجة.
فهذه حجج من ذهب إلى أن ذوي القربى لا سهم لهم، في الخمس، وأن ذلك لم يكن لهم في عهد رسول الله -﵇- ولا من بعده.
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث قيس بن مسلم.
أخرجه بإسناد صحيح.
[ ١٢ / ٢٩٦ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، قال: "اختلف الناس بعد وفاة رسول الله -﵇- في هذين السهمين:
سهم لرسول الله -﵇-، وسهم ذي القربى، فقالت طائفة: سهم الرسول -﵇- للخليفة من بعده.
وقالت طائفة: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة. فأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع وفي العدة في سبيل الله".
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث الثوري، عن قيس بن مسلم، قال: "سألت الحسن بن محمد عن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣)، فقال: هذا مفتاح كلام: لله ما في الدنيا والآخرة".
قوله: "وقد قال ذلك" أشار به إلى ما قاله الحسن بن محمد بن الحنفية.
قوله: "وذكروا في ذلك" أي ذكر هؤلاء القوم فيه ما قال عبد الله بن عباس.
وأخرجه بإسناد صحيح من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي. . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من حديث يزيد بن هارون، أنا ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي -أحسبه قال: والزهري- عن يزيد بن هرمز قال: "كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى، [لمن هو؟ قال: كتبت إليّ
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٦/ ٥١٧ رقم ٣٣٤٥١).
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" (٦/ ٣٣٨ رقم ١٢٧١٨).
(٣) سورة الأنفال، آية: [٤١].
(٤) "سنن البيهقي الكبرى" (٦/ ٣٤٥ رقم ١٢٧٤٤).
[ ١٢ / ٢٩٧ ]
تسألني عن سهم ذوي القربى لمن هو؟] (١) قال: فهو لنا وكان عمر -﵁- دعانا إلى أن ننكح منه أيمنا ونخدم منه عائلنا ونقضي منه غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، وأبى أن يفعل، فتركناه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن قيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز. . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثني أبي، قال: سمعت قيسًا يحدث، عن يزيد بن هرمز.
وحدثني محمد بن حاتم -واللفظ له- قال: ثنا بهز، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: حدثني قيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز قال: "كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس -﵄-، قال: فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه، وقال ابن عباس: والله لولا أن أرده عن نَتْن يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين، قال: فكتب إليه: إنك سألت عن سهم ذي القربى الذي ذكر الله، من هم؟ وإنا كنا نُرَى أن قرابة رسول الله -﵇- هم [نحن] (٣)، فأبى ذلك علينا قومنا. . . " الحديث.
قوله: "أَيِّمنا" الأَيِّم واحد الأيامى الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: رجل أيّم سواء تزوج من قبل أو لم يتزوج، وامرأة أيّم أيضًا بكرًا كانت أو ثيِّبًا.
قوله: "غارمنا" الغارم: الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه، والغريم الذي عليه الدَّين.
ص: وقد خالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد كان لهم سهم على عهد رسول الله -﵇- وهو خُمس الخُمس، وكان لرسول الله -﵇- أن يضعه فيمن شاء منهم.
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "السنن الكبرى" للبيهقي.
(٢) "صحيح مسلم" (٣/ ١٤٤٤ رقم ١٨١٢).
(٣) لسيت في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح مسلم".
[ ١٢ / ٢٩٨ ]
وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن بحر بن مطر وعلي بن شيبة البغداديان، قالا: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: لما قسم رسول الله -﵇- سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني أمية شيئًا، فأتيت أنا وعثمان -﵁- رسول الله -﵇- فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم فضَّلهم الله بك فما بالنا وينو المطلب وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد؟! فقال: إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام".
قالوا: فلما أعطى رسول الله -﵇- ذلك السهم بعض القرابة وحَرَم مَنْ قرابته منهم كقرابتهم؛ ثبت بذلك أن الله -﷿- لم يُرِد بما جعل لذوي القربى كل قرابة رسول الله - ﷺ -، وإنما أراد خاصًّا منهم، وجعل الرأي في ذلك إلى رسول الله -﵇- يضعه فيمن شاء منهم، فإذا مات فانقطع رأيه انقطع ما جعل لهم من ذلك، كما جعل لرسول الله -﵇- أن يصطفي من المغنم لنفسه سهم الصفي فكان ذلك له ما كان حيًّا يختار لنفسه من المغنم ما شاء، فلما مات انقطع ذلك.
