واستدل بهذا الحديث أيضًا على نجاسة الكلب لأنه إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه، ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه بالأولى، وقد ذهب إلى هذا الجمهور. وقال عكرمة ومالك في رواية عنه (^٢): أنه طاهر. ودليلهم قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٣) ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب، ولم [نؤمر] (^٤) بالغسل. وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجَّس من الصيد، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم، ولو سلَّم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه.
واستدلوا أيضًا بما ثبت عند أبي داود (^٥) من حديث ابن عمر بلفظ: "كانتِ الكلابُ تُقبلُ وتُدْبِرُ زمان رسول الله ﷺ في المسجدِ فلم يكونوا يرُشُّونَ شيئًا من ذلكَ" وهو في البخاري (^٦). وأخرجه الترمذي (^٧) بزيادة "وتبول"، ورد بأن البول مجمع على
_________________
(١) سيأتي في كتابنا هذا برقم (٢/ ٢٠).
(٢) انظر: "الاستذكار" (٢/ ٢٥٨).
(٣) سورة المائدة الآية: ٤.
(٤) في (ب): (يؤمر).
(٥) في السنن رقم (٣٨٢).
(٦) في صحيحه (١/ ٢٧٨ رقم ١٧٤) معلقًا. بزيادة: وتبول.
(٧) لم أقف عليه عند الترمذي. وقد أخرجه أحمد رقم (٥٣٨٩) بسند صحيح. والبغوي في شرح السنة (٢/ ٨٢ رقم ٢٩٢) وقال: حديث صحيح.
[ ١ / ٢٠٦ ]
نجاسته، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الإجماع. وأما مجرد الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة، وأيضًا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة أو لطهارة الأرض بالجفاف، قال المنذري (^١): إنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد. قال الحافظ (^٢): "والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها". واستدلوا على الطهارة أيضًا بما سيأتي من الترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع (^٣). وأجيب [بأنه] (^٤) لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، غاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به.