والحديث يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه سواء كان قليلًا أو كثيرًا ولو تغيرت أوصافه أو بعضها، لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن الطهورية فكان الاحتجاج به لا بتلك الزيادة كما سلف، فلا ينجس الماء بما لاقاه، ولو كان قليلًا إلا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس (^١) وأبو هريرة (^٢) والحسن البصري (^٣) وابن المسيِّب (^٤) وعكرمة (^٥) وابن أبي ليلى (^٦) والثوري (^٧) وداود الظاهري والنخعي وجابر بن زيد (^٨) ومالك (^٩) والغزالي (^١٠)، ومن أهل البيت (^١١): القاسم والإمام يحيى.
وذهب ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل وإسحق، ومن أهل البيت: الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب والناصر إلى أنه ينجس القليل بما لاقاه
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (١/ ٢٩٨ رقم ١١٤٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٠٨) وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٦٧): "عن يحيى بن عبيد الهمداني قال: قلت لابن عباس: أتطهر من ماء الحمام فإنه يغتسل منه الجنب وغير الطاهر؟ فقال: إن الماء لا ينجس".
(٢) أخرج ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨): عن حبيب بن شهاب العبدي عن أبيه قال: قلت لأبي هريرة: السؤرة في الحوض، تصدر عنها الإبل، تردها السباع وتلغ فيها الكلاب ويشرب منها الحمار؟ قال: لا يحرم الماء شيء".
(٣) حكاه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٦٦).
(٤) أخرج بن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٤٣) عن داود عن ابن المسيب قال: أنزل الله الماء طهورًا فلا ينجسه شيء، وربما قال: لا ينجسه شيء. قال داود: وذلك أننا سألناه عن الغدران والحياض تلغ فيها الكلاب".
(٥) أخرج أثره عبد الرزاق في "المصنف" (١/ ٧٨ رقم ٢٥٧) وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٤٣).
(٦) حكاه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٦٦).
(٧) حكاه ابن قدامة في المغني (١/ ٣٩).
(٨) أخرج أثره ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٤٣).
(٩) حكاه ابن رشد في "بداية المجتهد" (١/ ٧٣) بتحقيقي.
(١٠) في كتابه "إحياء علوم الدين" (١/ ١٢٩).
(١١) في البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار (١/ ٣٢).
[ ١ / ١٩٠ ]
من النجاسة وإن لم تتغير أوصافه، إذ تستعمل النجاسة باستعماله (^١). وقد قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (^٢) ولخبر الاستيقاظ (^٣)، وخبر الولوغ (^٤) ولحديث: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم" (^٥) وحديث القلَّتين (^٦) ولترجيح الحظر، ولحديث: "استفتِ قلبكَ وإنْ أفتاكَ المفتون" عند أحمد (^٧) وأبي يعلى (^٨) والطبراني (^٩) وأبي نعيم مرفوعًا، وحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، أخرجه النسائي (^١٠) وأحمد (^١١) وصححه ابن حبان (^١٢) والحاكم (^١٣) والترمذي (^١٤) من حديث
_________________
(١) حكاه عنهم المهدي في "البحر الزخار" (١/ ٣٢).
(٢) سورة المدثر: الآية ٥.
(٣) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١/ ١٦٥) و(٢/ ١٦٦) و(٣/ ١٦٧).
(٤) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١٦/ ١٦) و(١/ ١٩) و(٢/ ٢٠).
(٥) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١٥/ ١٥).
(٦) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١٤/ ١٤).
(٧) في المسند (٤/ ٢٢٨).
(٨) في المسند (٣/ ١٦٠ رقم ١/ ١٥٨٦) و(٣/ ١٦٢ رقم: ١٢/ ٥٨٧).