وممن ذهب إلى القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد -﵏-.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد في رواية وبعض المالكية، فإنهم قالوا: كان لذوي القربى سهم في زمن النبي -﵇- وهو خُمس الخُمس، وكان أمره مفوضًا إلى رسول الله -﵇- يضعه فيمن شاء منهم.
قال أبو بكر الجصاص: اختلف في سهم ذوي القربى، فقال أبو حنيفة في "الجامع الصغير": يقسم الخُمس على ثلاثة أسهم: للفقراء والمساكين وأبناء السبيل. وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: خمس الله والرسول واحد، وخمس ذي القربى لكل صنف سماه الله في الآية: خُمس الخُمس.
وقال الثوري: سهم النبي -﵇- هو خُمس الخُمس، وما بقي فللطائفة التي سمى الله تعالى.
[ ١٢ / ٢٩٩ ]
وقال مالك: يعطى من الخُمس أقرباء رسول الله -﵇- على ما يرى ويجتهد.
وقال الأوزاعي: خُمس الغنيمة لمن سمي في الآية.
وقال الشافعي: يقسم سهم ذي القربى بين غنيهم وفقيرهم.
قوله: "وذكروا في ذلك" أي ذكر هؤلاء القوم الآخرون فيما ذهبوا إليه حديث جبير بن مطعم -﵁-.
وأخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه البخاري في كتاب "الجهاد" (١): ثنا عبد الله بن يوسف، نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله -﵇- فقلنا: يا رسول الله أعطيتَ بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله -﵇-: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". قال الليث: حدثني يونس وزاد: "قال جبير: ولم يقسم النبي -﵇- لبني عبد شمس ولا لبني نوفل".
وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
وأخرجه البخاري أيضًا في "مناقب قريش" (٢) وفي "المغازي" (٣): عن يحيى بن بكير نحوه.
وأخرجه أبو داود (٤): ثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، قال: أخبرني جبير بن مطعم. . . إلى آخره نحوه.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٣/ ١١٤٣ رقم ٢٩٧١).
(٢) "صحيح البخاري" (٣/ ١٢٩٠ رقم ٣٣١١).
(٣) "صحيح البخاري" (٤/ ١٥٤٥ رقم ٣٩٨٩).
(٤) "سنن أبي داود" (٢/ ١٦١ رقم ٢٩٧٨).
[ ١٢ / ٣٠٠ ]
وأخرجه النسائي في "قسم الفيء" (١): عن ابن مثنى، عن يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسبب. . . نحوه.
وعن (٢) عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن يحيى، عن نافع بن يزيد، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن المسبب نحوه.
قوله: "أعطى بني هاشم" وهم آل عبد المطلب؛ وذلك لأن هاشمًا لم يُعْلم له ولدٌ غير عبد الطلب، وولد لعبد المطلب عبد الله أب النبي -﵇- على عمود النسب، وولد له خارجًا عنه جميع أعمام رسول الله -﵇-.
وبنو المطلب هم المطلبيون ومنهم الشافعي -﵁-؛ وذلك لأن عبد مناف وُلِد له هاشم على عمود النسب، وولد له خارجًا عنه عبد شمس والمطلب ونوفل، فَمِنْ عبد شمس: أمية، ومنه بنو أمية، ومنهم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميه، وسعيد بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، وعتبة بن أبي ربيعة بن عبد شمس.
ومن المطلب المطلبيون، ومن نوفل النوفليون.
قوله: "وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد" وكان يحيى بن معين يرويه: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب سيْء واحد" بالسين المهملة أي مثل سواء، يقال هذا سيْء هذا: أي مثله.
وأراد بهذا الكلام الحِلْف الذي كان بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية.
وجاء في رواية أخرى: "إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام".
وقال الجصاص: هذا الحديث يدل من وجهين على أن ذا القربى غير مستحق للقرابة فحسب:
أحدهما: أن بني عبد المطلب وبني عبد شمس في القرب من النبي -﵇- سواء،
_________________
(١) "المجتبى" (٧/ ١٣٠ رقم ٤١٣٧).
(٢) "المجتبى" (٧/ ١٣٠ رقم ٤١٣٦).
