والحديث يدل على أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، وقد ذهب إلى ذلك عبد الله بن سَرْجِس الصحابي (^٨). ونسبه ابن حزم (^٩) إلى الحكم بن
_________________
(١) في "التاريخ الكبير" (٤/ ١٨٤ - ١٨٥)، ونقل ذلك الترمذي.
(٢) انظر: "المجموع" (١/ ٢٠٦) و(٢/ ٢٢١).
(٣) (١/ ٣٠٠).
(٤) في السنن (رقم ٨١).
(٥) في السنن (١/ ١٣٠ رقم (٢٣٨). قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١١١) و(٥/ ٣٦٩) بسند صحيح.
(٦) (١/ ٣٠٠).
(٧) رقم (٦/ ٦) بتحقيقنا.
(٨) عبد الله بن سَرْجِس - بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، وبعدها مهملة - المزني: صحابي جليل، قال البخاري وابن حبان: "له صحبة ونزل البصرة" وله عن النبي ﷺ أحاديث عند مسلم وغيره. وروى أيضًا عن عمر وأبي هريرة. [انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" (٧/ ٥٨ - ٥٩)؛ و"تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٢٦٩ رقم ٣٠٠)؛ و"العقد الثمين" (٥/ ١٦٥ - ١٦٦) رقم (١٥٣١)؛ و"سير أعلام النبلاء" (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧ رقم ٧٤)]. • أخرج الدارقطني في سننه (١/ ١١٧ رقم ٢) عن عبد الله بن سرجس قال: "تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها". قال الدارقطني عقبه: "وهذا موقوف صحيح، وهو أولى بالصواب".
(٩) في "المحلى" (١/ ٢١٢ - ٢١٣).
[ ١ / ١٧٩ ]
عمرو راوي الحديث (^١)، وجويرية (^٢) أم المؤمنين، وأم سلمة، وعمر بن الخطاب، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري (^٣)، وهو أيضًا قول أحمد (^٤) وإسحق (^٥) لكن قيداه بما إذا خلت به.
وروى عن ابن عمر (^٦) والشعبي (^٧) والأوزاعي (^٨) المنع لكن مقيدًا بما إذا كانت المرأة حائضًا. ونقل الميموني عن أحمد (^٩): "أن الأحاديث الواردة في منع
_________________
(١) أي حديث الباب (٩/ ٩) الصحيح. قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١/ ٤٩٧): "وحديث أبو حاجب عن الحكم الغفاري: أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة، إن كان صحيحًا فمنسوخ بإجماع الحجة على خلافه".
(٢) أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٤): "عن كلثوم بن عامر أن جويرية بنت الحارث توضأت فأردت أن أتوضأ بفضل وضوئها فنهتني".
(٣) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (١/ ١٠٥ رقم ٣٧٥) وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٤) عن قتادة، قال: سألت الحسن وابن المسيب، عن الوضوء بفضل المرأة، فكلاهما نهاني عنه".
(٤) حكى أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص ٤: قال: سمعت أحمد سئل عن الوضوء بفضل وضوء المرأة؟ قال: إن خلت به فلا، قيل: فإن لم تخل؟ قال: فلا بأس، كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد. وانظر: مسائل عبد الله بن أحمد في مسائل والده ص ٨.
(٥) حكى عنه ابن منصور في مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه (١/ ١٤).
(٦) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (١/ ١٠٨ رقم ٣٨٦): عن ابن عمر قال: "لا بأس بالوضوء من فضل شراب المرأة وفضل وضوئها ما لم تكن جنبًا أو حائضًا، فإذا خلت به فلا تقربه". قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ٣٠٠): "وثبت عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع لكن مقيدًا بما إذا كانت حائضًا".
(٧) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (١/ ١٠٨ رقم ٣٩٠) وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٤ - ٣٥) عن جابر عن الشعبي قال: لا بأس بسؤر الحائض والجنب، فلم ير به بأسًا".