(٩) في المعجم الكبير (ج ٢٢ رقم ٤٠٣). قلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦) والبخاري في التاريخ الكبير" (١/ ١٤٤ - ١٤٥) ففي سند هذا الحديث أمران يوجب كل منهما ضعفه، أحدهما الانقطاع بين الزبير بن عبد السلام وأيوب بن عبد الله بن مِكرز، فإنه رواه عن قوم لم يسمعهم. والثاني: ضعف الزبير هذا. وللحديث شواهد منها في الصحيح، لذا حسَّن الإمام النووي والألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٢٤ رقم ٩٩٨) الحديث. وانظر: "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٩٣ - ٩٦). وخلاصة القول أن الحديث حسن. والله أعلم.
(١٠) في السنن (٨/ ٣٢٧). قلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٢٤٥) والبغوي في "شرح السنة" رقم (٢٠٣٢). كلهم بلفظ: "دَع ما يُرِيُبكَ إلى ما لا يريبك".
(١١) في المسند (١/ ٢٠٠).
(١٢) في صحيحه رقم (٧٢٢). قلت: وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" رقم (٤٩٨٤) والطبراني في الكبير رقم (٢٧١١) و(٢٧٠٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٦٤) كلهم بتمامه مطولًا.
(١٣) في المستدرك (٢/ ١٣) و(٤/ ٩٩). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(١٤) في السنن (٤/ ٦٦٨ رقم ٢٥١٨) وقال: حديث حسن صحيح. =
[ ١ / ١٩١ ]
الحسن بن علي، قالوا: فحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (^١) مخصص بهذه الأدلة.
واختلفوا في حد القليل الذي يجب اجتنابه عند وقوع النجاسة فيه فقيل: ما ظن استعمالها باستعماله، وإليه ذهب أبو حنيفة والمؤيد بالله وأبو طالب. وقيل: دون القلتين (^٢) على اختلاف في قدرهما، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه والناصر والمنصور بالله.
وأجاب القائلون بأن القليل لا ينجس بالملاقاة للنجاسة إلا أن يتغير، باستلزام الأحاديث الواردة في اعتبار الظن للدور لأنه لا يعرف القليل إلا بظن الاستعمال ولا يظن إلا إذا كان قليلًا، وأيضًا الظن لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص، وأيضًا جعل ظن الاستعمال مناطًا يستلزم استواء القليل والكثير. وعن حديث القلتين بأنه مضطرب الإسناد والمتن كما سيأتي (^٣).
_________________
(١) = قلت: وأخرجه الطيالسي في المسند رقم (١١٧٨) كلهم بلفظ: "دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُريبُكَ فإنَّ الصدقَ طُمأنينَةٌ، والشرَّ رِيبَةٌ". وصحح الحديث الألباني في إرواء الغليل (١/ ٤٤ رقم ١٢).
(٢) تقدم تخريجه رقم (١٣/ ١٣) من كتابنا هذا.
(٣) القُلَّةُ: مزادةٌ كبيرة من الماء، وسميت بذلك لأنها تُقَلُّ: أي تُرفع إذا ملئت، وتسع القلة أربعة أصواع بصاع النبي ﷺ، والقُلَّةُ يؤتى بها من ناحية اليمن وتسعُ خمس جرار أو ستًا، وقال الإمام أحمد: كُل قُلّةٍ قِربتان. [غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٢٦٣)]. وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" وهو بذيل السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٦٥): "قد اختلف في تفسير القلتين اختلافًا شديدًا، ففسرتا بخمس قرب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلًا، وباثنين وثلاثين، وبالجرتين مطلقًا، وبالجرتين بقيد الكبر، وبالخابيتين. والخابية الحُبّ. فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها" اهـ. أما حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "إذا بلغ الماءُ قُلَّتيْنِ من قلال هجر لم ينجِّسْه شيء" فهو حديث ضعيف بهذه الزيادة. أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٥٨) في ترجمة: المغيرة بن سقلاب، وقال عنه: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٢٩) عن المغيرة هذا: منكر الحديث. ثم قال: (١/ ٣٠) والحديث غير صحيح يعني بهذه الزيادة.
