١/ ١٩ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)؛ ولأحْمَدَ (^٢) ومُسْلِمٍ (^٣): "طَهُورُ إناءِ أحَدِكُمْ إذا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أولاهُنَّ بِالتُّرَابِ"). [صحيح]
٢/ ٢٠ - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: أمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِقَتْلِ الكلابِ ثمَّ قالَ: "ما بَالُهُمْ وَبَالُ الكلابِ"، ثمَّ رخَّصَ في كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الغَنَمِ وَقَالَ: "إذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإناءِ فاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ". رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَالبُخاريَّ (^٤)، وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلمٍ (^٥)، ورَخَّصَ في كلْبِ الصَّيْدِ والغنم والزَّرْعِ). [صحيح]
_________________
(١) أحمد في المسند (٢/ ٤٦٠) والبخاري (١/ ٢٧٤ رقم ١٧٢)؛ ومسلم (١/ ٢٣٤ رقم ٢٧٩).
(٢) في المسند (٢/ ٤٢٧).
(٣) في صحيحه (١/ ٢٣٤ رقم ٩١/ ٢٧٩). قلت: وأخرجه مالك (١/ ٣٤ رقم ٣٥)؛ والشافعي في ترتيب (١/ ٢٣)؛ والنسائي (١/ ٥٢)؛ وابن ماجه (١/ ١٣٠ رقم ٣٦٤)؛ والبغوي في شرح السنة (٢/ ٧٣ رقم ٢٨٨)؛ وابن الجارود رقم (٥٠) وهو حديث صحيح.
(٤) أحمد (٤/ ٨٦) و(٥/ ٥٦)؛ ومسلم رقم (٢٨٠)، وأبو داود رقم (٧٤)، والنسائي (١/ ١٧٧)؛ وابن ماجه رقم (٣٦٥). قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٤)؛ والدارمي (١/ ١٨٨)؛ والدارقطني (١/ ٦٥)؛ وأبو عوانة (١/ ٢٠٨)؛ والبغوي في شرح السنة رقم (٢٧٨١)؛ والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٥) في صحيحه (١/ ٢٣٥ رقم ٩٣/ ٢٨٠) وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢١٢ ]
الحديثان يدلان على أنه يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وبيان ما هو الحق في باب أسآر البهائم.
قوله: (أولاهن بالتراب) لفظ الترمذي (^١) والبزار (^٢): "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ". ولأبي داود (^٣): "السابعة بالتراب". وفي رواية صحيحة للشافعي (^٤): "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ بالتُّرَابِ". وفي رواية لأبي عبيد (^٥) القاسم بن سلام في كتاب الطهور له: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب". وعند الدارقطني (^٦) بلفظ: "إحداهن" أيضًا، وإسناده، ضعيف؛ فيه الجَارُود بن يزيد (^٧) وهو متروك. والذي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في الباب بلفظ: "وعفِّروهُ الثامِنَةَ بالتُّرَابِ" أصح من رواية (إحداهن). قال في البدر المنير (^٨): بإجماعهم، وقال ابن منده: "إسناده مُجْمَع على صحَّته" وهي زيادة ثقة فتعيَّن المصير إليها، وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك (^٩)، واعتذار الشافعي بأنه لم يقف على صحة هذا الحديث لا ينفع الشافعية، فقد وقف على صحته غيره، لا سيما مع وصيته بأن الحديث إذا صح مذهبه فتعين حمل المطلق على المقيد.
وأما قول ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به، وأيضًا
_________________
(١) في السنن (١/ ١٥١ رقم ٩١) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) عزاه إليه ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٣٢٧).
(٣) في السنن رقم (٧٣).
(٤) في الأم (١/ ٣١ - ٣٢ رقم ٨٨).
(٥) في "الطهور" (ص ١٥٩ رقم ١٩٣).
(٦) في السنن (١/ ٦٥ رقم ١٢) من حديث علي بن أبي طالب، وقال الدارقطني: الجارود هو ابن يزيد متروك.
(٧) كذَّبه أبو أسامة. وضعَّفه علي. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال أبو حاتم: كذاب … [الميزان (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥ ت ١٤٢٨)]. قلت: حديث علي بن أبي طالب ضعيف.
(٨) (٢/ ٣٢٨).
(٩) في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣).
[ ١ / ٢١٣ ]
قد أفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره. وروي عن مالك أيضًا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (^١).
وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية.
وقد خالفت الحنفية (^٢) والعترة (^٣) في وجوب التتريب كما خالفوا في التسبيع، ووافقهم ههنا المالكية (^٤) مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، قالوا: لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي (^٥) منهم: قد صحت فيه الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها.
وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ أولاهن وبلفظ أخراهن وبلفظ إحداهن، وفي رواية السابعة، وفي رواية الثامنة، والاضطراب يوجب الإطراح.
وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرَّات وبأن إحداهن مبهمة، وأولاهن معينة، وكذلك أخراهن، والسابعة والثامنة، ومقتضى حمل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات المعينة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا، لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح (^٦).
وقد وقع الخلاف هل يكون التتريب في الغسلات السبع أو خارجًا عنها؟ وظاهر حديث عبد الله بن مغفل أنه خارج عنها، وهو أرجح من غيره لما عرفت فيما تقدم.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١/ ٢٧٧).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٢٢).
(٣) انظر: البحر الزخار في مذاهب علماء الأمصار (١/ ٢٠).
(٤) انظر: "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" (١/ ٧٤).
(٥) ذكر ذلك ابن حجر في "الفتح" (١/ ٢٧٦).
(٦) (١/ ٢٧٦).
[ ١ / ٢١٤ ]
قوله: (ما بالهم، وبال الكلاب) فيه دليل على تحريم قتل الكلاب، وقد اشتهر في السنة إذنه ﷺ بقتل الكلاب. وسبب ذلك كما في صحيح مسلم (^١) "أنه وعده جبريل ﵇ أن يأتيه فلم يأته فقال النبي ﷺ: أما والله ما أخْلَفَنِي، فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك، ثم وقع في نفسه جَرْوُ كَلْبٍ تحت فسطاط فأمر به فأخرج، فأتاه جبريل، فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة فقال: أجل ولكنا لا نَدْخُل بيتًا فيه كَلْبٌ، فأصبح رسول الله ﷺ فأمر بقتل الكلابِ"، ثم ثبت عنه ﷺ النهي عن قتلها ونسخه.
وقد عقد الحازمي في الاعتبار (^٢) لذلك بابًا وثبت عنه ﷺ الترخيص في كلب الصيد والزرع والماشية، والمنع من اقتناء غير ذلك وقال: من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية نُقص من عمله كل يوم قيراط (^٣). وثبت عنه الأمر بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين وقال: إنه شيطان (^٤)، وللبحث في هذا موطن آخر ليس هذا محله فلنقتصر على هذا المقدار، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في أبواب الصيد (^٥).
_________________
(١) (٣/ ١٦٦٤ - ١٦٦٥ رقم ٨٢/ ٢١٠٥) من حديث ميمونة.
(٢) ص ٥٢٩ - ٥٣٣. باب الأمر بقتل الكلاب ثم نسخه.
(٣) أخرج البخاري (٥/ ٥ رقم ٢٣٢٢) و(٦/ ٣٦٠ رقم ٣٣٢٤)؛ ومسلم (٣/ ١٢٠٣ - ١٢٠٤ رقم ٥٨، ٥٩، ٦٠/ ١٥٧٥). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: "من أمسكَ كلبًا فإنهُ ينقصُ كلَّ يومٍ من عَمَلهِ قيراط، إلا كلبَ حرثٍ أو ماشيةٍ". قال ابنُ سيرينَ وأبو صالحٍ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إلا كلبَ غنمٍ أو حَرْثٍ أو صَيدٍ". وقال أبو حازمٍ عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ: "كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ". وأخرج البخاري (٥/ ٥ رقم ٢٣٢٣) و(٦/ ٣٦٠ رقم ٣٣٢٥). ومسلم (٣/ ١٢٠٤ رقم ٦١/ ١٥٧٦). من حديث سفيان بن أبي زُهير قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "من اقتنَى كلبًا لا يُغني عنهُ زرعًا ولا ضرعًا نقصَ كلَّ يوم من عملهِ قيراطٌ" …
(٤) أخرج مسلم (٣/ ١٢٠٠ رقم ٤٧/ ١٥٧٢). من حديث جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ بقتلِ الكلاب. حتى إن المرأة تقدمُ من البادية بكلبِها فنقتلُهُ. ثم نهى النبي ﷺ عن قتلِهَا، وقال: "عليَكم بالأسَودِ البهيمِ ذي النُّقْطَتينِ، فإنَّهُ شيطانٌ". البهيم: الخالص السواد.
(٥) الباب الأول: باب ما يجوز فيه اقتناء الكلب وقتل الكلب الأسود البهيم. رقم الحديث =
[ ١ / ٢١٥ ]