(٨) حكى ابن عبد البر في "الاستذكار" (٣/ ١٢٩ رقم ٣٠٥٤)؛ قال الوليد بن مسلم: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: لا بأسَ بفضلِ وضوءِ المرأةِ إلا أن تكون حائضًا أو جُنُبًا".
(٩) ذكره الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٠). قلت: وقد قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ١٢٩) رقم (١٦٩٨): "الآثار في الكراهية =
[ ١ / ١٨٠ ]
[التطهير] (^١) بفضل وضوء المرأة وفي جوازه مضطربة، لكن قال: صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به، وعورض بأن الجواز أيضًا نقل عن عدة من الصحابة منهم: ابن عباس" واستدلوا بما سيأتي من الأدلة.
وقد جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي (^٢)، وأحسن منه ما جمع به الحافظ في الفتح (^٣) من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز الآتية.
١٠/ ١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمونَة، رَواهُ أحمد (^٤) ومُسْلِمٌ) (^٥). [صحيح]
١١/ ١١ - (وَعنِ ابْنِ عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأ بِفَضْلِ غُسْلِهَا مِنَ الجَنَابَة. رواه أحْمَدُ (^٦)، وابن ماجَهْ (^٧). [صحيح]
١٢/ ١٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ في جَفْنَةٍ فجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأ مِنْهَا أوْ يَغْتَسِلَ، فَقَالتْ له: يَا رَسُولَ الله إنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فقال: "إن الماءَ لا يَجْنُبُ". رواه أحْمَدُ (^٨) وأبو دَاوُدَ (^٩) والنَّسائي (^١٠)
_________________
(١) = في هذا الباب مضطربةٌ لا تقوم بها حجةٌ، والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة … وعلى ذلك جماعة أئمةِ الفتوى".
(٢) في (جـ): (التطهر).
(٣) انظر: "معالم السنن" للخطابي (١/ ٥٢ - هامش السنن) ط: دار ابن حزم - بيروت.
(٤) في "فتح الباري" (١/ ٣٠٠).
(٥) في المسند (١/ ٣٦٦).
(٦) في صحيحه (١/ ٢٥٧ رقم ٤٨/ ٣٢٣). وهو حديث صحيح.
(٧) في المسند (٦/ ٣٣٠).
(٨) في السنن (١/ ١٣٢ رقم ٣٧٢). وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/ ١٥٦ رقم ١٥٤): "قلت: رواه أصحاب السنن الأربعة من هذا الوجه فلم يذكروا حديث ميمونة فلهذا أخرجته … ". وهو حديث صحيح.
(٩) في المسند (١/ ٢٣).
(١٠) في السنن (رقم ٦٨).
(١١) في السنن (١/ ١٧٣ رقم ٣٢٥).
[ ١ / ١٨١ ]
والتَّرْمِذِي (^١)، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح]
حديثه الأول مع كونه في صحيح مسلم قد أعله قوم بتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني فذكر الحديث. وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد. وأعلّ أيضًا بعدم ضبط الراوي ومخالفته، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان (^٢) بلفظ: "إنَّ النبيَّ ﷺ وميمونَة كانا يغتسلانِ من إناءٍ واحدٍ" وحديث الآخر أخرجه أيضًا الدارقطني (^٣) وصححه ابن خزيمة وغيره، كذا قال الحافظ في الفتح (^٤). وقال الدارقطني قد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم.
قوله: (لا يجنب) في نسخة بفتح الياء التحتية وفي أخرى بضمها، فالأولى من جنُب بضم النون وفتحها، والثانية من أجنب. قال في القاموس (^٥): "وقد أجْنَبَ وجَنِبَ وجَنُبَ واسْتَجْنَبَ، وهو جُنُبْ يَستوي للواحِدِ والجمعِ" اهـ.
