إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا، ومن سيئات أعمالِنا، من يهْدِه اللَّهُ فلا مُضِل له، ومن يضلل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (^٣).
أما بعدُ:
"فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهْديِ هَدْيُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها، وكلَّ مُحْدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار".
وبعدُ:
فقد أدرك الإمامُ الشوكانيُّ ﵀ مدى أهميةِ التضلُّعِ في عِلْم الحديثِ لمن أراد تحمُّلَ مسؤوليةِ الاجتهادِ، والإسهامَ في حقوق الشريعةِ الغراءِ، من فقه وتفسير.
فقال في كتابه: "أدبُ الطلبِ ومُنتهى الأرب" (^٤): "إنَّ اشتغالَ أهلِ العِلْم به -
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية ١٠٢.
(٢) سورة النساء: الآية ١.
(٣) سورة الأحزاب: الآيتان ٧٠، ٧١.
(٤) ص ٦٣ بتحقيقنا.
[ ١ / ٧ ]
أي بالحديث أعظمُ من اشتغالِ أهلِ سائرِ الفنون بفنونهم، وتنقيحَهم له، وتهذيبَه، والبحثَ عن صحيحه، ومعرفةَ عللهِ، والإحاطةَ بأحوال رُواتهِ وإتعابَ أنفسِهم في هذا الشأن، ما لا يَتعَبُه أحدٌ من أهلِ الفنون في فنونهم، حتى صارَ طالبُ الحديثِ في تلك العُصورِ لا يكونُ طالبًا إلا بعد أن يَرْحلَ إلى أقطارٍ متباينةٍ، ويسمعَ من شيوخٍ عدَّةٍ، ويعرِفَ العاليَ والنازلَ وغيرَه على وجه لا يخفى عليه مخْرَجُ الحرفِ الواحدِ من الحديث الواحدِ، فضلًا عن زيادة على ذلك" اهـ.
ثم أضاف في كتابه "أدب الطلب" (^١) منتقدًا علماءَ كبارًا لعدم دراستِهم علومَ الحديثِ وفنونَه: "ومن أراد الوقوفَ على حقيقةِ هذا فلينظرْ مؤلفاتِ جماعةٍ هم في الفقه بأعلى رُتبةٍ، مع التبحُّرِ في فنودب كثيرةٍ: كالجُويني [ت: ٤٧٨ هـ / ١٠٨٥]، والغزاليِّ [ت: ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م] وأمثالِهما، فإنهم إذا أرادُوا أن يتكلموا في الحديثِ جاؤُوا بما يُضحكُ سامِعَه وَيَعْجَب، لأنهم يوردونَ الموضوعات فضلًا عن الضِعاف، ولا يعرِفُون ذلك، ولا يفطَنون له، ولا يفرّقون بينه وبين غيرهِ، وسببُ ذلك عدمُ اشتغالِهم بفنِّ الحديثِ كما ينبغي" اهـ.
فلذا نجد الشوكانيَّ قد عكَف في أوائل الطلبِ، ومَيْعةِ الشباب على دراسة الحديثِ الشريف وعلومِه بجهد كبير، وفهم حصيف، وإدراكٍ بالغ، باعترافِ شيوخه وهم كبارٌ في عصره (^٢). فأخذ عنهم "الصِّحاحَ" و"السننَ" و"المسانيدَ" و"المعاجِمَ" و"المستدرَكاتِ" و"التخاريجَ" و"الشروحَ" بالإضافة إلى دراسة علمِ "مصطلح الحديث" وأنواعِه، ومعرفةِ دَرَجاتِ علمائهِ، وسلاسل رجالِهِ ورواتِه،
_________________
(١) ص ٦٤ - ٦٥ بتحقيقنا.