[ ١٢ / ٣٠١ ]
فأعطى بني المطلب ولم يعط بني عبد شمس، ولو كان مستحقًّا بالقرابة لساوى بينهم.
والثاني: أن فعل النبي -﵇- خرج مخرج البيان لِمَا أُجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى، وفعل النبي -﵇- إذا ورد على وجه البيان هو على الوجوب، فلما ذكر النبي -﵇- النصرة مع القرابة دلَّ على أنه مراد الله تعالى، فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ذوو القربى الذي جعل لهم من ذلك ما جعل: هم بنو هاشم وبنو المطلب، فأعطاهم رسول الله -﵇- ما أعطاهم من ذلك، فجعل الله -﷿- ذلك لهم، ولم يكن له حينئذٍ أن يعطي غيرهم من بني أمية وبني نوفل؛ لأنهم لم يدخلوا في الآية، وإنما دخل فيها من قرابة رسول الله -﵇- بنو هاشم وبنو المطلب خاصة.
ش: أي خالف الفرقَيْن الأوليْن جماعة آخرون، وأراد بهم: طائفة من أهل الحديث، منهم: أحمد بن حنبل -في رواية- وإسحاق وأبو عبيد، فإنهم قالوا: ذووا القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب خاصّةً، وهم الداخلون في الآية.
ص: فلما اختلفوا في هذا الاختلاف، فذهب كل فريق إلى ما ذكرنا، واحتج لقوله بما وصفنا، وجب أن يكشف كل فريق منها، وما ذكرنا من حجة قائلة لنستخرج من هذه الأقاويل قولًا صحيحًا، فنظرنا في ذلك، فابتدأنا بقول الذي نفى أن يكون لهم في الآية شيء بحق القرابة، وإنما جعل لهم منها ما جعل لحاجتهم وفقرهم كما جعل للمساكين واليتيم فيها ما جعل لحاجتهما وفقرهما، فإذا ارتفع الفقر عنهم جميعًا ارتفعت حقوقهم من ذلك.
فوجدنا رسول الله -﵇- قد قسم سهم ذوي القربى حين قسمه فأعطى بني هاشم وبني المطلب وعمهم جميعًا، وقد كان فيهم الغني والفقير.
[ ١٢ / ٣٠٢ ]
فثبت بذلك أنه لو كان ما جعل لهم في ذلك هو لعلة الفقر لا لعلة القرابة إذًا لما أدخل أغنياءهم مع فقرائهم فيما جعل لهم من ذلك، وَلَقَصَدَ إلى الفقراء منهم دون الأغنياء، فأعطاهم كما فعل في اليتامى، فلما أدخل أغنياءهم وفقراءهم ثبت بذلك أنه قصد بذلك إلى أعيان القرابة بعلة قرابتهم لا لعلة فقرهم.
ش: أي فلما اختلف هؤلاء الفرق الثلاث في حكم سهام ذوي القربى هذا الاختلاف المذكور فذهب كل فريق إلى مذهب واحتج لما ذهب إليه بما ذكر من الحجج؛ وجب الكشف عن ذلك كله ليعلم القول الصحيح من هذه الأقوال الثلاثة ويعتمد عليه.
قوله: "فابتدأنا بقول الذي نفى. . . " إلى آخره، هو قول أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى أن ذوي قرابة رسول الله -﵇- لا سهم لهم في الخُمس معلومٌ، وإنما أعطى لهم من ذلك ما أعطى؛ لأجل حاجتهم وفقرهم كما أعطى منه للمساكين واليتامى، فإذا كان كذلك تكون العلة في ذلك هي الفقر والاحتياج، فإذا ارتفعت هذه العلة ارتفع الحكم المذكور، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: "فوجدنا رسول الله -﵇- قد قسم. . ." إلى آخره.
قوله: "وعمهم جميعًا" من التعميم وهو الشمول.