وظاهر حديثي ابن عباس، وميمونة، معارض لحديث الحكم السابق، وحديث الرجل الذي من الصحابة، فيتعين الجمع بما سلف. لا يقال: إن فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله الخاص بالأمة. لأنا نقول: إن تعليله الجواز بأن الماء لا يجنب مشعر بعدم اختصاص ذلك به. وأيضًا النهي غير مختص بالأمة، لأن صيغة الرجل تشمله ﷺ بطريق الظهور، وقد تقرر دخول المخاطب في خطاب نفسه، نعم، لو لم يرد ذلك التعليل كان فعله ﷺ مخصصًا له من عموم الحديثين
_________________
(١) في السنن (١/ ٩٤ رقم ٦٥). وقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٣٢ رقم ٣٧٠، ٣٧١) وابن خزيمة (١/ ٥٧ رقم ١٠٩) والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٩) وقال: لا يحفظُ له علة. وانظر: "الإرواء" للمحدث الألباني رقم (٢٧). وخلاصة القول أن الحديث صحيح والله أعلم.
(٢) البخاري (١/ ٣٦٦ رقم ٢٥٣) ومسلم (١/ ٢٥٧ رقم ٤٧/ ٣٢٢) من حديث ابن عباس.
(٣) في السنن (١/ ٥٢ رقم ٣) وقال الدارقطني: "اختلف في هذا الحديث على سماك ولم يقل فيه عن ميمونة غير شريك".
(٤) أي: "فتح الباري" (١/ ٣٠٠).
(٥) القاموس المحيط ص ٨٩.
[ ١ / ١٨٢ ]
السابقين. وقد نقل النووي (^١) الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وتعقبه الحافظ (^٢) بأن الطحاوي قد أثبت فيه الخلاف.
قال المصنف (^٣) رحمه الله تعالى: "قلت: وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فَضْل طَهور المرأة. والأخبار بذلك أصح. وكرهه أحمد وإسحق إذا خلت به، وهو قول عبد الله بن سَرْجِس، وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به، جمعًا بينه وبين حديث الحكم.
فأما غسل الرجل والمرأة ووضوؤهما جميعًا فلا اختلاف فيه. قالت أم سلمة: "كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة" متفق عليه (^٤). وعن عائشة قالت: "كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ تختلِفُ أيدينا فيه من الجنابة" متفق عليه (^٥). وفي لفظ للبخاري (^٦): "من إناءٍ واحدٍ نَغْتَرفُ منه جميعًا". ولمسلم (^٧): "مِنْ إناءِ بَيْنِي وَبينَهُ واحِدِ فيُبَادِرُنِي حتى أقول: دَعْ لِي، [دع لِي] (^٨) "، وفي لفظ النسائي (^٩): "مِنْ إناءٍ واحدٍ يبادِرُني وأبادِرُهُ حتى يقولَ: دَعي لِي، وأنا أقول: دع لي". اهـ. وقد وافق المصنف في نقل الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد جميعًا الطحاوي (^١٠) والقرطبي (^١١) والنووي (^١٢)، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر (^١٣) عن أبي هريرة أنه
_________________
(١) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٢).
(٢) في "فتح الباري" (١/ ٣٠٠).
(٣) صاحب المنتقى في "المنتقى" (١/ ١٢ - ١٣).
(٤) البخاري (١/ ٤٢٢ رقم ٣٢٢)؛ ومسلم (١/ ٢٥٧ رقم ٤٩/ ٣٢٤)؛ وأحمد (٦/ ٣٠٠).
(٥) البخاري (١/ ٣٧٣ رقم ٢٦١)؛ ومسلم (١/ ٢٥٦ رقم ٤٥/ ٣٢١)؛ وأحمد (٦/ ١٠٣).
(٦) في صحيحه (١/ ٣٨٢ رقم ٢٧٣).
(٧) في صحيحه (١/ ٢٥٧ رقم ٤٦/ ٣٢١).
(٨) زيادة من (أ).
(٩) في السنن (١/ ١٣٠ رقم ٢٣٩).
(١٠) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦).
(١١) في كتابه "الجامع لأحكام القرآن" (١٣/ ٥٤ - ٥٥).
(١٢) في شرح صحيح مسلم (٤/ ٢).
(١٣) في "الأوسط" (١/ ٢٩١). =
[ ١ / ١٨٣ ]
كان ينهي عنه؛ وحكاه ابن عبد البر (^١) عن قوم.