(٢) انظر: "إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر" للشوكاني - بتحقيقنا - لترى أسماء المشايخ الأعلام الذين حدَّث عنهم الشوكاني هذه الكتب بالسماع والإجازة، وتعلْمَ معارفَه الواسعةَ بعلم الحديثِ وطرق مروياتِه لأمهاته: فانظر: رقم (٨) و(٣١) و(٤٠) و(٤٣) و(٤٥) و(٧١) و(٨٥) و(١٢٦) و(١٣٧) و(١٧٨) و(١٨٣) و(١٨٤) و(١٨٥) و(١٨٦) و(١٨٧) و(١٨٨) و(٢٤٤) و(٢٥٠) و(٢٥١) و(٢٥٢) و(٢٦٧) و(٣٢٥) و(٣٤٣) و(٣٤٦) و(٣٥٥) و(٣٥٦) و(٣٥٧) و(٣٥٨) و(٣٥٩) و(٣٦٠) و(٣٦١) و(٣٦٢) و(٣٦٣) و(٣٦٤) و(٣٦٥) و(٣٦٦) و(٣٦٨) و(٣٧٢) و(٣٧٣) و(٣٧٤) (٣٧٥).
[ ١ / ٨ ]
وكلِّ ما قيل فيهم من تعديل أو جَرْح، وغيرُ ذلك كثيرٌ، حتى بات حُجَّتَه وناقِدَه، مما ساعد ذلك الإمامَ الشوكانيُّ في متابعة حياتِه العلميةِ والعمليةِ بالتدريس والتأليفِ في فنون عدة، رُغمَ مشاغلِه ومسؤولياتِه، وشراسةِ خصومِه، وجَهالةِ الجامدين المتعصّبين، وميلهم إلى التقليد، وإعراضِهم عن العمل بالبرهان.
ولْنستمع إليه وهو يُخبرنا عن ذلك في كتابه: "أدب الطلب" (^١): "وإني أُخبرُك أيها الطالبُ عن نفسي، وعن الحوادث الجاريةِ بيني وبين أهلِ عصري، ليزدادَ يقينُك وتكونَ على بصيرة فيما أرشدتُك إليه: … كنتُ بعد التمكّنِ من البحث عن الدليل والنظرِ في مجاميعه أذْكُر في مجالس شيوخي، ومواقفِ تدريسِهم، وعند الاجتماعِ بأهل العلم، ما قد عرَفتُه من ذلك، لا سيما عند الكلام في شيء من الرأي مُخالفٍ للدليل، أو عند ورود قول عالمٍ من أهل العلم قد تمسَّك بدليل ضعيف وترك الدليلَ القويَّ، أو أخْذٍ بدليل عامٍ وبعمل خاصٍّ أو بمطلقٍ وطرحَ المقيّدَ، أو بمُجمل ولم يَعرِفْ المبيَّنَ، أو بمنسوخٍ ولم يَنتَبِهْ للناسخ، أو بأوَّل ولم يعرِفْ بآخرَ، أو بمحضِ رأْيٍ ولم يبلُغْه أن في تلك المسألةِ دليلًا يتعيّن العمل به، فكنتُ إذا سمِعتُ بشيء من هذا، لا سيما في مواقف المتعصبين، ومجامع الجامدين - تكلمتُ بما بلغتْ إليه مقدرتي، وأقلُّ الأحوال أن أقول: استدل هذا بكذا، وفلانٌ المخالفُ له بكذا، ودليلُ فلانٍ أرجحُ لكذا، فما زال أُسَراءُ التقليدِ يستنكرون ذلك ويستعظمونه، لعدم الفهمِ به، وقَبولِ طبائعِهم له حتى ولّد ذلك في قلوبهم من العداوة والبغضاءِ ما اللَّهُ به عليمٌ.
ثم كنتُ إذا فرغتُ من أخذ فنٍ من الفنون، أو مصنَّفِ من المصنفات على شيوخي - أقبل جماعةٌ من الطلبةِ إليَّ، وعوَّلوا عليَّ في تدريسهم في ذلك، فكان يأخذُ أترابي شيء من الحسد الذي لا يخلو عنه إلا القليلُ، ثم تكاثر الطلبةُ عليَّ في علوم الاجتهادِ وغيرِها، وأخذوا عني أخذًا خاليًا عن التعصب، سالمًا من الاعتساف، فكنتُ أقرِّر لهم دليلَ كلِّ مسألةٍ، وأوضح لهم الراجحَ فيها وأصرح لهم بوجوب المصير إلى ذلك، وكانوا قد تمرّنوا وعرَفوا علومَ الاجتهاد، وذهب عنهم
_________________
(١) ص ٣٨ - ٤٠ بتحقيقنا.
