والنبيُّ في لسانِ الشرْعِ: مَنْ بُعِثَ إليه بَشْرعٍ فإنْ أُمِرَ بتبليغِهِ فرسُولٌ، وقيلَ: هوَ المبعُوثُ إلى الخلقِ بالوحْي لتبليغِ ما أَوْحَاهُ. والرسولُ قد يكونُ مرادِفًا لهُ وقد يَخْتَصُّ بمَنْ هوَ صاحبُ كتَابٍ.
وقيلَ: هو المبعوثُ لتجديدِ شرعٍ أو تقريرهِ، والرَّسُولُ: هوَ المبعوثُ للتجديدِ فَقَطْ.
وعلى الأقْوَالِ: النبي أعمُّ من الرسُولِ. والأميُّ (^٤): مَنْ لا يَكتُبُ، وهو في حقِّهِ ﷺ وصْفٌ مادِحٌ لِما فيهِ من الدَّلالَةِ على صِحَّةِ المعجِزَةِ وقُوَّتِها باعتبارِ
_________________
(١) = المعروف بابن دقيق العيد. ولد سنة خمس وعشرين وستمائة، وتوفي سنة اثنين وسبعمائة. [البدر الطالع (٢/ ٢٢٩) ومعجم المؤلفين (١١/ ٧٠)].
(٢) هو للإمام النووي، أبو زكريا، محيى الدين بن شرف النووي، المتوفى (٦٧٦ هـ).
(٣) لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (٦/ ٢٥٠٠).
(٤) في (جـ): فاعل وهو خطأ.
(٥) انظر: "ماذا حول أميَّة الرسول ﷺ) لعلي شواخ إسحاق.
[ ١ / ١١٥ ]
صُدُورِهَا مِمَّنْ هوَ كذلكَ، وذِكْرُ المرسَل بعدَ ذِكْرِ النبي لبيانِ أنهُ مأمُورٌ بالتبليغِ، أو صاحِبُ كتابٍ، أو مجدِّدُ شرع بطريق أدلَّ على هذهِ الأمورِ منَ الطريقِ الأولَى وإنْ اشتَركا في أصْلِ الدَّلالةِ على ذلكَ، وتأثيرُ هذهِ الصِّفةِ: أعْني إرْسَالَه إلى الناسِ كافةً لكونهِ لا يشاركُه فيها غيرُه مِنَ الأنبياءِ. وكافَّةً منصوبٌ على الحالِ وصاحبُها الضميرُ الذي في المرْسَلِ، والهاءُ فيه للمبالغةِ، وليس بحالٍ من الناسِ لأنّ الحال لا تتقدَّمُ على صاحِبَها المجرورِ على الأصَحِّ (^١)، وعِنْدَ أبي عليٍّ وابنِ كَيْسانَ وغيرِهما من النحْويينَ أنه يجوزُ تقدُّمُ الحالِ على الصاحِبِ المجرورِ؛ وقيلَ: إنه
_________________
(١) • قال ابن مالك في ألفيته: وسَبْقَ حَالٍ ما بحَرْفٍ جُرَّ قَدْ … أبوْا، ولا أَمْنَعُهُ؛ فقد ورَدْ • وقال ابن عقيل شارحًا: "مذهبُ جمهور النحويين أنه لا يجوز تقديمُ الحالِ على صاحبها المجرورِ بحرف، فلا تقول في "مررتُ بهندٍ جالسةً" مررت جالسة بهندٍ. وذهب الفارِسيُّ، وابن كَيْسان، وابن بَرْهانَ إلى جواز ذلك، وتابَعَهُم المصنف؛ لورود السماع بذلك، ومنه قولُه:
(٢) لَئنْ كانَ بَرْدُ الماءِ هَيْمَانَ صَادِيًا … إليّ حَبيبًا، إنّها لَحَبيبُ فـ "هَيْمَانَ، وصاديًا": حالان من الضمير المجرور بإلى، وهو الياء، وقوله:
(٣) فإن تكُ أَذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَة … فَلَنْ يَذهَبُو فَرْغًا بقَتْلِ حِبَالِ و"فَرْغًا" حال من قَتْلِ. وأما تقديمُ الحال على صاحبها المرفوع والمنصوب فجائزٌ، نحو: "جَاءَ ضَاحِكًا زَيْدٌ. وضَربْتُ مُجَرَّدَةً هِنْدًا". • وقال: محمد محيي الدين عبد الحميد: "اعلم أن صاحب الحال قد يكون مجرورًا بحرف جر أصلي، كقولك: مررت بهند جالسة. وقد يكون مجرورًا بحرف جر زائد، كقولك: ما جاء من أحد راكبًا؛ فراكبًا: حال من أحد المجرور لفظًا بمن الزائدة. ولا خلاف بين أحد من النحاة في أن صاحب الحال إذا كان مجرورًا بحرف جر زائد جاز تقديم الحال عليه وتأخيره عنه، فيصح أن تقول: ما جاء من أحد راكبًا، أن تقول: ما جاء راكبًا من أحد. والخلاف بينهم منحصر في تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي. • أما البيت (١٨٧): لعروة بن حزام العذري. والبيت (١٨٨): لطليحة بن خويلد الأسدي المتنبي. ["شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك". مع "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" لمحمد محي الدين عبد الحميد" (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٦). وانظر: "جامع الدروس العربية" للغلاييني (٣/ ٨٦)].
[ ١ / ١١٦ ]
منصوبٌ على صفةِ المصدرَّيةِ، والتقديرُ المرسَلُ رسالةَ كافةً. ورُدّ بأنَّ كافةً لا تُسْتعْمَلُ إلَّا حالًا. والبشيرُ النذيرُ: المبشرُ والمُنذِر، وإنما عُدِلَ بهمَا إلى صِيْغَةِ فَعِيْلِ لِقَصْدِ المبالغةِ. والآلُ أصْلُه أهْلٌ بدليلِ تصغيرِهِ على أُهيَل. ولو كانَ أصْلُه غيرَهُ لسُمِعَ تصغيرُه عليهِ، ولا يُستعملُ إلَّا فيما له شرَفٌ في الغالِبِ، واختصَاصُه بذلكَ لا يَسْتَلْزِمُ عدمَ تصغيرِه، إذ يجوزُ تحقيْرُ مَنْ لَهُ خطرٌ أو تقليلُه على أن الخطرَ في نفسه لا ينافي التصغيرَ بالنسبةِ إلى مَنْ لهُ خطرٌ أعظَمُ مِنْ ذلكَ، وأيضًا لا ملازَمَةَ بينَ التصغيرِ وبينَ التحقيرِ أو التقليلِ، لأنهُ يأتي للتعظيمِ كقوله:
وكل أُناسٍ سوفَ تدخُلُ بينَهم … دُوَيْهِيّةٌ تَصْفَرُّ منها الأناملُ
وللتلَطُّفِ كقولهِ: يا ما أميلِحَ غِزْلانًا شدَنَّ لنا.
وقد اخْتُلِفَ في تفسير الآلِ (^١) على أقوالِ يأتي ذكرُها في بابِ ما يستدل به على تفسيرِ آلهِ المُصَلَّى عليهم، من أبواب صَفةِ الصلاةِ.