(٤) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١٤/ ١٤) وهو حديث صحيح، والاضطراب مدفوع.
[ ١ / ١٩٢ ]
والحاصل أنه لا معارضة بين حديث القلَّتين وحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (^١) فيما بلغ مقدار القلتين فصاعدًا فلا يحمل الخبث ولا ينجس بملاقاة النجاسة إلا أن يتغير أحد أوصافه فنجس بالإجماع فيخص به حديث القلتين، وحديث: "لا ينجسه شيء" (١)، وأما ما دون القلتين فإن تغيَّر خرج عن الطهارة بالإجماع وبمفهوم حديث القلتين فيخص بذلك عموم حديث: "لا ينجسه شيء" (١) وإن لم يتغير بأن وقعت فيه نجاسة لم تغيره، فحديث: "لا ينجسه شيء" يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة لِمجرد ملاقاة النجاسة، وحديث القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم قال به في هذا المقام، ومن منع منه منعه فيه.
ويؤيد جواز التخصيص بهذا المفهوم لذلك العموم بقية الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره كما تقدم، وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي إلى ما هو الصواب فيها إلا الأفراد، وقد حققت المقام بما هو أطول من هذا وأوضح في "طيب النشر على المسائل العشر" (^٢) وللناس في تقدير القليل والكثير أقوال ليس [عليه] (^٣) أثارة من علم (^٤) فلا نشتغل بذكرها.
١٤/ ١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ يُسْئَلُ عَنِ المَاءِ يَكُونُ بِالفَلاةِ مِنَ الأرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّباعِ وَالدَّوَابِّ، فَقالَ: "إذا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يحْمِلِ الخبَثَ". رواه الخَمْسَةُ (^٥)، وفي لَفْظِ ابْنِ مَاجَهْ (^٦) وَرِوَايَةٍ لأحْمَدَ (^٧): "لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيءٌ"). [صحيح]
_________________
(١) تقدم تخريجه رقم (١٣/ ١٣) من كتابنا هذا.
(٢) مخطوط. انظر مؤلفات الإمام الشوكاني المخطوطة رقم (١٢٧).
(٣) في (جـ): (عليها).
(٤) انظر التعليقة رقم (٢) من الصفحة ص ١٧٦ من كتابنا هذا.
(٥) أحمد في المسند (٢/ ١٢، ٢٧، ٣٨) وأبو داود في السنن رقم (٦٣) والترمذي (١/ ٩٧ رقم ٦٧) والنسائي (١/ ١٧٥) وابن ماجه (١/ ١٧٢ رقم ٥١٧).
(٦) في السنن رقم (٥١٧).
(٧) في المسند (٢/ ٢٧).
[ ١ / ١٩٣ ]
الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (^١) وابن خزيمة (^٢) وابن حبان (^٣) والحاكم (^٤) والدارقطني (^٥) والبيهقي (^٦) وقال الحاكم (^٧): صحيح على شرطهما. وقد احتجا بجميع رواته. واللفظ الآخر من حديث الباب أخرجه أيضًا الحاكم (٧)، وأخرجه أبو داود (^٨) بلفظ: "لا ينجس"، وكذا أخرجه ابن حبان (^٩). وقال ابن منده (^١٠): إسناد حديث القلتين على شرط مسلم انتهى. ومداره على الوليد بن كثير (^١١) فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير (^١٢)، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر (^١٣)، وقيل:
_________________
(١) في "الأم" (١/ ١١ - ١٢ رقم ٢٤).
(٢) في صحيحه (١/ ٤٩ رقم ٩٢).
(٣) في صحيحه (٤/ ٥٧ رقم ١٢٤٩).
(٤) في المستدرك (١/ ١٣٢).
(٥) في السنن (١/ ١٣ رقم ١).
(٦) في السنن الكبرى (١/ ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢). "ومعرفة السنن والآثار" (٢/ ٩٠ رقم ١٨٨٥). وهو حديث صحيح.