[ ١ / ٩ ]
ما تكدَّرت به فِطَرُهم من المغيِّرات، فزاد ذلك المخالِفين عداوةً ومناعةً وحسدًا وبغضًا، وأطلقوا ألسنتَهم بذلك، وكان مع ذلك تردُ إليَّ أبحاثٌ من جماعة من أهل العلمِ الساكنين بصنعاءَ، وغيرِهم من أهل البلاد البعيدة والمدائنِ النائية، فأحرِّر الجواباتِ عليهم في رسائلَ مستقلةٍ، مما يرغّب تلامذتي لتحصيل ذلك، وتنتشر في الناس، فإذا وقف عليه المتعصبون، ورأوه يخالِف ما يعتقدون، استشاطوا غضبًا، وعرَضوا ذلك على من يرجون منه الموافقةَ والمساعدةَ، فمِن ثالِبٍ بلسانه، ومُعترضٍ بقلمه، وأنا مُصمِّمٌ على ما أنا فيه، لا أنثني عنه، ولا أَميل عَن الطريقة التي أنا فيها، وكثيرًا ما يرفعون ذلك إلى من لا عِلمَ عنده من رؤساء الدولةِ الذين لهم في الناس شهرةٌ وصَولةٌ، فكان في كل حينٍ يبلُغني من ذلك العَجبُ، ويناصحني مَنْ يُظهر لي المودَّةَ، وَمَنْ لا تخفى عليه حقيقةُ ما أقولُه وحقِّيتُه، مع اعترافهم بأن ما أسلُكُه هو ما أخذه اللَّهُ على الذين حمَلوا الحجةَ، لكنهم يتعلَّلون بأن الواجب يسقُط بدون ذلك، ويذكرون أحوالَ أهلِ الزمان، وما هم عليه، وما يخشَونه من العواقب، فلا أرفع لذلك رأسًا، ولا أعوِّل عليه … " اهـ.
وأما كتابُ (نيل الأوطار) فإنه يُعَدّ من أجلِّ مؤلفاتِ الإمام الشوكانيِّ وأشهرِها، بل لعله أكثرُها متانةً تُنْبئ عن عظيم الجُهدِ المبذولِ فيه، رغم أنه يعتبر باكورةَ نتاجِه العلميِّ الموسوعيِّ الكبير.
وقد شرَع في تأليفهِ بإرشاد شيخيه العالِمَيْن الكبيرين عبدِ القادر بن أحمدَ والحسنِ المَغربِي وأتمَّه بعد موتِهما، أي في بداية تولّيه منصِب القضاءِ الأكبرِ عام - ١٢٠٩ هـ - ١٧٩٤ م - فقد توفي الأول عام - ١٢٠٧ هـ - ١٧٩٢ م - والآخر في السنة التي تليها (^١).
وبهذا توفر للشوكاني عواملُ التفرُّغِ الكاملِ قبلَ الانشغالِ بالقضاء الذي شكا منه كثيرًا، واستقامت له غزارةُ المعارفِ التي نهل من مَعينها، وارتباطُه بكل المصادرِ والمراجع تدريسًا وانطلاقًا في مرحلة متقدمةِ هي بلوغُه درجةَ الاجتهادِ وتصدّرُه قبل ذلك للإفتاء.
_________________
(١) البدر الطالع: (١/ ١٩٧).