ص: وأما ما ذكروا من حديث فاطمة -﵂- حيث سألت رسول الله - ﷺ - أن يُخدمها خادمًا من السبي الذي كان قدم عليه، فلم يفعل ووكلها إلى ذكر الله -﷿- والتسبيح، فهذا ليس فيه عندنا دليل لهم على ما ذكروا؛ لأن رسول الله - ﷺ - لم يقل لها عندما سألته: لا حق لك فيه، ولو كان ذلك كذلك لبيَّن ذلك لها كما بينه للفضل بن العباس وربيعة بن الحارث حين سألا أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهل بيته وقد يجوز أن يكون لم يعطها الخادم حينئذٍ لأنه لم يكن قسم، فلما قسم أعطاها حقها من ذلك وأعطى غيرها أيضًا حقه، فيكون تركه إعطائها إنما كان لأنه لم يقسم، ودلَّها على
[ ١٢ / ٣٠٣ ]
تسبيح الله وتحميده وتهليله الذي يرجو لها به الفوز من الله -﷿- والزلفى عنده، وقد يجوز أن يكون أخدمها من ذلك بعد ما قسم، ولا نعلم في الآثار ما يدفع شيئًا من ذلك، وقد يجوز أن يكون منعها منه لأنها ليست قرابة، ولكنها أقرب من القرابة؛ لأن الولد لا يقال: هو من قرابة أبيه، إنما يقال ذلك لمن غيره أقرب إليه منه، ألا ترى إلى قول الله -﷿-: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، فجعل الوالدين غير الأقربين؛ لأنهم أقرب من الأقربين؟ فكما كان الوالد يخرج من قرابة ولده، فكذلك الولد يخرج من قرابة والده، وقد قال محمد بن الحسن: نحوًا مما ذكرنا، في رجل قال: قد أوصيت بثلث مالي لقرابة فلان: أن والديه وولده لا يدخلون في ذلك؛ لأنهم أقرب من القرابة وليسوا بقرابة، واعتلَّ في ذلك بهذه الآية التي ذكرنا.
فهذا وجهٌ آخر، فارتفع بما ذكرنا أن يكون لهم أيضًا بحديث فاطمة -﵂- هذا حجة في نفي سهم ذوي القربى.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وكانوا قد احتجوا على ذلك بحجج، منها حديث فاطمة -﵂- على ما مرَّ؛ فأجاب عن ذلك بقوله: "وأما ما ذكروا من حديث فاطمة -﵂-. . ." إلى آخره، وبنى الجواب عن ذلك على ثلاثة أوجه:
الأول: هو قوله: "فهذا ليس فيه عندنا دليل. . ." إلى آخره.
تقريره أن يقال: لا نُسلِّم أنَّ حديث فاطمة يدل على ما ذكرتم؛ لأنه لم يقل لها عند سؤالها: ليس لك فيه حق؛ إذ لو كان منعه إياها عنه لعدم استحقاقها بذلك لكان -﵇- قد بيَّنه لها؛ لأنه موضع الحاجة إلى البيان، كما بين للفضل بين العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف حين سألاه أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: "إنما هي" -أي الصدقة- "أوساخ الناس" أي
_________________
(١) سورة البقرة، آية: [٢١٥].
[ ١٢ / ٣٠٤ ]
أوساخ أموالهم، "وإنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهل بيته"، وقد مرَّ حكم هذا الحديث في باب: "الصدقة على بني هاشم" مستوفى.
الوجه الثاني: هو قوله: "وقد يجوز أن يكون منعها منه. . ." إلى آخره.
تقريره أن يقال: يجوز أن يكون منعه -﵇- إياها عن ذلك، لا لكونها غير مستحقة لذلك، بل إنما كان ذلك لكونه -﵇- لم يقسم ذلك السبْي حينئذٍ ولم يكن له أن يعطي منه أحدًا شيئًا قبل القسمة، فلما قسمه جاز أن يكون أعطاها من ذلك شيئًا، وأعطى غيرها أيضًا حقَّه، فيكون الترك لعلة عدم القسمة؛ فصبَّرها حينئذٍ ودلَّها على ما هو خير من ذلك مما يقربها إلى الله تعالى والزلفى عنده، وهو تسبيح الله تعالى وتحميده وتهليله.
الوجه الثالث: هو قوله: "وقد يجوز أن يكون منعها منه لأنها ليست قرابة. . ." إلى آخره.
تقريره أن يقال: يجوز أن يكون منعه إياها عنه لكونها ليست بقرابة؛ لأنها أقرب من القرابة، ألا ترى أن الولد لا يقال: هو من قرابة أبيه؛ لأنه أقرب من ذلك؟ والدليل على ذلك عطف الأقربين علي الوالدين في الآية المذكورة والمعطوف غير المعطوف عليه، فيكون الوالدان غير الأقربين؛ لأنهما أقرب من الأقربين، فإذا خرج الوالد من قرابة ولده فكذلك الولد يخرج من قرابة والده، وعلى هذا بنى محمد بن الحسن في "المبسوط" في كتاب الوصايا المسألة المذكورة وهي ظاهرة.
