٣/ ٢١ - (عَنْ أسْمَاءَ بِنْت أبِي بَكْرٍ قَالتْ: جاءَتْ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقالتْ: إحدانَا يصيبُ ثَوْبَها مِنْ دَمِ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فقالَ: "تَحُتُّهُ ثمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ" (^١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). [صحيح]
قوله: (جاءَتِ امرأةٌ) في رواية للشافعي (^٢) أنها أسماء، قال في الفتح (^٣): "وأغرب النووي فضعَّف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد لا علة لها. ولا بُعد في أن يبهم الراوي اسم نفسه".
قوله: (مِنْ دَمِ الحيَضَة) بفتح الحاء أي الحيض، قاله النووي (^٤).
قوله: ("تَحُتهُ) بفتح الفوقانية وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية أي تحكه، وكذا رواه ابن خزيمة (^٥)، والمراد بذلك إزالة عينه.
قوله: (ثم تَقْرُصُهُ) بفتح أوَّله وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين، وحكى القاضي عياض (^٦) وغيره فيه ضم المثناة من فوق وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة، أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه
_________________
(١) = (١/ ٣٦٠٨) و(٢/ ٣٦٠٩) و(٣/ ٣٦١٠) و(٥/ ٣٦١١) و(٢/ ٣٦١٦). من كتابنا هذا.
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٣٤٥، ٣٥٣)؛ والبخاري (١/ ٣٣٠ - ٣٣١ رقم ٢٢٧)؛ ومسلم (١/ ٢٤٠ رقم ١١٠/ ٢٩١).
(٣) في المسند رقم (٤٦ - ترتيب المسند) وهو حديث صحيح.
(٤) (١/ ٣٣١).
(٥) في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ١٩٩).
(٦) في صحيحه (١/ ١٤١ رقم ٢٧٧) بسند صحيح.
(٧) ذكره النووي في شرح مسلم (٣/ ١٩٩).
[ ١ / ٢١٦ ]
الثوب منه، ومنه تقريص العجين، قاله أبو عبيدة (^١). وسئل الأخفش عنه فضم أصبعيه الإبهام والسبابة وأخذ شيئًا من ثوبه بهما وقال: هكذا [تفعل] (^٢) بالماء في موضع الدم.
وورد في رواية ذكر الغسل مكان القرص، روى ذلك الشيخ تقي الدين من رواية محمد بن إسحق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت: "سمعت رسول الله ﷺ وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها فقال: اغسليه". وأخرجه الشافعي (^٣) من حديث سفيان عن هشام عن فاطمة (^٤) عن أسماء قالت: "سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيضة [يصيب] (^٥) الثوب فقال: حتِّيه ثم اقرصيه بالماء ورِّشيه وصلِّي فيه". ورواه (^٦) عن مالك، عن هشام بلفظ: "إن امرأة سألت"، ورواه ابن ماجه (^٧) بلفظ: "اقْرُصِيهِ واغْسِلِيهِ وَصَلِّي فيهِ"، وابن أبي شيبة (^٨) بلفظ: "اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه"، وأخرجه أحمد (^٩) وأبو داود (^١٠) والنسائي (^١١)
_________________
(١) انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٤٠).
(٢) في (جـ): (يفعل).
(٣) في المسند رقم (٤٧ - ترتيب المسند)، وهو حديث صحيح.
(٤) فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام. ثقة. "التقريب" (٢/ ٦٠٩).
(٥) في (جـ): (تصيب).
(٦) أي الشافعي في المسند (رقم: ٤٨ - ترتيب المسند) وفي "الأم" (١/ ١٩ رقم ٤٧). وهو حديث صحيح. وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٢٧٠): "وهذه الأسانيد التي ذكر الشافعي بها هذه الزيادة - أن أسماء هي السائلة - أسانيد صحيحة، لا مطعن لأحد في اتصالها، وثقات رواتها، فكُلّهم أئمة أعلام، مخرَّج حديثهم في الصحيح، وفي الكتب الستة، فهو إسناد صحيح على شرط أهل العلم كلهم. وأنا أتعجَّب كل العجب من قول الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في "شرح المهذب، إنَّ الشافعي روى في "الأم" أن أسماء هي السائلة، بإسناد ضعيف" اهـ. قلت: وتعقبه ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٣٥): فقال: "وهذا خطأ، بل إسناده في غاية الصحة، وكان النووي ﵀ قلَّد في ذلك ابن الصلاح … " اهـ.
(٧) في السنن (١/ ٢٠٦ رقم ٦٢٩) من حديث أسماء.
(٨) في "المصنف" (١/ ٩٥).
(٩) في المسند (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(١٠) في السنن رقم (٣٦٣).
(١١) في السنن (١/ ١٥٤ - ١٥٥).
[ ١ / ٢١٧ ]
وابن ماجه (^١) وابن خزيمة (^٢) وابن حبان (^٣) من حديث أم قيس بنت مِحْصَنٍ "أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيضة يصيب الثوب، فقال: حُكِّيه بصلع واغسليه بماء وسدْرٍ". قال ابن القطان (^٤): "إسناده في غاية الصحة ولا أعلم له علة". والصَلْع بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين: هو الحجر، ذكره الحافظ في التلخيص (^٥) عن ابن دقيق العيد، قال: وقال: ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة ولعله تصحيف لأنه لا معنى يقتضي تخصيص الضلع، بذلك، لكن قال الصغاني في "العباب" في مادة ضلع بالمعجمة: وفي الحديث "حتيه بضلع"، قال ابن الأعرابي (^٦): الضلع ههنا العود الذي فيه الاعوجاج، وكذا ذكره الأزهري (^٧) في مادة الضاد المعجمة.