(٧) في المستدرك (١/ ١٣٣).
(٨) في السنن رقم (٦٥).
(٩) في صحيحه رقم (١٢٤٩).
(١٠) كما في "نصب الراية" للزيلعي (١/ ١٠٧).
(١١) الوليد بن كثير المخزومي، أبو محمد، المدني، ثم الكوفي، صدوق، عارف بالمغازي، رمي برأي الخوارج. "التقريب" (٢/ ٣٣٥). • وأما قوله: ومداره على الوليد بن كثير غير صحيح. فقد تقدم أنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عمر سمعت النبي ﷺ سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع: فقال رسول الله ﷺ: "إذا كان الماء قدر قلتين لم يحمل الخبث". أخرجه أحمد (٢/ ٢٧) وأبو داود رقم (٦٤) والترمذي رقم (٦٧) وابن ماجه رقم (٥١٧) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٦١) والحاكم (١/ ١٣٣) والبغوي في شرح السنة رقم (٢٨٢). والدارقطني (١/ ١٩، ٢١). وهو حديث صحيح. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عن الدارقطني فانتفت شبهة تدليسه. وانظر ما قاله أبو الأشبال في جامع الترمذي (١/ ٩٨ - ٩٩)، وانظر: "نصب الراية" (١/ ١٠٤ - ١١١)، والتلخيص الحبير (١/ ١٦ - ٢٠).
(١٢) محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام، الأسدي، المدني، ثقة. "التقريب" (٢/ ١٥٠).
(١٣) محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر، المخزومي، المكي ثقة. "التقريب" (٢/ ١٧٤).
[ ١ / ١٩٤ ]
عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقيل: عنه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهذا اضطراب في الإسناد، وقد روي أيضًا بلفظ: "إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس" كما في رواية لأحمد (^١) والدارقطني (^٢)، وبلفظ: "إذا بلغ الماء قلة فإنه لا يحمل الخبث" كما في رواية للدارقطني (^٣) وابن عدي (^٤) والعقيلي (^٥) وبلفظ: "أربعين قلة"، عند الدارقطني (^٦) وهذا اضطراب في المتن.
وقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد بأنه على تقدير أن يكون محفوظًا من جميع تلك الطرق لا يعد اضطرابًا لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة، قال الحافظ (^٧): "وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن [عبد الله بن] (^٨) عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. وله طريق ثالثة عند الحاكم (^٩) جوَّد إسنادها ابن معين.
وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية "أو ثلاث" شاذة ورواية "قلة" مضطربة، وقيل: إنهما موضوعتان، ذكر معناه في البدر المنير (^١٠). ورواية ["أربعين"] (^١١) ضعفها الدارقطني (^١٢) بالقاسم بن عبد الله العمري (^١٣)، قال
_________________
(١) في المسند (٢/ ٢٣، ١٠٧).
(٢) في السنن (١/ ٢٢ رقم ٢٠).
(٣) في السنن (١/ ٢٦ - ٢٧ رقم ٣٤ - ٤٠).
(٤) في "الكامل" (٦/ ٢٠٥٨). في ترجمة القاسم بن عبد الله العمري.
(٥) في "الضعفاء" (٣/ ٤٧٣). في ترجمة القاسم بن عبد الله العمري.
(٦) في السنن (١/ ٢٦ - ٢٧ رقم ٣٤ - ٤٠).
(٧) في "التلخيص الحبير" (١/ ١٧ - ١٨).
(٨) زيادة من (أ) و(ب).
(٩) في المستدرك (١/ ١٣٣).
(١٠) (٢/ ٩٧). وانظر: "المجموع" (١/ ١٦٤).
(١١) زيادة من (أ).