[ ١ / ١٠ ]
ومع ذلك فقد اعتذر في البداية لمشايخه من عدم القيامِ بشرح "المنتقى" متعللًا بأسباب عديدة. ولنستمع إليه وهو يقول: " … حَمَلَ حسنُ الظنِّ بي جماعةً من حَمَلةِ العلمِ، بعضُهم من مشايخي على أن التمسُوا مني القيامَ بشرحِ هذا الكتاب - المنتقى - وحسَّنوا لي السلوكَ في هذهِ المسالكِ الضيِّقةِ التي يتلوَّنُ الخِرِّيتُ في مُوعِراتِ شِعَابها والهضابِ، فأخذتُ في إلقاءِ المعاذيرِ، وأبنتُ تعسُّرَ هذا المقصِدِ على جميع التقادير، وقلتُ: القيامُ بهذا الشأنِ يحتاجُ إلى جُمْلَةٍ من الكُتبِ يعِزُّ وجودُها في هذهِ الديارِ. والموجودُ منها محجوبٌ - بأيدي جماعةٍ - عن الأبصارِ بالاحتكارِ والادِّخارِ، كما تُحجبُ الأبكارُ. ومعَ هذا فأوقاتي مُسْتَغرَقةٌ بوظائفِ الدرسِ والتدريسِ، والنَّفْسُ مؤْثرةٌ لمُطارحةِ مهَرةِ المتدرِّبين في المعارِفِ على كُلِّ نفيسٍ، ومَلَكتي قاصِرَةٌ عن القدْرِ المعتَبرِ في هذا العلم الذي قد درَس رسمُه، وذهبَ أهلُه منذ أزمانٍ قد تصرّمتْ فلم يبقَ بأيدي المتأخرين إلا اسمُهُ، لا سيَّما وثوبُ الشبابِ قَشِيبٌ، ورِدْنُ الحَداثةِ بمائِها خصيبٌ، ولا ريبَ أن لعلوِّ السِّنِّ وطولِ الممارسةِ في هذا الشأنِ أوفرَ نصيبٍ.
فلمَّا لم ينفعْني الإِكثارُ من هذه الأعذار، ولا خَلَّصني من ذلكَ المطلَبِ ما قدَّمْتُه من الموانعِ الكِبار صمَّمْتُ على الشروع في هذا المقصِدِ المحمود، وطمِعْتُ أن يكون قد أُتيح لي أنِّي مِنْ خدَمِ السُّنَّةِ المطهَّرةِ معدودٌ، وربما أدركَ الطالعُ شأوَ الضليعِ، وعُدَّ في جملةِ العقلاءِ المتعاقِلُ الرقيعُ … " اهـ (^١).
وقد اشتمل "نيل الأوطار" على مزايا قلَّ أن توجدَ في غيره من الكتب المؤلّفةِ في أدلة الأحكام.
(منها): أنه تعرّض لتخريج الحديثِ وبيان طُرقِه، واختلافِ ألفاظِه، وما قيل فيه من صِحّة أو ضَعف، وسبب ضعفه، وأقوالِ أئمةِ هذا الشأنِ فيه، وإبداءِ رأْيهِ في ذلك.
(ومنها): كشفُ معاني ألفاظِ الحديثِ في الغالب، وأقوالِ علماءِ اللغةِ فيها، وبيانُ اشتقاقِها إذا احتاج الأمرُ لذلك، مع إيضاح معناها الاصطلاحي الشرعيّ.
_________________
(١) نيل الأوطار: (١/ ٢ - ٣) ط: دار الجيل - بيروت.
[ ١ / ١١ ]
(ومنها): استنباطُ أحكامِ الفقهِ منها، ووجهُ دِلالتِها عليها، وأقوالُ علماءِ الصحابةِ والتابعين فيها، وبيانُ مذاهبِ علماءِ الأمصار ومن احتج منهم بالحديث ومن لم يحتجَّ به، وحجةِ كل مع بيان الراجح في ذلك عنده بدون تعصبٍ ولا تعسُّف. ونصر ما ظنّه الحقَّ بقدْر ما بلغتْ إليه مَلَكتُه ولو خالف الجمهورَ.
ولذلك قال في خطبته: "وأما في مواطن الجدالِ والخِصامِ فقد أخذتُ فيها بنصيب من إطالة ذيولِ الكلامِ لأنها معاركُ تَبين عندها مقاديرُ الفحول، ومفاوِزُ لا يقطع شعابَها إلا نحاريرُ الأصول، ومقاماتٌ تنكَسِرُ فيها النِّصالُ على النِّصَالِ، ومواطنُ تُلجَم عندها أفواهُ الأبطالِ بأحجار الجِدال، ومواكبُ تُعرفُ فيها جباهُ رجالِ حلِّ الإشكالِ والإعضال - إلى أن قال - فدونك مَن لم تذهبْ ببصر بصيرتِه أقوالُ الرجال، ولا تدنّستْ فطرةُ عزماتِه بالقيل والقال، شرحًا يشرح الصدور، ويمشي على سَنن الدليلِ، وإن خالف الجمهور" (^١).
