هذا موافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦].
وقوله تعالى في قصة طالوت: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] إِلَى غير ذلك من الآيات والأحاديث في الأمر بالصبر عند لقاء العدو كثيرة جدًا.
وقال عمر لأشياخ من بني عبس: بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قومًا إلا صبرنا لهم كما صبروا لنا.
قال بعض السَّلف: كلنا نكره الموت وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر.
وسئل البطال عن الشجاعة فَقَالَ: صبر ساعة.
وهذا كله في جهاد العدو الظاهر وهو جهاد الكفار، وكذلك في جهاد العدو الباطن وهو جهاد النفس والهوى، فإن جهادهما من أعظم الجهاد كما قال النبي -ﷺ-:
[ ٣ / ١٥٦ ]
"المجاهد من جاهد في الله" (١).
وقال عبد الله بن عمرو لرجل سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها.
ويروى بإسناد ضعيف من حديث "جابر أن رسول الله - ﷺ - قال لقوم رجعوا
من الغزو: قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ. قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: مُجَاهَدَةِ الْعَبْدِ هَوَاهُ" (٢).
وقال أبو بكر الصديق -﵁- في وصيته لعمر ﵁ حين استخلفه: إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك.
ويروى من حديث سعد بن سنان عن أنس -﵁- عن النبي - ﷺ - ومن حديث أبي مالك الأشجعي عن النبي ﷺ مرسلًا قال: "لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِذَا قَتَلَكَ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ، وَإِذَا قَتَلْتَهُ كَانَ لَكَ نُورًا، أَعْدَى عَدُوّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ" (٣).
وأخذ هذا المعنى العباس بن الأحنف الشاعر فَقَالَ:
قلبي إِلَى ما ضرني داعي يكثر أحزاني وأوجاعي
لقل ما أبقى عَلَى ما أرى يوشك أن ينعاني الناعي
كيف احتراسي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي
فهذا الجهاد أيضًا يحتاج إِلَى صبر، فمن صبر عَلَى مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلب وحصل له النصر، ومن جزع ولم يصبر عَلَى مجاهدة ذلك غلب
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٠)، والترمذي (١٦٢١) وقال: "وفي الباب عن عقبة بن عامر وجابر، وحديث فضالة حديث حسن صحيح. والحاكم في "المستدرك" (١/ ١١).
(٢) أخرجه البيهقي في "الزهد الكبير" (٣٧٣) وقال: هذا إسناد فيه ضعف.
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٣/ ٣٤٤٥) من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: "ولكن أعدى عدوك ولدك الَّذِي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الَّذِي ملكت بيمينك". وإسناده منقطع في موضعين، فإن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه، وشريح لم يسمع من أبي مالك الأشعرى كما قال أبو حاتم الرازي.
[ ٣ / ١٥٧ ]
وقهر وأسر، وصار ذليلا أسيرًا في يدي شيطانه وهواه، كما قيل.
قال غيره:
رب مستور سبته صبوة فتعرى صبره فانهتكا
صاحب الشهوة عبد فإذا غلب الشهوة صار الملكا
قال ابن المبارك ﵀: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يجزع.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ:
"ليس الشديد بالصُّرعة، إِنَّمَا الشديد الَّذِي يملك نفسه عند الغضب" (١).
ووصف بعضهم الأحنف بن قيس فَقَالَ: كان أشد الناس سلطانًا عَلَى نفسه عند الغضب.
قيل لبعضهم: إن فلانًا يمشي عَلَى الماء! فَقَالَ: من مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أقوى ممن يمشي عَلَى الماء.
واعلم أن نفسك بمنزلة دابتك، إن عرفت منك الجدّ جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، وطلبت منك حظوظها وشهواتها.
كان أبو سليمان الداراني يقول: كنت بالعراق، أمر عَلَى تلك القصور والمراكب والملابس والمطاعم التي للملوك، فلا تلتفت نفسي إِلَى شيء من ذلك، وأمر عَلَى التمر، فتكاد نفسي تقع عليه، فذكر ذلك لبعض العارفين فَقَالَ: تلك الشهوات آيس نفسه منها فآيست والتمرة أطعمها فيه فطعمت، كما قيل:
صبرت عَلَى اللذات حتى تولت وألزمت نفسي هجرها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن طعمت تاقت لها وإلا تسلت
وكانت عَلَى الأيام نفسي عزيزة فلما رأت عزمي عَلَى الذل ذلت
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٨).
[ ٣ / ١٥٨ ]