وقد استدل بالنهي عن الاغتسال في الماء الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلًا للتطهير، لأن النهي ههنا عن مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا الحكم لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقذر الماء كما يقذره الغسل.
وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي، والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة في رواية عنه (^٧)، واحتجوا بهذا الحديث، وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة (^٨)، واحتج لهم في البحر (^٩) بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه.
_________________
(١) في المسند (٢/ ٣١٦).
(٢) في السنن (رقم ٧٠) وهو حديث صحيح.
(٣) زيادة من (جـ).
(٤) في "فتح الباري" (١/ ٣٤٦).
(٥) الباب السادس: باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة. من كتابنا هذا.
(٦) رقم (١٥/ ١٥) من كتابنا هذا.
(٧) انظر: "البحر الزخار" (١/ ٣٤ - ٣٥). و"بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد بتحقيقنا. (١/ ٧٩).
(٨) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (٩/ ٩).
(٩) "البحر الزخار" (١/ ٣٤).
[ ١ / ١٦٩ ]
وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا بل مصيره مستخبثًا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة: يتناوله تناولًا، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخص من الدعوى، لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا ولو سلم، فالدليل أخص من الدعوى لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل وبالمعارضة بما أخرجه مسلم (^١) وأحمد (^٢) من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ: "كان يغتسل بفضل ميمونة" وأخرجه أحمد (^٣) أيضًا، وابن ماجه (^٤) بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضًا أحمد (^٥) وأبو داود (^٦) والنسائي (^٧) والترمذي (^٨) وصححه من حديثه بلفظ: "اغْتَسَلَ بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ فجاءَ النبيُّ ﷺ ليتوضأ منها أو يَغْتسِل فقالَتْ له: يا رسول الله إني كنتُ جنبًا فقالَ: "إن الماءَ لا يُجْنِبُ"، وأيضًا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال سيأتي بيانه في بابه (^٩)، وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم كالحسن البصري (^١٠) والزهري (^١١) والنخعي (^١٢) ومالك (^١٣) والشافعي (^١٤) وأبي حنيفة (^١٥) في إحدى الروايات عن
_________________
(١) و(^٢) وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (١٠/ ١٠) من كتابنا هذا.
(٢) و(^٤) وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (١١/ ١١) من كتابنا هذا.
(٣) و(^٦) و(^٧) و(^٨) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (١٢/ ١٢) من كتابنا هذا.
(٤) في الباب الخامس: باب ما جاء في فضل طهور المرأة. رقم الحديث (٩/ ٩).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١/ ٩ رقم ١٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢١ - ٢٢).
(٦) حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ٤٣)، وابن قدامة في "المغنى" (١/ ٣١).
(٧) أخرج له ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢١ - ٢٢).
(٨) انظر: "فتح البر" (١/ ١٤ - ١٥).
(٩) انظر: "المجموع" (١/ ٢٠٥).
(١٠) انظر: "شرح فتح القدير" (١/ ٩٠ - ٩٢).
[ ١ / ١٧٠ ]
الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم (^١) إلى عطاء (^٢) وسفيان الثوري (^٣) وأبي ثور (^٤) وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني، لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار، وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية لا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث: "خلق الماء طهورًا" (^٥) وحديث "مَسْحَهُ ﷺ رأسَهُ بفضل ماء كانَ بيده" (^٦)، وسيأتي وغيرهما. وقد استدل المصنف (^٧) ﵀ بحديث الباب على عدم صلاحية المستعمل للطهورية فقال: "وهذا النهي عن الغسل فيه يدل على أنه لا يصح ولا يجزي، وما ذاك إلا لصيرورته مستعملًا بأول جزء يلاقيه من المغتسل فيه، وهذا محمول على الذي لا يحمل النجاسة، فأما ما يحملها فالغسل فيه مجزئ، فالحدث لا يتعدى إليه حكمه من طريق الأولى" انتهى.