(ومنها): تطبيقُ الأحكامِ الجُزْئيةِ الفرعية، على القواعد الأصولية، مع ذكر أقوالِ فحولِ علماءِ الأصولِ في ذلك.
ولمّا كان الكمالُ المطلقُ إنما هو لله سبحانه فقد وقع الإمامُ الشوكانيُّ في بعض الأخطاءِ التي لا يسلَمُ من أمثالها بشرٌ، لذلك جاء تحقيقُ الكتاب تتويجًا لعمله الجليلِ حيث تم - ضمن التحقيق - استدراكُ الأخطاءِ التي وقع فيها حسب ما وصل إليه جُهدي البشريُّ الذي قد لا يسلم هو أيضًا من الخطأ.
ومن أمثال هذا الاستدراكِ:
١ - يعزو الإمامُ الشوكانيُّ الحديثَ أحيانًا إلى من لم يخرِّجْه من أئمة الحديثِ، فأنبّه على ذلك.
٢ - يأتي الحكمُ منه على بعض رجالِ السندِ بالتوثيق أو التضعيفِ، وهو على خلاف ذلك عند أئمة الجرحِ والتعديل، فأنبِّه على ذلك.
٣ - يقع الخطأ في اسم الراوي، فأصحح ذلك.
٤ - نجد أحيانًا أن نقلَه لكلام بعض أهلِ العلمِ فيه إخلالٌ بزيادة أو نقصٍ، فأُثبِتُ
_________________
(١) نيل الأوطار: (١/ ٣) ط: دار الجيل - بيروت.
[ ١ / ١٢ ]
النصَّ الأصليَّ، أو أنبه على مصدره ليتيسَّرَ للقارئ الرجوعُ إليه.
وأما موقعُ كتاب "نيل الأوطار" بالنسبة للكتب النافعة التي ألفها الإمامُ الشوكانيُّ، فهو باكورةُ نتاجِه العلميِّ الموسوعيِّ، ثم يليه "وبلُ الغمام على شفاء الأُوام" (^١) ثم "متنُ الدررِ البهية في المسائل الفقهية" (^٢) ثم "الدراري المُضية" (^٣) ثم "فتح القدير" (^٤) ثم "السيلُ الجرّار" (^٥).
* * *
وأما منهجُ الشوكانيِّ لشرح "المنتقى" فأوضحه بالآتي:
١ - بيانُ حالِ الحديث، وتفسيرُ غريبِه، وما يُستفاد منه بكل الدلالات.
٢ - ضَمَّ إلى كل حديثٍ - في الغالب - بقيةَ الأحاديثِ الواردةِ في الباب مما لم يذكُره صاحبُ المنتقى.
٣ - ضبط الأسماءَ وصحَّح ما كان مَظِنةَ تحريفٍ أو تصحيف، مع بيان حالِ من وُجد منهم في حاجة إلى التنبيه.
٤ - لم يقم بترجمة الرواةِ لتوفر ذلك في كُتُب التراجم.
٥ - جعل ما كان لابن تيميةَ من الكلام على فقه الأحاديث، وما يَستطرد إليه من الأدلة في غضونهِ، من جملة الشرح في الغالب، إلا أنه كان ينسِبُ ذلكَ إليه، ثم يتعقّب ما ينبغي تعقُّبهُ عليه، وتكلم فيما رأى أنه لا يحسُنُ السكوتُ عليه، ومما لا يستغنى عنه.
٦ - مراعاتُه الشديدةُ للاختصار بقدر الإمكان، عملًا بنصيحة شيخِه العلامةِ عبدِ القادرِ بن أحمدَ (^٦).
فلذا جاء هذا الشرحُ كما أراد له صاحبُه شرحًا وافيًا، كما ذكر في مقدمته:
_________________
(١) طبع بتحقيقنا. في مجلدين. ط: دار ابن تيمية - القاهرة.
(٢) طبع بتحقيقنا. في مجلد. ط: دار الفكر - بيروت.
(٣) طبع بتحقيقنا. ط: أولى. في مجلدين. ط: ثانية. مزيدة ومنقحة. ط: مكتبة الإرشاد: صنعاء.
(٤) قيد الإعداد. أعاننا الله على إتمامه.