(١٢) في السنن (١/ ٢٦ رقم ٣٤) وقال: "كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر، عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ، وخالفه روح بن القاسم وسفيان الثوري ومعمر بن رشد، رواه عن محمد بن المنكدر عند عبد الله بن عمرو موقوفًا، ورواه أيوب السختياني عن ابن المنكدر من قوله لم يجاوزه.
(١٣) قال ابن حجر في "التقريب" (٢/ ١١٨): "القاسم بن عبد الله بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، متروك، رماه أحمد بالكذب".
[ ١ / ١٩٥ ]
ابن عبد البر في التمهيد (^١): "ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع". وقال في الاستذكار (^٢): "حديث معلول ردَّه إسماعيل القاضي (^٣) وتكلم فيه"، وقال الطحاوي (^٤): "إنما لم نقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت". وقال ابن دقيق العيد (^٥): "هذا الحديث قد صحَّحه بعضهم وهو صحيح على طريقة الفقهاء، ثم أجاب عن الاضطراب. وأما التقييد بقلال هجر فلم يثبت مرفوعًا إلا من رواية المغيرة بن سقلاب (^٦) عند ابن عدي (^٧) وهو منكر الحديث، قال النفيلي (^٨): لم يكن مؤتمنًا على الحديث، وقال ابن عدي (^٩): لا يتابع على عامة حديثه.
_________________
(١) نقله عنه ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ١٠٢). وقال في "التمهيد" (١/ ٣٢٩): " … وبعضهم يقول فيه: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" وهذا اللفظ محتمل للتأويل، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد، يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث، إلى أن القلتين غير معروفتين، ومحال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه" اهـ.
(٢) قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ١٠٢): (١٥٨٨ - وقد تكلم إسماعيل في هذا الحديث وردَّه بكثير من القول في كتاب "أحكام القرآن").
(٣) هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، الأزدي، أبو إسحاق، قال الخطيب: "كان عالمًا متقنًا فقيهًا، شرح مذهب مالك، واحتج له وصنف "المسند" وصنَّف عُلوم القرآن، وجمعَ حديث أيوب، وحديثَ مالك. ثم صنَّف "الموطأ" وألف كتابًا في الرد على محمد بن الحسن، يكون نحو مئتي جُزءٍ ولم يكمل. استوطن بغداد، وولي قضاءَها إلى أن توفي. وتقدم حتى صار علمًا، ونشرَ مذهبَ مالك بالعراق. وله كتابُ "أحكام القرآن" لم يُسبَق إلى مثله، وكتاب "معاني القرآن" وكتاب في "القراءات". توفي سنة (٢٨٢ هـ). [انظر: "تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤ - ٢٩٠) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٩ - ٣٤٢)].
(٤) في شرح معاني الآثار (١/ ١٦).
(٥) في "شرح الإلمام" ولا يزال مخطوطًا.
(٦) المغيرة بن سقلاب: قال ابن حبان: "كان ممن يخطئ ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، فغلب على حديثه المناكير والأوهام، فاستحق الترك". وقال ابن حجر: "منكر الحديث". ["الميزان" (٤/ ١٦٣) و"المجروحين" (٣/ ٨)].
(٧) في "الكامل". (٦/ ٢٣٥٧).
(٨) كما في "الميزان" (٤/ ١٦٣).
(٩) في "الكامل" (٦/ ٢٣٥٨).
[ ١ / ١٩٦ ]
ولكن أصحاب الشافعي قوَّوا كون المراد قلال هجر بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم، كما قال أبو عبيد في كتاب الطهور (^١)، وكذلك ورد التقييد بها في الحديث الصحيح قال البيهقيُّ: قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبه رسول الله ﷺ ما رأى ليلة المعراج (^٢) من نبق (^٣) سدرة المنتهى بقلال هجر. قال الخطابي (^٤): "قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار، والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحدي مقدَّرًا بعدد فدل على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة [من] (^٥) تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة" ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف والتعسف (^٦).