ص: وأما ما احتجوا به من فعل أبي بكر وعمر -﵄-، وأن أصحاب رسول الله - ﷺ - لم ينكروا ذلك عليهما، فإن هذا مما يَسَع فيه اجتهاد الرأي، فرأيا هما ذلك واجتهدا، فكان ما أداهما إليه اجتهادهما ما رأيا من ذلك، فحكما به، وهو الذي كان عليهما وهما في ذلك مثابان مأجوران.
وأما قولهم: "ولم ينكر ذلك عليهما أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -" فكيف يجوز أن ينكر ذلك عليهما أحد وهما إماما عدلٍ رَأَيَا رأيًا فحكما به، وفعلا في ذلك الذي
[ ١٢ / ٣٠٥ ]
كُلِّفا؟! ولكن قد رأى في ذلك غيرها من أصحاب رسول الله -﵇- خلاف ما رأيا فلم يعنفوهما فيما حكما به من ذلك؛ إذْ كان الرأي في ذلك واسعًا والاجتهاد للناس جميعًا، فادعى أبا بكر وعمر -﵄- رأيهما في ذلك إلى ما رأيا وحكما، وأدى غيرهما ممن خالفهما اجتهاده في ذلك إلى ما رآه، وكلٌ مأجور في اجتهاده في ذلك مُثاب مؤدٍّ للفرض الذي عليه، ولم ينكر بعضهم على بعض قوله؛ لأن ما خالفه إليه هو الرأي، والذي قاله مخالفه هو رأي أيضًا، ولا توقيف مع أحد منهما لقوله من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
والدليل على أن أبا بكر وعمر -﵄- قد كانا خولفا فيما رأيا من ذلك قول ابن عباس: "قد كنا نُرَى أنا نحن هم قرابة رسول الله -﵇- فأبى ذلك علينا قومنا" فأخبر أنهم رأوا في ذلك رأيًا أباه عليهم قومهم، وأن عمر -﵁- دعاهم إلى أن يزوج منهم أيمهم ويكسو منه عاريهم، قال: "فأبينا عليه إلا أن يُسَلِّمه لنا كله"؛ فدلَّ ذلك أنهم قد كانوا على هذا القول في خلافة عمر بعد أبي بكر -﵄-، وأنهم لم يكونوا نزعوا عما كانوا رأوا من ذلك لرأي أبي بكر ولا لرأي عمر، فدلَّ ما ذكرنا أن حكم ذلك كان عند أبي بكر وعمر -﵄- وعند سائر أصحاب رسول الله -﵇- كحكم الأشياء التي يختلف فيها التي يسع فيها اجتهاد الرأي.
ش: قد ذكرنا أن أهل المقالة الأولى قد احتجوا لما ذهبوا إليه بحجج، منها: ما احتجُّوا به من فعل أبي بكر وعمر -﵄-.
وأجاب عن ذلك بقوله: "وأما ما احتجُّوا به من فِعل أبي بكر وعمر -﵄-" خلاصة ذلك: أن ما صدر من أبي بكر وعمر -﵄- من قسمة جميع الخُمس بعد وفاة رسول الله -﵇-، وعدم رؤيتهما لقرابة رسول الله -﵇- في ذلك حقًّا؛ إنما كان ذلك بطريق الاجتهاد والرأي، وهو بابٌ واسعٌ، ولكل مجتهد أن يجتهد بما يرى، وإن كان يخالف رأي غيره، وهو مثاب في اجتهاد، وإن كان في نفس الأمر مخطئًا؛ ولهذا لم ينكر عليهما أحد من الصحابة -﵃-، ومع هذا فكيف كان يجوز
[ ١٢ / ٣٠٦ ]
لهم الإنكار عليهما وهما إمامان عادلان وخليفتان راشدان مهديان، على أن أحدًا منهم لم يستند في اجتهاده في هذا الحكم على توقيف من كتاب أو سنة أو إجماع، والباقي ظاهر.
قوله: "فرأيا هما ذلك" أي فرأى أبو بكر وعمر -﵄-.
