لما أمر ﵇ بحفظ الله والتعرف إِلَيْهِ في الرخا، وذلك هو العبادة حقيقة ثم أرشد إِلَى سؤال الله وحده ودعائه و"الدعاء هو العبادة" كما في حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
خرَّجه أهل السنن الأربعة (١).
أرشد بعد ذلك إِلَى الاستعانة بالله وحده وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وهي كلمة عظيمة جامعة يقال: إن سر الكتب الإلهية كلها ترجع إليها وتدور عليها.
وفي استعانة الله وحده فائدتان:
إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.
وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -: "احرص عَلَى ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (٢).
وكان - ﷺ - يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: "الحمد لله نستعينه ونستهديه" (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٧٢)، والنسائي في "الكبرى" برقم (١١٤٦٤) وابن ماجه (٣٨٢٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).
(٣) أخرجه الشافعي في "المسند" بترتيب السندي (ص/ ١٤٧/ ١). قال الشيخ=
[ ٣ / ١٣٣ ]
وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: "اللهم أعني عَلَى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١).
وكان من دعائه - ﷺ -: "يا رب أعني ولا تعن عليّ" (٢).
وفي دعاء القنوت الَّذِي كان يدعو به عمر وغيره: "اللهم إنا نستعينك".
وفي الأثر المعروف -ويقال إن موسى -﵇- قاله لما ضرب البحر فانفلق-: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وفي ترك المحظورات، وفي الصبر عَلَى المقدورات كما قال يعقوب -﵇- لبنيه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.
وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، ولما بشَّر - ﷺ - عثمان بالجنة عَلَى بلوى تصيبه قال: الله المستعان (٣).
ولما دخلوا عَلَى عثمان وضربوه جعل يقول والدماء تسيل عليه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعيذ بك عليهم وأستعينك عَلَى
_________________
(١) =الألباني: ﵀ في مقدمة المجلد الخامس ص١ عن لفظة "ونستهديه" بأن هذه الزيادة لا أصل لها في شيء من طرق هذه الخطبة؛ خطبة الحاجة.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٥)، وأبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (٣/ ٥٣).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧)، وأبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) أخرجه مسلم (٢٤٠٣)، وعنده فَقَالَ: اللهم صبرًا، أو الله المستعان.
[ ٣ / ١٣٤ ]
جميع أموري، وأسألك الصبر عَلَى ما ابتليتني.
ورُوي عن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال في بعض غزواته حين لقي العدو: "يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال أبو طلحة: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ تُصْرَعُ" (١) خرَّجه أبو الشيخ الأصبهاني.
فالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في مصالح دينه ودنياه، كما قال الزبير في وصيته لابنه عبد الله بقضاء دينه: إن عَجزتَ فاستعن بمولاي.
فَقَالَ له: يا أبت من مولاك؟ قال: الله.
قال: فما وقعت في كُربة من دَيْنِهِ إلا قلتُ: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه فيقضيه؟.
وقال عمر بن الخطاب -﵁- في أول خطبة خطبها عَلَى المنبر: ألا إن العرب جمل أنف قد أَخَذْتُ بخطامه، ألا وإني حامله عَلَى المحجة ومستعن بالله عليه.
وكذلك يحتاج العبد الاستعانة بالله عَلَى أهوال ما بين يديه من الموت وما بعده.
لما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله، إنه ليسؤه -يعني: الموت- قال خالد: أجل، فأستعين الله ﷿.
وبكى عامر بن عبد الله بن الزبير عند موته وقال: إِنَّمَا أبكي عَلَى حر النهار وبرد القيام -يعني: صيام النهار وقيام الليل- وقال: إني أستعين الله عَلَى مصرعي هذا بين يديه.
ومن كلام بعض المتقدمين: يا رب، عجبت لمن يعرفك يرجو غيرك!
عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك!.
_________________
(١) أخرجه ابن السني في "عمل اليوم الليلة" (٣٣٤)، والطبراني في الأوسط (٨١٦٣)، وذكره الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٣٢٨) وقال: وفيه عبد السلام بن هاشم وهو ضعيف.
[ ٣ / ١٣٥ ]
وكتب الحسن إِلَى عمر بن عبد العزيز -﵀-: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إِلَيْهِ.
وقال بعضهم: فاستعن بالله واستعنه فإنَّه خير مستعان.
***
[ ٣ / ١٣٦ ]