(٥) طبع بتحقيقنا. في ثلاثة مجلدات. ط: دار ابن كثير - دمشق - بيروت.
(٦) البدر الطالع: (١/ ٣٦٠).
[ ١ / ١٣ ]
"يمشي على سَننِ الدليلِ، وإن خالفَ الجمهورَ، وإني مُعْتَرفٌ بأن الخطأ والزَّلَلَ هما الغالبان على مَنْ خَلَقهُ اللَّهُ من عجلٍ، ولكنِّي قد نصرتُ ما أظنُّه الحقَّ بمقدار ما بلغت إليه الملَكةُ، ورُضْتُ النفسَ حتى صَفَتْ عن قَذَرِ التعصُّبِ الذي هو بلا ريبٍ الهلكةُ" (^١).
وكذلك حدد الشوكانيُّ مصادِرَه التي اعتمد عليها، من حديثيَّة، وفقهيَّة، ولُغَوية، وتاريخية، وكتب "الجرح والتعديل"، وفيما يلي نذكر أهمَّها:
١ - صحيحُ البخاري. محمد بن إسماعيل (ت: ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م).
٢ - صحيح مسلم. مسلم بن الحجاج. (ت: ٢٦١ هـ/ ٨٧٥ م).
٣ - مسندُ أحمدَ بن حنبل. (ت: ٢٤١ هـ/ ٨٥٥ م).
٤ - سُنن ابن ماجه. محمد بن يزيدَ القزويني. (ت: ٢٧٣ هـ/ ٨٨٦ م).
٥ - سنن أبي داودَ. سليمانَ بن الأشعثِ السِّجستاني. (ت: ٢٧٥ هـ/ ٨٨٩ م).
٦ - جامع التِرمذي. محمد بن عيسى. (ت: ٢٧٩ هـ/ ٨٩٢ م).
٧ - سنن النسائي. أحمد بن علي. (ت: ٣٠٣ هـ/ ٩١٥ م).
٨ - سنن الدارَقُطني. علي بن عمر. (ت: ٣٨٥ هـ/ ٩٩٥ م).
٩ - مستدرَكُ الحاكم النيسابوري. (ت: ٤٠٤ هـ/ ١٠١٤ م).
١٠ - سننُ البيهقي. أحمد بن الحسين. (ت: ٤٥٨ هـ / ١٠٦٦ م).
١١ - معاجمُ الطبراني (الكبير، والأوسط، والصغير). سلمان بن أحمد. (ت: ٣٦٠ هـ/ ٩٧١ م).
١٢ - مجمعُ الزوائدِ للهيثمي. علي بن أبي بكر. (ت: ٨٠٧ هـ/ ١٤٠٥ م).
١٣ - الجامعُ الكبيرُ. للسيوطي (عبد الرحمن). (ت: ٩١١ هـ/ ١٥١٥ م).
١٤ - تيسيرُ الوصول إلى جامع الأصولِ. لابن الديبع (ت: ٩٤٤ هـ / ١٥٧٦ م).
١٥ - شرحُ صحيحِ مسلم. للنووي (ت: ٦٧٦ هـ / ١٢٧٧ م).
١٦ - سبلُ السلام الموصلة إلى بلوغ المرام. لابن الأمير الصنعاني. (ت: ١١٨٢ هـ / ١٧٦٩ م).
_________________
(١) نيل الأوطار: (١/ ٣).
[ ١ / ١٤ ]
١٧ - المحلَّى. لابن حزم الأندلسي. (ت: ٤٥٦ هـ ١٠٦٤ م).
١٨ - المجموعُ شرحُ المهذب. للنووي. (ت: ٦٧٦ هـ / ١٢٧٧ م).
١٩ - الإحكامُ في أصول الأحكام. لابن حزم الأندلسي. (ت: ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م).
٢٠ - فتحُ الباري شرحُ صحيحِ البخاري. لابن حجر العسقلاني. (ت: ٨٥٢ هـ/ ١٤٤٩ م).
٢١ - تلخيصُ الحبير. لابن حجرٍ العسقلاني. (ت: ٨٥٢ هـ ١٤٤٩ م).
٢٢ - تهذيبُ التهذيب. لابن حجر العسقلاني. (ت: ٨٥٢ هـ / ١٤٤٩ م).