قوله: (ما يَنُوبُهُ) (^٧) هو بالنون، أي يَرِدُ عليه نوبة بعد أخرى، وحكى الدارقطني: أن ابن المبارك صَحَّفه فقال: [يثوبه] (^٨) بالثاء المثلثة. قوله: (لم يحمل الخبث) هو بفتحتين النجس كما وقع تفسير ذلك بالنجس في الروايات المتقدمة والتقدير لم يقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فإن ما دونهما أولى بذلك، وقيل: معناه لا
_________________
(١) ص ١٣٥.
(٢) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم (٣٢٠٧) ورقم (٣٣٩٣) ورقم (٣٤٣٠) ورقم (٣٨٨٧) ومسلم (١/ ١٤٩ - ١٥١ رقم ١٦٤)، والترمذي (٥/ ٢٤٢ رقم ٣٣٤٦) وغيرهم. عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄ قال النبي ﷺ … فذكر حديث المعراج. وفيه: قال: "ورُفعت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقُها كأنهُ قِلالُ هَجَر … ".
(٣) النَّبق: ثمر السِّدر، واحدته (نَبقة) بفتح النون وكسرها، ويشبه العنَّاب، [النهاية (٥/ ١٠)].
(٤) في "معالم السنن" (١/ ٤٤ - ٤٥). ط: دار ابن حزم - بيروت.
(٥) في (جـ): (في).
(٦) انظر اعتراض ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ٦٣ - مع المختصر) على الاستدلال بحديث المغيرة بن سقلاب، وحديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄، على تقدير قلال هجر. فقد أجاد وأفاد.
(٧) النهاية (٥/ ١٢٣).
(٨) في المخطوط (تثوبة)، والتصويب من النهاية.
[ ١ / ١٩٧ ]
يقبل حكم النجاسة. وللخبث معان أخر ذكرها في النهاية (^١)، والمراد ههنا ما ذكرنا.
والحديث يدل على أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى، ولكنه مخصص أو مقيد بحديث: "إلا ما غيَّر ريحه أو لونه أو طعمه" (^٢)، وهو وإن كان ضعيفًا فقد وقع الإجماع على معناه، وقد تقدم تحقيق الكلام والجمع بين الأحاديث.
١٥/ ١٥ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ"، رَوَاهُ الجمَاعَة (^٣) وَهذَا لَفْظُ البُخارِيَّ، وَلَفْظُ الترْمِذِيِّ (^٤): "ثمَّ يَتَوَضَّأ مِنْهُ"، وَلَفْظُ البَاقِينَ: "ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"). [صحيح]
قوله: (الدائم) تقدم تفسيره. قوله: (الذي لا يجري) قيل: هو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه وقد احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك. وقيل: احترز به عن الماء الراكد لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر البخاري هذا القيد حيث جاء بلفظ الراكد بدل الدائم. وكذلك مسلم (^٥) في حديث جابر، وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر. وعلى هذا يكون قوله: لا يجري. صفة مخصصة لأحد معنيي المشترك. وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نبع والراكد الذي لا نبع له (^٦).
قوله: (ثم يغتسل فيه) ضبطه النووي في شرح مسلم (^٧) بضم اللام، قال في
_________________
(١) (٢/ ٤ - ٦).
(٢) حديث ضعيف تقدم تخريجه ص ١٨٧ - ١٨٨ من كتابنا هذا.
(٣) البخاري (١/ ٣٤٦ رقم ٢٣٩)؛ ومسلم (١/ ٢٣٥ رقم ٩٥/ ٢٨٢)؛ وأحمد (٢/ ٣٤٦)؛ وأبو داود (رقم ٧٠)؛ والنسائي (١/ ٤٩)؛ والترمذي (١/ ١٠٠ رقم ٦٨) وقال: حسن صحيح؛ وابن ماجه (١/ ١٢٤ رقم ٣٤٤). وهو حديث صحيح.
(٤) في السنن رقم (٦٨).
(٥) في صحيح (١/ ٢٣٥ رقم ٩٤/ ٢٨١).
