وهكذا يجوز الاحتجاجُ بما صَحَّحه أحدُ الأئمةِ المعتبرين مما كان خارجًا عن الصحيحين. وكذا يجوز الاحتجاجُ بما كان في المصنفات المختصةِ بجمع الصحيحِ، كصحيح ابن خُزيمةَ وابنِ حبانَ ومُستدرَك الحاكمِ (^٤) والمُستخرَجاتِ على الصحيحين (^٥) لأن المصنفين لها قد حكموا بصحة كلِّ ما فيها حكمًا عامًا.
وهكذا يجوز الاحتجاجُ بما صرح أحدُ الأئمة المعتبرين بحُسنه، لأن الحسَنَ يجوز العملُ به عند الجمهورِ (^٦)، ولم يخالف في الجواز إلا البخاري وابنُ العربي،
_________________
(١) انظر: "صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط" لابن الصلاح (ص ٨٥).
(٢) في كتابه: "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق" (١/ ١٣٣).
(٣) في كتابه: "التتبع" بتحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي.
(٤) انظر: "فتح المغيث" للسخاوي (١/ ٣٩ - ٤٣).
(٥) انظر: "فتح المغيث" للسخاوي (١/ ٤٤ - ٤٨).
(٦) قال النووي في "التقريب" (١/ ١٦٠ - مع التدريب): "الحسن كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوة" اهـ. وقال ابن حجر في "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" ص ٣٣: "وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه" اهـ.
[ ١ / ١٣٣ ]
والحقُّ ما قاله الجمهورُ لأن أدلةَ وجوبِ العملِ بالآحاد (^١) وقَبولِها شاملةٌ له.
ومن هذا القَبيلِ ما سكت عنه أبو داودَ وذلك لما رواه ابنُ الصَلاحِ (^٢) عن
_________________
(١) اعلم أن سنة الآحاد - الصحيحة أو الحسنة - حجة على الجميع يلزم اتباعها، وأنها من مصادر التشريع، سواء وافقت عمل أهل المدينة أم خالفته، وسواء اتفقت مع الأصول المقررة ومقتضى القياس أم لم تتفق، وسواء عمل راويها بها أو لم يعمل، وسواء كانت في أمر يكثر وقوعه أو يقل. لأن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها. والعبرة بما يرويه الراوي لا بما يعمل به، إذ ربما يعمل بخلاف ما روى خطأ أو نسيانًا، أو تأويلًا، فهو غير معصوم. وكون الأمر الذي جاءت به السنة كثير الوقوع لا تأثير له في قبول أو ردّ أخبار الآحاد؛ لأن الحاجة لمعرفة حكم ما يقل وقوعه كالحاجة لمعرفة حكم ما يكثر وقوعه، وكلاهما قد ينقله الآحاد فضلًا عن أن الكثرة أو القلة لا ضابط لها في هذا الباب. أما التشبث بمخالفة سنة الآحاد للأصول فغير مقنع، لأن السنة هي التي تؤصل الأصول، فإذا جاءت بحكم يخالف الأصول الثابتة، فإنها تعتبر أصلًا قائمًا بنفسه يعمل في دائرته، كما في السَلَم، مع أنه بيع معدوم. والاستقراء دل على أن المردود من سنة الآحاد الصحيحة السند، بحجة المخالفة للأصول أنه في الحقيقة موافق للأصول لا مخالف لها (أ). وأما التشبث بعدم فقه الراوي، فقول غير مستساغ لأن رواة السنة عندهم من الفقه، لملازمتهم للرسول ﷺ ما يكفي للاطمئنان بصحة نقلهم، وأنه لم يفتهم شيء من معناه، فضلًا عن معرفتهم بأساليب العربية وبيانها. وعلى هذا فقول الجمهور هو الراجح، فكل سنة صحّت بأن رواها الثقات الضابطون وجب المصير إليها، وعدم الالتفات إلى ما خالفها، ومن خالفها كائنًا من كان، لأن الله تعبّدنا باتباع سنة نبيه ﷺ، ولا سبيل للوصول إليها إلا عن طريق الرواة، فإذا ثبت عندنا ضبطهم وعدالتهم أو ترجح ذلك كان ذلك دليلًا على صحة نسبتها للرسول ﷺ إمّا على سبيل العلم القاطع (ب)، أو الظن الراجح (جـ)، وكلاهما يوجبان العمل بها شرعًا، والتقيد بأحكامها، وجعلها دليلًا من أدلة الأحكام.