وقوله: "هما" ضمير مرفوع؛ ذكره تأكيدًا لما في "رأيا" من الضمير المرفوع أيضًا.
ص: وأما قولهم: "ثم أفضى الأمر إلى علي بن أبي طالب -﵁- فلم يُغيِّر من ذلك شيئًا عما كان وضعه عليه أبو بكر وعمر -﵄-، قالوا: فذلك دليلٌ على أنه رأى في ذلك أيضًا مِثل الذي رأيا" فليس ذلك كما ذكروا؛ لأنه لم يكن بقي في يد على -﵁- ما كان وقع في يد أبي بكر وعمر من ذلك؛ لأنهما لما وقع في أيديهما أنفذاه في وجوهه التي رأياها في ذلك الذي كان عليهما، ثم أفضى الأمر إلى علي -﵁-، فلم نعلم أنه سبى أحدًا، ولا ظهر على أحد من العدو، ولا غنم غنيمة يجب فيها خُمس لله -﷿-؛ لأنه إنما كان شغله في خلافته كلها بقتال من خالفه ممن لا يُسبى ولا يُغنم، وإنما يحتج بقول علي -﵁- في ذلك لو سبى وغنم ففعل في خُمس ذلك مثل ما كان أبو بكر وعمر فعلا في الأخماس، فأما إذا لم يكن سبى ولا غنم؛ فلا حجة. لأحد في تركه تغيير ما كان فُعِلَ قبله من ذلك، ولو كان بقي في يده من ذلك شيء مما كان غنمه مَن كان قبله فحرمه ذوي قرابة رسول الله -﵇- لما كان في ذلك أيضًا حجة تدل على مذهبه في ذلك كيف كان؟ لأن ذلك إنما صار إليه بعد ما نفذ فيه الحكم من الإِمام الذي كان قبله، فلم يكن له إبطال ذلك الحكم وإن كان يرى هو خلافه؛ لأن ذلك الحكم مما يختلف فيه العلماء، ولو كان علي -﵁- رأى في ذلك ما كان أبو بكر وعمر -﵄- رأياه؛ لكان في قرابة رسول الله -﵇- من قد خالفه، لقول ابن عباس -﵄-: "كنا نُرَى أنا نحن هم، فأبى ذلك علينا قومنا".
وهذه جوابات الحجج التي احتج بها الذين نفوا سهم ذوي القرابة أن يكون واجبًا لهم بعد رسول الله -﵇- ولا في حياته، وأنهم كانوا في ذلك كسائر الفقراء،
[ ١٢ / ٣٠٧ ]
فبطل هذا المذهب وثبت أحد المذاهب الأخر.
ش: هذا أيضًا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه بحجج متعددة، منها كان قولهم: "ثم هذا علي -﵁- لمَّا صار الأمر إليه حمل الناس على ذلك أيضًا. . ." إلى آخره، فأجاب عن هذا بقوله: "وأما قولهم" أي قول أهل المقالة الأولى.
بيان وجه احتجاجهم بذلك: أن عليًّا -﵁- لما أفضى إليه الأمر -يعني لما انتهت إليه الخلافة من بعد عثمان -﵁-- لم يُغيِّر ما كان فعله أبو بكر وعمر -﵄- من قسمته جميع الخُمس وعدم إعطائه لقرابة رسول الله -﵇- من ذلك شيئًا، وهذا دليل على أن عليًّا -﵁- رأى في ذلك مثل ما رأى أبو بكر وعمر -﵄-.
وأجاب عن ذلك بقوله: "فليس ذلك كما ذكروا. . ." إلى آخره. وتقريره من وجهين:
أحدهما: بطريق المنع؛ وهو أن يقال: لا نُسلِّم أن يكون الأمر كما ذكرتم؛ لأن عليًّا -﵁- لم يبق في يده مما كان وقع في يد أبي بكر وعمر -﵄-؛ لأنهما قد كانا أنفذا ذلك في وجوهه التي رأياها ولم يبق من ذلك شيء.
ولا نعلم أيضًا أن عليًّا -﵁- سبى أحدًا، ولا ظهر على أحدٍ من العدو، ولا غنم غنيمة يجب فيها خُمس لله -﷿-؛ لأن اشتغاله في خلافته كلها إنما كان بالمخالفين له من الشاميين وغيرهم، وإنما يتوجه احتجاجهم بذلك أن لو سبى علي أو غنم شيئًا ثم فعل مثل ما فعل الشيخان.