(٦) انظر: لسان العرب (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧) مادة (دوم).
(٧) (٣/ ١٨٧).
[ ١ / ١٩٨ ]
الفتح (^١): وهو المشهور. قال النووي (^٢) أيضًا: "وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك أنه يجوز أيضًا جزمه عطفًا على موضع يبولن، ثم نصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع".
فأما الجزم فلا مخالفة بينه وبين الأحاديث الدالة على أنه يحرم البول في الماء الدائم على انفراده، والغسل على انفراده كما تقدم في باب بيان زوال تطهيره لدلالته على تساوي الأمرين في النهي عنهما.
وأما النصب فقال النووي (^٣): "لا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم لا". وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، وتعقبه ابن هشام في "المغني" فقال: إنه وهم، وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب لا في المعية، قال: وأيضًا ما أورده إنما جاء من قبيل المفهوم (^٤) لا المنطوق (^٥)، وقد قام دليل آخر على عدم إرادته، ونظيره إجازة الزجَّاج (^٦) والزمخشري (^٧)، في قوله
_________________
(١) (١/ ٣٤٧).
(٢) في شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٧).
(٣) في شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٧).
(٤) المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، أو ما أفاده اللفظ من أحوال لأمر غير مذكور. وينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. أما مفهوم الموافقة: فهو أن يكون حكم المسكوت عنه حكم المذكور. فإن كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق فهو (فحوى الخطاب) نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه يدل على تحريم الضرب بالأولى. وأما مفهوم المخالفة: فهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا للمنطوق به في الحكم. وينقسم إلى خمسة أقسام: صفة - وشرط - وغاية - وعدد - وحصر. وللأخذ بالمفاهيم شروط. انظر ذلك في: "تفسير النصوص" (١/ ٦٠٧ - ٧٥٦) للدكتور محمد أديب الصالح.
(٥) المنطوق: هو ما أفاده اللفظ من أحوال مذكورة. وما دل عليه اللفظ في محل النطق. وينقسم إلى قسمين: نص - وظاهر. انظر المرجع السابق (١/ ٥٩٤ - ٦٠٦).
(٦) في "معاني القرآن وإعرابه" (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٧) في "الكشاف" (١/ ٦٥).
[ ١ / ١٩٩ ]
تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقّ﴾ (^١) كون ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ مجزومًا وكونه منصوبًا مع أن النصب معناه النهي اهـ.
وقد اعترض الجزم القرطبي (^٢) بما حاصله أنه لو أراد النهي عنه لقال: ثم يغتسلن بالتأكيد، وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد لاحتمال أن يكون للتأكيد معنى في أحدهما ليس في الآخر اهـ.
والحاصل أنه قد ورد النهي عن مجرد الغسل من دون ذكر للبول كحديث أبي هريرة المتقدم في باب بيان زوال تطهير الماء، وورد النهي عن مجرد البول من دون ذكر للغسل كما في صحيح مسلم (^٣): "أنه ﷺ نهى عن البول في الماء الراكد"، والنهي عن كل واحد منهما على انفراده يستلزم النهي عن فعلهما جميعًا بالأولى. وقد ورد النهي عن الجمع بينهما في حديث الباب إن صحت رواية النصب، والنهي عن كل واحد منهما في حديث عند أبي داود (^٤)، ويدل عليه حديث الباب على رواية الجزم.
وأما على رواية الرفع فقال القرطبي (^٥): إنه نبه بذلك على مآل الحال، ومثله بقوله ﷺ: "لا يضربنَّ أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها" (^٦) أي ثم هو يضاجعها، والمراد النهي عن الضرب؛ لأن الزوج يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها، فيكون المراد ههنا النهي عن البول في الماء؛ لأن البائل يحتاج في مآل حاله إلى التطهر به فيمتنع ذلك للنجاسة.
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ٤٢.
(٢) في "المفهم" (١/ ٥٤١).
