والحديثان يدلان على طهارة فم الهرة وطهارة سؤرها، وإليه ذهب الشافعي (^١٠) والهادي، وقال أبو حنيفة (^١١): بل نجس كالسبع، لكن خفف فيه فكره
_________________
(١) (٦/ ٣٠٧٦ رقم ٧١٠٩) وعزاه إليه المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٤٠) من رواية يحيى بن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن أمه عن أبيها مرفوعًا. بلفظ: "رِهَان الخيلِ طِلقٌ" ورمز السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٤٤٨٢) لصحته. وحكم عليه الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (٣١٤١) بأنه ضعيف.
(٢) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، المدني، أبو يحيى، ثقة حجة "التقريب" (١/ ٥٩).
(٣) هو يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري.
(٤) في "الجرح والتعديل" (٩/ ١٢٥).
(٥) انظرها: في "سلسلة تراث الإمام الشوكاني" رقم (١٢٠) بتحقيقي.
(٦) رقم (١٤٥) بسند ضعيف.
(٧) في سننه (١/ ٧٠ رقم ٢١). وهو حديث ضعيف.
(٨) محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، الواقدي، المدني، القاضي، نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه. "التقريب" (٢/ ١٩٤).
(٩) انظر: "البدر المنير" (٢/ ٣٥٨ - ٣٦٤).
(١٠) انظر: "المجموع" (١/ ٢٢٢).
(١١) انظر: "شرح فتح القدير" (١/ ١١٥).
[ ١ / ٢٠٩ ]
سؤره، واستدل بما ورد عنه ﷺ من أن "الهرة سبع" في حديث أخرجه أحمد (^١) والدارقطني (^٢) والحاكم (^٣) والبيهقي (^٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: "السنور سبع" وبما تقدم من قوله ﷺ عند سؤاله عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلَّتين لم ينجسه شيء" (^٥). وأجيب بأن حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع. وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم أنها نجس إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية، على أنه قد أخرج الدارقطني (^٦) من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة فقيل: إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال: لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور".
وأخرج الشافعي (^٧) والدارقطني (^٨) والبيهقي في المعرفة (^٩) وقال: له أسانيد إذا
_________________
(١) في المسند (٢/ ٣٢٧).
(٢) في سننه (١/ ٦٣ رقم ٦).
(٣) في المستدرك (١/ ١٨٣) وقال الحاكم: صحيح. وعيسى بن المسيب تفرد به عن أبي زرعة عن أبي هريرة إلا أنه صدوق ولم يجرح قط. وتعقبه الذهبي بقوله: ضعفه أبو داود. وقال أبو حاتم ليس بالقوي.
(٤) في السنن الكبرى (١/ ٢٤٩). قلت: وأخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦ رقم ٥٤٧). وقال: هذا حديث لا يصح. وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) في السنن (١/ ٣١ رقم ١٢). وهو حديث ضعيف. انظر: "ضعيف الجامع" رقم (٤٧٩١).
(٧) في الأم (١/ ٢٠ رقم ٥١).
(٨) في السنن (١/ ٦٢ رقم ٢). قال الدارقطني: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ضعيف.
(٩) في "معرفة السنن والآثار" (٢/ ٦٥ رقم ١٧٦٠) وفي السنن الكبرى (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠) كلهم من حديث جابر. قال النووي في "المجموع" (١/ ٢٢٦): "وهذا الحديث ضعيف، لأن الإبراهيمين - وهما إبراهيم بن محمد، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة - ضعيفان جدًّا عند أهل الحديث لا يحتج بهما … قال البيهقي في حديث الإبراهيمين: إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت قوة" اهـ.
[ ١ / ٢١٠ ]
ضم بعضها إلى بعض كانت قوية بلفظ: "أنتوضَّأ بما أفضَلَتِ الحمرُ؟ قال: نَعَمْ وَبِما أفضَلَتِ السِّباعُ كُلُّها"، وأخرج الدارقطني (^١) وغيره عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فسار ليلًا فمروا على رجل جالس عند مقراة (^٢) له - وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء -، فقال عمر: أولَغَتْ السباع عليك الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ: يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وهذه الأحاديث مصرحة بطهارة ما أفضلت السباع. وحديث عائشة المذكور في الباب نص في محل النزاع (^٣). وأيضًا حديث أبي هريرة الذي استدل به أبو حنيفة فيه مقال (^٤). ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك، لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال والأزبال عليه.
قوله: (فأصغى لها الإناء) هو بالصاد المهملة بعدها غين معجمة ذكره في الأساس (^٥). وقال: أصغَى الإناءَ، للهرة: أماله. وفي القاموس (^٦) وأصغى: استمع وإليه مال بسمعه، والإناء أماله.
قوله: (إنها من الطوافين إلغ) تشبيه للهرة بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة (^٧).
_________________
(١) في السنن (١/ ٢٦ رقم ٣٠). وهو حديث ضعيف. انظر: "تلخيص الحبير" (١/ ٢٩).
(٢) المقراة: هي الحوض الذي يُجمع فيه الماء.
(٣) قلت: ولكنه حديث ضعيف كما تقدم.
(٤) وهو حديث ضعيف كما تقدم.
(٥) أساس البلاغة للزمخشري (٢/ ١٧).
(٦) القاموس المحيط ص ١٦٨٠.
(٧) قال محمد بن إسماعيل الأمير في "سبل السلام" (١/ ١٥٦ - ١٥٧) بتحقيقي: "وفي رواية مالك - (١/ ٢٢ - ٢٣ رقم ١٣)، - وأحمد (٥/ ٣٠٣)؛ وابن حبان (رقم ١٢١ - موارد)؛ والحاكم؛ (١/ ١٥٩ - ١٦٠)؛ وغيرهم؛ كالشافعي (١/ ٢٢ رقم ٣٩)؛ والدارقطني (١/ ٧٠ رقم ٢٢)؛ والبيهقي (١/ ٢٤٥)، زيادة لفظ "والطَّوّافات" جمع الأول مذكرًا سالمًا نظرًا إلى ذكور الهِرِّ، والثاني مؤنثًا سالمًا نظرًا إلى إناثها. فإذا قلت: قد فاتَ في جمعِ المذكرِ السالم شرطُ كونِهِ يعقلُ وهو شرط لجمعهِ عَلَمًا وصِفَة. (قلت): لما نزل منزلة من يعقل بوصفه بصفته وهو الخادم أجراهُ فجراهُ في جمعِهِ صفة. وفي التعليل إشارة إلى أنهُ تعالى لما جعلها بمنزلةِ الخادم في كثرةِ اتصالها بأهل المنزِلِ وملابستِها لهم ولما في منزلهم خفَّفَ تعالى على عبادِهِ بجعلهَا غيرَ نَجسٍ رفعًا للحرج" اهـ.
[ ١ / ٢١١ ]