والآخر: بطريق التسليم، وهو أن يقال: سلَّمنا أنه قد بقي في يد علي -﵁- من ذلك شيء، ومنع ذوي قرابة رسول الله -﵇- وليس فيه حجة لهم أيضًا؛ لأن ذلك إنما كان بعدما نفذ فيه الحكم من الإمامين اللذين قبله، فإذا نفذ إمامٌ أمرًا ووقع الحكم به فليس للإمام الذي يأتي بعده أن يبطله، وإن كان ذاك خلاف ما يراه في
[ ١٢ / ٣٠٨ ]
اجتهاده؛ لأنا قلنا: إن باب الإجتهاد واسع واختلاف العلماء فيه واقع.
قوله: "فَحَرَمَه" من قولهم: حرمه الشيء يَحْرِمُه حَرمًا -مثال سَرَقَه يَسْرِقُه سَرِقًا بكسر الراء- وحرمه وحريمه وحرمانًا، وأحرمه أيضًا إذا منعه إياه.
ص: فأردنا أن ننظر في قول من جعله لقرابة الخليفة من بعد رسول الله -﵇-، وجعل سهم رسول الله -﵇- للخليفة من بعده، هل لذلك وجه؟
فرأينا رسول الله -﵇- قد كان فُضِّل بسهم الصَّفِيّ، وبخُمس الخُمس، وجعل له مع ذلك في الغنيمة سهم كسهم رجل من المسلمين، ثم رأيناهم قد أجمعوا أن سهم الصَّفِي ليس لأحد بعد رسول الله -﵇-، وأن حكم رسول الله -﵇- في ذلك خلاف حكم الإِمام من بعده؛ فثبت بذلك أيضًا أن حكمه في خُمس الخُمس خلاف حكم الإِمام من بعده، وإذا ثبت أن حكمه فيما وصفنا خلاف حكم الإِمام من بعده، ثبت أن حكم قرابته خلاف حكم قرابة الإِمام من بعده.
فثبتت أحد القولين من الآخرين، فنظرنا في ذلك فإذا الله -﷿- قد قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، فكان سهم الرسول -﵇- جاريًا له ما كان حيًّا إلى أن مات، فانقطع بموته، وكان سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل بعد وفاة النبي -﵇- كما كان قبل ذلك.
ثم اختلفوا في سهم ذوي القربى، فقال قوم: هو لهم بعد وفاة النبي -﵇- كما كان لهم في حياته.
وقال قوم: قد انقطع عنهم بموته، وكان الله -﷿- قد جمع كل قرابة رسول الله -﵇- في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (١) فلم يخص أحدًا منهم دون أحد، ثم قسم ذلك النبي -﵇- فأعطى منهم بني هاشم وبني المطلب خاصّةً، وحرم بني أمية
_________________
(١) سورة الأنفال، آية: [٤١].
[ ١٢ / ٣٠٩ ]
وبني نوفل وقد كانوا محصين معدودين، وفيمن أعطى الغني والفقير، وفيمن حرم كذلك، فثبت أن ذلك السهم كان للنبي -﵇- يجعله في أي قرابته شاء، فصار بذلك حكمه حكم سهمه الذي كان يصطفيه لنفسه، فلما كان ذلك لنفسه مرتفعًا بوفاته غير واجب لأحد بعده كان هذا أيضًا مرتفعًا بوفاته، فإنه غير واجب لأحدٍ من بعده. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -﵏-.
ش: لما أجاب عما احتج به أهل المقالة الأولى وبيَّن سقوط ما ذهبوا إليه، أشار ها هنا أيضًا إلى سقوط ما ذهب إليه أهل المقالة الثالثة، وإثبات ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، وهو ظاهر البيان.
قوله: "بسهم الصفي" الصفي على وزن فعيل، وهو ما كان يأخذه -﵇- ويختاره لنفسه من الغنيمة، قبل القسمة ويقال له: الصفية أيضًا، ويجمع على صفايا.