قوله: (ثم تنضَحه) بفتح الضاد المعجمة أي تغسله، قاله الخطابي (^٨)، وقال القرطبي (^٩): المراد به الرش لأن غسل الدم استفيد من قوله: تقرصه، وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب، قال في الفتح (^١٠): "وعلى هذا فالضمير في تنضحه يعود على الثوب بخلاف حتيه فإنه يعود على الدم فيلزم منه اختلاف الضمائر وهو على خلاف الأصل، ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجِّسًا لم يتطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي".
الحديث فيه دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات، قاله الخطابي والنووي، قال في الفتح (^١١): "لأن جميع النجاسات بمثابة
_________________
(١) في السنن (١/ ٢٠٦ رقم ٦٢٨).
(٢) في صحيحه (١/ ١٤١ رقم ٢٧٧).
(٣) في صحيحه (٤/ ٢٤٠ رقم ١٣٩٥). كلهم من حديث أم قيس وهو حديث صحيح.
(٤) في "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" (٥/ ٢٨١).
(٥) في "التلخيص" (١/ ٣٥ - ٣٦).
(٦) و(^٧) "تهذيب اللغة" للأزهري (١/ ٤٧٧).
(٧) في "معالم السنن" (١/ ١٨٣) هامش السنن ط: دار ابن حزم.
(٨) في كتابه "المفهم" (١/ ٥٥١).
(٩) (١/ ٣٣١).
(١٠) (١/ ٣٣١).
[ ١ / ٢١٨ ]
الدم ولا فرق بينه وبينها إجماعًا. قال: وهو قول الجمهور (^١) أي: تعين الماء لإزالة النجاسة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف (^٢): يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر" وهو مذهب الداعي من أهل البيت، واحتجوا بقول عائشة (^٣): "ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ تَحِيضُ فيه، فإذا أصابهُ شيءٌ مِنْ دَمِ الحيض قالتْ بِريقها فمصعتْهُ بظُفْرِها". وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلًا لأثره ثم غسلته بعد ذلك.
والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسنة وصفًا مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل (^٤) وفرك المني (^٥) وحته وإماطته بإذخرة وأمثال ذلك كثير (^٦)، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سلم، فالإنصاف أن يقال: إنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهِّرات، لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها.
فإن قلت: مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية، فإن التراب يشاركه في ذلك. قلت: وصف التراب بالطهورية مقيد بعدم وجدان الماء
_________________
(١) انظر: "المغني" لابن قدامة (١/ ١٦). و"بداية المجتهد" (١/ ٢٠٨) بتحقيقي.
(٢) انظر: "شرح فتح القدير" (١/ ١٩٤) وبدائع الصنائع (١/ ٨٣ - ٨٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٤١٢ رقم ٣١٢).
(٤) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١٠/ ٢٨).
(٥) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (٢٣/ ٤١).
(٦) كحديث ابن عباس في طهر الإهاب بالدباغ رقم (٣٨/ ٥٦) من كتابنا هذا.
[ ١ / ٢١٩ ]
بنص القرآن (^١)، فلا مشاركة بذلك الاعتبار. واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي (^٢).
وللحديث فوائد: (منها) [ما يأتي] (^٣) بيانه في باب الحيض، (ومنها) ما ذكره المصنف ههنا فقال: وفيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره، وإن قلَّ لعمومه، وأن طهارة السترة شرط للصلاة، وأن هذه النجاسة وأمثالها لا يعتبر فيها تراب ولا عدد، وأن الماء متعين لإزالة النجاسة اهـ. وقد عرفت ما سلف.
٤/ ٢٢ - (وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قالتْ: يَا رَسُولَ الله لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وأنا أحِيضُ فِيهِ قَالَ: "فإذا طَهُرْتِ فاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ" قالتْ: يَا رَسُولَ الله إنْ لَمْ يَخْرُجْ أثَرُهُ؟ قالَ: "يكْفِيكِ المَاءُ وَلا يَضُرُّكِ أثَرُهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^٤) وَأبُو دَاوُدَ) (^٥). [صحيح]
٥/ ٢٣ - (وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالتْ: سَألْتُ عائِشَةَ عَنِ الحَائِض يُصِيبُ ثَوْبَها الدَّمُ فقالتْ: تَغْسِلهُ فإنْ لَمْ يَذْهَبْ أثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ، قالت: وَلَقَدْ كُنْتُ أحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ثَلاثَ حِيَضٍ جَميعًا لا أغْسِلُ لِي ثَوبًا. رواه أبو داود) (^٦). [صحيح]
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ … [المائدة: ٦].
(٢) في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ٢٠٠).
(٣) في (ب): (ما سيأتي).
(٤) في المسند (٢/ ٣٦٤) و(٢/ ٣٨٠).
(٥) في السنن رقم (٣٦٥). قلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٠٨) بإسناد صحيح عنه. وهو وإن كان فيه ابن لهيعة، فإنه قد رواه عن جماعة منهم: "عبد الله بن وهب" وحديثه عنه صحيح كما قال غير واحد من الحفاظ. وأورد الألباني الحديث في "الصحيحة" رقم (٢٩٨) وذكر أوهامًا لبعض العلماء، فانظره لزامًا.
(٦) في السنن رقم (٣٥٧) وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢٢٠ ]
الحديث الأول أخرجه الترمذي (^١) أيضًا، (وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار وفيه ابن لهيعة) (^٢). قال إبراهيمُ الحربيُّ: لم يُسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف. ورواه الطبراني في الكبير (^٣) من حديث خولة بنت حكيم [الأنصارية] (^٤). قال ابن حجر أيضًا (^٥): "وإسناده أضعف من الأول". والحديث الثاني أخرجه أيضًا الدارمي (^٦).