(٢) قلت: بل أوردها أبو داود في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه (ص ٢٧ - ٢٨) تحقيق الدكتور محمد بن لطفي الصباغ. (أ) انظر: الرد على من ردّ حديث المصراة بحجة مخالفته للأصول العامة، ومقتضى القياس في "إعلام الموقعين" لابن القيم (٢/ ٣٨ - وما بعدها). (ب) وبه قال: داود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك بن أنس، وأطال ابن حزم في كتابه "الإحكام" (١/ ١٠٨ - ١٣٨) في تقريره. وهو محل اتفاق في السنة المتواترة كما تقدم. (جـ) وبه قال الجمهور. انظر: "إرشاد الفحول" للشوكاني (ص ٤٨ - ٤٩).
[ ١ / ١٣٤ ]
أبي داود أنه قال: "ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهنٌ شديدٌ بينّتُه وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالحٌ، وبعضُها أصحُّ من بعض" (^١). قال: ورَوَينا عنه (^٢) أنه قال: "ذكرتُ فيه الصحيحَ وما يُشبهه وما يقاربه".
قال الإِمامُ الحافظُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ: "إنه أجاز ابنُ الصلاحِ والنوويُّ وغيرُهما من الحفّاظ العملَ بما سكت عنه أبو داودَ لأجلِ هذا الكلامِ المَرْويِّ عنه وأمثاله مما روي عنه. قال النووي: إلا أن يظهرَ في بعضها أمرٌ يقدَحُ في الصحة والحُسنِ وجب تركُ ذلك. قال ابنُ الصلاح: وعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا ولم نعلم صِحَّتَه عرفنا أنه من الحسَن عند أبي داودَ لأن ما سكت عنه يحتمل عند أبي داودَ الصِحّةَ والحسَنَ" انتهى.
وقد اعتنى المُنذريُّ (^٣) ﵀ في نقد الأحاديثِ المذكورةِ في سنن أبي
_________________
(١) اختلف العلماء في فهم مراده من قوله: "صالح" وأفضلها أنه أراد بقوله: "صالح": هو الضعيف الذي لم يشتد ضعفه وهذا هو الصواب بقرينة قوله: "وما فيه وهن شديد فقد بينته" فإنه يدل بمفهومه على أن ما كان فيه وهن غير شديد لا يبينه، فدل على أنَّه ليس كل ما سكت عليه أنه حسن، ويشهد لهذا وجود أحاديث كثيرة عنده لا يشك عالم في ضعفها، وهي مما سكت أبو داود عنه. قال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (١/ ٤٣٥): "ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي. بل هو على أقسام:
(٢) منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
(٣) ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
(٤) ومنه ما هو من فبيل الحسن إذا اعتضد. وهذان القسمان كثير في كتابه جدًّا.
(٥) ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبًا، وكل هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها … " اهـ. وقال الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢١٤): "وكاسَرَ - أبو داود - عن ما ضعْفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته - والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنًا عنده" اهـ. وخلاصة القول: أن الكشف عما سكت عنه أبو داود أولى وأقرب إلى التحقيق التام.
(٦) ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٥٩٢) وقد تقدم التعليق عليها.
(٧) في كتابه "مختصر سنن أبي داود" وقد تقدم الكلام عليه.
[ ١ / ١٣٥ ]
داودَ وبين ضعفَ كثير مما سكت عنه فيكون ذلك خارجًا عما يجوز العملُ به، وما سكتا عليه جميعًا فلا شك أنه صالحٌ للاحتجاج [إلا في مواضعَ يسيرةٍ قد نبّهتُ على بعضها في هذا الشرح] (^١). وكذا قيل: إن ما سكت عنه الإِمامُ أحمدُ من أحاديثَ مُسندةٍ صالحٌ للاحتجاج؛ لما قدمنا في ترجمته (^٢).
وأما بقيةُ السُّننِ والمسانيدُ التي لم يلتزم مصنفوها الصحةَ فما وقع التصريحُ بصحته أو حُسنهِ منهم أو من غيرهم جاز العملُ به. وما وقع التصريحُ كذلك بضَعفه لم يجُز العمل به. وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه ولا تكلم عليه غيرُهم لم يجز العملُ به إلا بعد البحثِ عن حاله إن كان الباحثُ أهلًا لذلك. وقد بحثنا عن الأحاديث الخارجةِ عن الصحيحين في هذا الكتابِ وتكلمنا عليها بما أمكن الوقوفُ عليه من كلام الحفاظِ وما بلغت إليه القُدرة. [واكتفينا فيما لم نجد لأحد من الأئمة كلامًا عليه من أحاديث أبي داود بسكوته هو والمنذري عنها وكذا اكتفينا بسكوت أحمد في مواضع يسيرة لما تقدم] (^٣)، ومن عرف طولَ ذيلَ هذا الكتاب الذي تصدَّينا لشرحه وكثرةِ ما اشتمل عليه من أحاديث الأحكامِ علم أن الكلامَ على بعض أحاديثه على الحد المعتبرِ متعسّر، لا سيما ما كان منها في مسند الإِمامِ أحمدَ.