قوله: "وكان الله -﷿- جمع كل قرابة رسول الله -﵇- في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى. . .﴾ (١) " إلى آخره، تقرير ذلك: أن لفظ ذوي القربى لفظ شامل لجميع قرابة رسول الله -﵇-، وليس فيه تخصيص لبعضهم دون الآخرين، ومع ذلك خصص النبي -﵇- بني هاشم وبني المطلب في الإعطاء، ومنع بني أمية وبني نوفل، فدلَّ ذلك أن السهم المذكور كان مفوضًا إليه -﵇- يجعله في أي قرابته شاء، وصار حكمه حكم الصفي الذي كان يختاره لنفسه، فلما ارتفع الصفي بوفاته ولم يجب لأحد من بعده كان هذا أيضًا مرتفعًا بوفاته فلا يجب لأحد من بعده.
وقال الجصاص: قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (١) لفظ مجمل مفتقر إلى البيان، وليس بعموم؛ وذلك لأن ذا القربى لا يختص بقرابة النبي -﵇- دون غيره من الناس، ومعلوم أنه لم يُرِد بها أقرباء الناس، فصار اللفظ مجملًا مفتقرًا إلى البيان، وقد اتفق السلف على أنه قد أُريدَ به أقرباء النبي -﵇-، منهم من قال: المستحقون
_________________
(١) سورة الأنفال، آية: [٤١].
[ ١٢ / ٣١٠ ]
لسهم الخُمس من الأقرباء هم الذين كان لهم نصرة، وأن السهم كان مستحقًّا بالأمرين من القرابة والنصرة، وأن من ليس له نصرة ممن حدث بعد فإنما يستحقه بالفقر كما يستحقه سائر الفقراء، ويستدلون على ذلك بحديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، وقد مر ذكره مستوفىً.
فدلَّ ذلك أنهم كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار الحاجة وسد الخلة، ويدل عليه قوله -﵇-: "يذهب كسرى ولا كسرى بعده أبدًا، ويذهب قيصر ولا قيصر بعده أبدًا، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" (١)، فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم يختص به قومًا من قوم.
ويدل على أنه كان موكولًا إلى النبي -﵇-: أنه أعطى المؤلفة قلوبهم وليس لهم ذكر في آية الخُمس، ويدل على ما ذكرنا: أن كل من سمي في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر، وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وكذلك ذوي القربى؛ لأنه سهم من الخُمس، ويدل عليه: أنه لمَّا حرم عليهم الصدقة أقام ذلك مقام ما حرم عليهم منها، فوجب أن لا يستحقه منهم إلا الفقراء، كما أن الأصل الذي أقيم هذا مقامه لا يستحقه إلا فقير.
فإن قيل: إن موالي نبي هاشم لا تحل لهم الصدقة ولا يدخلون في استحقاق السهم من الخمس.
قيل له: هذا غلط؛ لأن موالي بني هاشم لهم سهم من الخُمس إذا كانوا فقراء على حسب ما هو لبني هاشم.
فإن قيل: إذا كانت قرابة رسول الله -﵇- يستحقون سهمهم بالفقر والحاجة فما وجه تخصيصهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين؟
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة وغيره؛ البخاري (٣/ ١١٣٥ رقم ٢٩٥٢)، ومسلم (٤/ ٢٢٣٦ رقم ٢٩١٨).
[ ١٢ / ٣١١ ]
قيل له: كما خصّ اليتامى وابن السبيل بالذكر فلا يستحقونه إلا بالفقر، وأيضًا لَمَّا سمى الله الخُمس لليتامى والمساكين وابن السبيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) الآية، ثم قال النبي رسول الله -﵇-: "الصدقة لا تحل لآل محمد" (٢)، فلو لم يسهمهم من الخُمس لجاز أن يظن ظانّ أنه لا يجوز إعطاؤهم منه، ولا يجوز أن يعطوا من الصدقات فسماهم؛ إعلامًا منه لنا أنه غير سبيلهم في الصدقات.
فإن قيل: قد أعطى النبي -﵇- العباس من الخُمس وكان ذا يسار.
قيل: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة؛ لقوله -﵇-: "إنهم لم يفارقون في جاهلية ولا إسلام" فاستوى فيه الغني والفقير لتساويهم بالنصرة والقرابة.
والثاني: أنه جائز أن يكون النبي -﵇- إنما أعطى العباس -﵁- ليفرقه في فقراء بني هاشم ولم يعطه لنفسه، والله أعلم.
_________________
(١) سورة التوبة، آية: [٦٠].
(٢) تقدم.
[ ١٢ / ٣١٢ ]