(٣) (١/ ٢٣٥ رقم ٩٤/ ٢٨١) من حديث جابر.
(٤) في السنن رقم (٧٠).
(٥) في "المفهم" (١/ ٥٤٢).
(٦) ذكره ابن حجر في "الفتح" (١/ ٣٤٧) باللفظ المذكور. وأخرج أحمد في المسند (٤/ ١٧) والبخاري رقم (٤٩٤٢) و(٥٢٠٤) و(٦٠٤٢) ومسلم رقم (٢٨٥٥) والترمذي رقم (٣٣٤٣) وابن ماجه رقم (١٩٣٨) والدارمي (٢/ ١٤٧) وابن حبان في صحيحه رقم (٤١٩٠) عن عبد الله بن زَمعة قال: قال رسول الله ﷺ: "عَلامَ يجلِدُ أحدُكم امرأتَهُ جلدَ العبدِ، ثم يجامِعُها في آخرِ اليومِ" وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢٠٠ ]
قال النووي (^١): "وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلًا جاريًا فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي: يكره. والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه، ولأن النهي يقتضي التحريم عند المحققين والأكثرين من أهل الأصول، وهكذا إذا كان كثيرًا راكدًا أو قليلًا، لذلك قال: وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية، قال: وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم" انتهى.
وينظر ما القرينة الصارفة للنهي عن التحريم، ولا فرق في تحريم البول في الماء بين أن يقع البول فيه أو في إناء ثم يصب إليه، خلافًا للظاهرية، والتغوط كالبول وأقبح، ولم يخالف في ذلك أحد إلا ما حكي عن داود الظاهري (^٢). قال النووي (^٣): وهو خلاف الإجماع، وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر. وقد نصر قول داود ابن حزم في المحلى (^٤) وأورد للفقهاء الأربعة من هذا الجنس الذي أنكره أتباعهم على داود شيئًا واسعًا.
واعلم أنه لا بد من إخراج هذا الحديث عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة، وحملته الشافعية على ما دون القلتين لأنهم يقولون: إن قدر القلتين فما فوقهما لا ينجس إلا بالتغير. وقيل: حديث القلتين عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي، وردَّ بأن المعنى المقتضي للنهي هو عدم التقرب إلى الله تعالى بالمتنجس، وهذا المعنى يستوي فيه سائر النجاسات ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى.
قوله: (ثم يتوضأ منه) فيه دليل على أن النهي لا يختص بالغسل بل الوضوء في معناه، ولو لم يرد هذا لكان معلومًا لاستواء الوضوء والغسل في المعنى المقتضي للنهي كما تقدم.
_________________
(١) في شرح مسلم (٣/ ١٨٧ - ١٨٨، ١٨٩).
(٢) انظر: "الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي" إعداد: عارف خليل محمد أبو عيد. ص ١٦٥ - ١٦٦.
(٣) في شرح صحيح "مسلم (٣/ ١٨٨).
(٤) (١/ ٢١٠ - ٢١١) رقم المسألة (١٥٠).
[ ١ / ٢٠١ ]
قوله: (ثم يغتسل منه)، هذا اللفظ ثابت أيضًا في البخاري (^١) من طريق أبي الزناد، وللبخاري (^٢) ومسلم (^٣) من طريق أخرى: "ثم يغتسل فيه"، قال ابن دقيق العيد: وكل واحد من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط اهـ. وذلك لأن الرواية بلفظ فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ منه بعكس ذلك.
وقد استدل بهذا الحديث أيضًا على نجاسة المستعمل وعلى أنه طاهر مسلوب الطهورية، وقد تقدم الكلام على البحثين.
قال المصنف (^٤) رحمه الله تعالى: ومن ذهب إلى خبر القلتين حمل هذا الخبر على ما دونهما، وخبر بئر بضاعة على ما بلغهما جمعًا بين الكل اهـ. وقد تقدم تحقيق ذلك.