وبعدُ: فإنه لما كان الكتابُ الموسومُ بالمنتقى من الأخبار في الأحكام، مما لم يُنسَجْ على بديع مِنوالِه، ولا حَرَّر على شكله ومثالِه أحدٌ من الأئمة الأعلام. قد جمع من السنة المطهرةِ ما لم يجتمِعْ في غيره من الأسفارِ، وبلغ إلى غاية في الإِحاطة بأحاديث الأحكامِ تتقاصر [عنها] (^١) الدفاترُ الكبار. وشمَل من دلائل المسائلِ جملةَ نافعةً تُفنى دون الظفرِ ببعضها طِوالَ الأعمار. وصار مرجِعًا لجِلّة العلماءِ عند الحاجة إلى طلب الدليلِ لا سيما في هذه الديار وهذه الأعصار. فإنها تزاحمت على مورده العذْبِ أنظارُ المجتهدين، وتسابقت على الدخول في أبوابه أقدامُ الباحثين من المحققين، وغدا ملجأً للنُظّار يأوُون إليه، ومَفزَعًا للهاربين من رقّ التقليدِ يعوّلون عليه، وكان كثيرًا ما يتردّد الناظرون في صحة بعضِ دلائلِه، ويتشكك الباحثون في الراجح والمرجوحِ عند تعارض بعضِ مستنداتِ مسائِله، حَمَلَ حسنُ الظن بي جماعةً من حمَلة العلمِ بعضُهم من مشايخي على أن التمسوا مني القيامَ بشرح هذا الكتاب، وحسَّنوا لي السلوكَ في هذه المسالكِ الضيقةِ التي يتلوّن الخِرِّيتُ (^٢) في [مُوعِرات] (^٣) شِعابِها والهضاب، فأخذتُ في إلقاء المعاذير، وأبنْتُ تعسُّرَ هذا المقصدِ على جميع التقادير، وقلت: القيامُ بهذا الشأنِ يحتاج إلى جملة من الكتب يعِزُّ وجودُها في هذه الديار، والموجودُ منها محجوبٌ بأيدي جماعة عن الأبصار، بالاحتكار والادخار كما تُحجب الأبكار. ومع هذا فأوقاتي مُستغرَقةٌ بوظائف الدرسِ والتدريس، والنفسُ مُؤثِرةٌ لمُطارحة مَهَرةِ المتدربين في المعارف على كل نفيس، ومَلَكتي قاصرة عن القدْر المعتَبر في هذا العلمِ الذي قد دَرَس رسْمُه (^٤)، وذهب أهلُه منذ أزمانٍ قد تصرّمتْ، فلم
_________________
(١) في المخطوط (جـ): (عندها).
(٢) الخرِّيتُ: الماهر الذي يَهْتَدي لأخْرات المفازة، وهي طُرُقُها الخفيَّة ومضايقُها. وقيل: إنه يهتدي لمثل خَرْتِ الإبرة من الطريق. [النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير: (٢/ ١٩)].
(٣) في المخطوط (جـ): (مواعزات).
(٤) درس الرسم دُرُوسًا: عَفَا، القاموس المحيط ص ٧٠١.
[ ١ / ١٠٤ ]
يبقَ بأيدي المتأخرين إلا اسمُه. لا سيما وثوبُ الشباب قَشيب (^١)، ورِدْنُ (^٢) الحَداثةِ بمائها خَصيب. ولا ريبَ أن لعلوّ السن وطولِ المُمارسةِ في هذا الشأن أوفرَ نصيب.
فلما لم ينفعْني الإكثارُ من هذه الأعذار، ولا خلّصني من ذلك المطلبِ ما قدّمتُه من الموانع الكِبار، صمّمْتُ على الشروع في هذا المقصِدِ المحمودِ، وطمِعْتُ أن يكون قد أُتيح لي أني من خدَم السنةِ المطهرةِ معدود. [وربما] (^٣) أدرك الطالعُ (^٤) شأوَ الضليع، وعُدَّ في جملة العُقلاءِ المتعاقلُ الرقيع.