٢٣ - تقريبُ التهذيب. لابن حجر العسقلاني. (ت: ٨٥٢ هـ / ١٤٤٩ م).
٢٤ - لسانُ الميزان. لابن حجر العسقلاني. (ت: ٨٥٢ هـ / ١٤٤٩ م).
٢٥ - البحرُ الزخّار في مذاهب علماءِ الأمصار. لأحمدَ بن يحيى المرتضى. (ت: ٨٤٠ هـ / ١٤٣٧ م).
٢٦ - أساسُ البلاغة. للزمخشري. (ت: ٥٣٨ هـ / ١١٤٤ م).
٢٧ - شمس العلوم في اللغة. لنشوان الحِمْيَري. (ت: ٧٥٣ هـ / ١١٧٨ م).
٢٨ - العِللُ. للدارقطني. (ت: ٣٨٥ هـ/ ٩٩٥ م).
٢٩ - النهايةُ في غريب الحديث لابن الأثير. (ت: ٦٠٦ هـ).
٣٠ - الثقاتُ لابن حبان (ت: ٣٥٤ هـ/ ٩٦٥ م).
٣١ - نوادرُ الأصول للحكيم الترمذي (ت: ٢٥٥ هـ).
٣٢ - الزهدُ لابن المبارك. (ت: ١٨١ هـ).
٣٣ - المصنّف لابن أبي شيبةَ. (ت: ٢٣٥ هـ).
وغيرُ ذلك من كتب السيرةِ والتراجمِ والتاريخ، التي يشير إليها في أماكنها.
* * *
قد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ، هل سبق أحدٌ من العلماء الشوكانيُّ بشرح المنتقى؟.
فأقول: نعم، لقد سبقه بشرح المنتقى والكتابةِ عليه أئمةٌ كرامٌ، وخِيرةٌ من العلماء والأعلام:
[ ١ / ١٥ ]
كالحافظ/ محمدِ بن أحمدَ بن عبد الهادي المقدِسي (ت: ٧٧٤ هـ).
والعلامة/ سراجُ الدينُ عمرُ بنُ الملقِّن الشافعيُّ. (ت: ٨٠٤ هـ). ولكنه لم يُتِمَّه.
والعلامةِ/ أبي العباس. أحمدَ بن المُحسنِ القاضي ابن قاضي الجبل الحنبلي. (ت: ٧٧١ هـ) ولم يُتمَّه أيضًا.
إلا أن هذه الكتاباتِ لم يقدَّر لها أن ترى النورَ - فيما أعلم -.
فكانت المكتبةُ الإسلاميةُ متلهِّفةً للجُهد الذي بذله الإمامُ الشوكانيُّ ﵀ لأن المجْدَ بنَ تيميةَ ﵀ لم يُبيِّنْ درجةَ الحديث من الصِحّة والحُسْنِ والضَّعف، بل يرويه ويسكُت عليه، وقد كان ذلك البيانُ ضروريًا، حتى إنه يسوق حديثَ الترمذي ولا يذكر ما ذكره التِرمذي فيه من بيان حاله، من الغرابة أو الضَّعف أو الشذوذِ أو النَّكارة، أو نحوِ ذلك.
* * *
وختامًا أقول: إن كتابَ "نيل الأوطار" اتّسم بالجَهد الكبيرِ الذي بذله الإمامُ الشوكانيُّ في تقضيه الأدلةَ في مختلف المسائلِ باجتهاد متحرِّرِ من التعصب المذهبي، أو النظرة الضيِّقة البعيدةِ عن المقاصد العامةِ للشريعة، وهذا ما جعله مقبولًا بل معتمَدًا في مختلف الأوساطِ العلمية.
فعلينا أن نعرِف لله الكريم نعمتَه، وللرسول الرحيم مزيَّتَه، ولعلمائنا الأفاضلِ قيامَهم على التَّرِكة المبارَكة قيامَ الناصحِ الأمين، وما بذلوا في نُصرتها وإعلاءِ كلمِتها المُهَجَ والأموالَ وكلَّ غالٍ ونفيس. فأيدهم اللَّهُ بنصره، وآتاهم من عظيم فضلِه، وجعلهم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس.
[ ١ / ١٦ ]