المبحث الثاني: الحالة الدينية.
المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.
* * *
المبحث الأول الحالة السياسية
كانت الدولةُ الإسلاميةُ الكبرى تُعاني من ضعف شديد، بلغت الصراعاتُ المذهبيةُ فيها درجةً أشعلت الحربَ بين الدولتين: العثمانيةِ السُّنّية، والدولةِ الصّفَوية الشيعية. وكان المغرِبُ العربي يعاني من صراعات عِرقيةٍ وقَبَلية سهّلت اجتياحَ الحَمَلات الإسبانيةِ والبرتغاليةِ لأرجاء تلك البلادِ.
ولعبت الأُسَرية والقَبَليةُ والقوةُ الدورَ الحاسم في تولّي الحكم والسُّلطة، ومن ثَمّ تحديدِ طبيعةِ النظامِ الحاكم، وهو أمرٌ مخالفٌ لمبدأ الشورى الإسلامي.
وقد أدى وجودُ الدولِ الإسلامية المستقلةِ إلى ضَعف دولةِ الخلافةِ العُثمانية، مما أضعفَ شوكتَها أمام أعدائِها - أعداءِ الإسلام -.
وفي ظروف التفككِ والضعفِ هذه، برزتْ إلى الوجود قواتُ الغزوِ الصليبيِّ العسكري - الاقتصادي بشقّيه: الروسي والأوربي، مستهدفةً اقتسامَ بلاد المسلمين، بعد الإجهازِ على دولة الخلافةِ الإسلامية - العثمانيةِ التي أُطلق عليها يومئذ: الرجلُ المريض.
[ ١ / ١٩ ]
وكانت الظروفُ مهيأةَ أمامَ الغزوِ الصّليبيِّ، فثغورُ المسلمين غيرُ محصّنة، وخاصةً في سواحل البحرِ الأحمرِ، وبشكل أخصَّ في بوّابتيه الشمالية والجَنوبية، والخليجِ العربيِّ والبحرِ العربي (المحيط الهندي)، بالإضافة إلى تراخي المسلمين عن الجهاد.
وخالفت الدولُ الإسلاميةُ مبدأً أساسيًا في القرآن الكريم، وهو مبدأ (الولاء) ويعني المناصرة، فكانت الدولةُ العثمانية توالي الإنجليزَ ضدّ الفرنسيين، وكان (محمد علي باشا) يوالي الفرنسيين ضد (الإنجليز)، وحلَّت العقوبةُ الإلهيةُ بكل من القوتين المسلمتين، قوة العثمانيين، وقوة (محمد علي باشا)، حيث تآمرت كلٌ من (فرنسا) و(إنجلترا) مع أربع دول أخرى على كل منهما، ومهما قيل من تحليل حول أصداءِ الحملةِ الفرنسية، فقد كانت صدمةً عسكرية - صليبيةً - لمِصْرَ وللعالم الإسلامي، حيث اكتشف المسلمون أنهم لم يواكبوا التطورَ العلميِّ - التّقْني الذي سارت في ركابه الدولُ الأوربية، مما أوجد فجوةً كبيرة بين الطرفين فساعدت على هزائم المسلمين أمام الغزوِ الأوربي المتعاضدِ حينًا والمتنافسِ حينًا آخرَ، ولو لم تكن القُوى الإسلامية - مهما بلغت من التفكك - قد بعثرتْ ما لديها من أسباب القوةِ في صراعاتها العديدة لاستطاعت مواكبةَ الركْب الأوربي، وإليك بعضَ الأشكالِ المختلفة لتلك الصراعاتِ: صراعًا عثمانيًا - صوفيًا، وصراعًا عثمانيًا - وهَّابيًا، وصراعًا عثمانيًا، - مصريًا، وصراعًا سعوديًا - مصريًا، وصراعًا إنجليزيًا - مصريًا، وصراعًا عثمانيًا - فرنسيًا، وصراعًا يمنيًا - سعوديًا، والصراعُ الأخيرُ كان صراعَ مهادنةٍ وحذَرٍ وتربّص.
وكانت هناك أربعُ قُوَى يمكن أن تمثل أملَ التقدمِ والتطورِ لبلاد المسلمين، ويمكن أن تنتصِرَ لو اجتمعت على الزحف الأوربيّ الواسعِ النِطاق، وهذه القُوى هي: قوةُ (محمدِ بن عبدِ الوهاب) وأتباعِه التي تركزت حول التغييرِ العَقَديِّ كأساس للتغيير الشاملِ والتقدمِ في كل جوانب الحياةِ بعد ذلك، ويمكن أن يُطلقَ عليها: (ثورة العقيدة)، وكانت هناك قوةُ الحركةِ الإصلاحية المعاصِرَة للحركة الوهابيةِ وهي حركةُ (محمدِ بن عليّ الشوكاني)، التي تركزت في دفع المسلمين نحو التحررِ من التقليد والجُمود، وتحريكِ عجلةِ الاجتهادِ بعيدًا عن العصبيات
[ ١ / ٢٠ ]
المذهبيةِ والسُّلالية فهي: (ثورة العقل)، وكانت هناك حركةٌ فتيةٌ تولَّى قيادَها (محمد علي باشا) تركزت حول الاستفادةِ الجادةِ والسريعةِ من التطور العلميّ - التقْنيِّ الذي وصل إليه الأوربيون، فكانت حركةَ (ثورة العلمِ والتكنولوجيا)، وكانت القوةُ الرابعةُ هي: قوةُ العثمانيين العسكرية التي صمَدت إلى حين أمام الغزوِ الأوربي - الصليبيّ، لولا معاناتُها من الحروب الداخلية، ومن تآمُر الحركة الماسونية المتمثّلة يومئذ بجمعية (الاتحاد والترقي) التركية - العلمانية الاتجاه، بالإضافة إلى تآمُر كلٍ من: روسيا وإنجلترا وفرنسا واليونان والنمسا عليها وعلى (محمد علي باشا)، في نهاية مطاف (الولاء) والصداقة الكاذبة، ولو قُدّر لهذه القُوى الأربعِ أن تجتمعَ في معسكر واحدٍ مكلَّلة بالإيمان لاستطاعت امتلاكَ المسيرة الحضاربةِ المعاصرة، بعيدًا عن أمراضها المادية والخُلُقية، ولتمكّنت بمشيئة الله من إنماء حياةِ المسلمين والإنسانية في كل أرجاءِ العالم.
ولم تخْلُ اليمنُ من أمراض القُوى الإسلاميةِ الكبرى، فقد وُجدت صراعاتٌ داخليةٌ في ظل نظامِ الحكم الزيديِّ الإمامي هي: صراعاتٌ أُسريةٌ على الإمامة، وصراعاتٌ فيما بين القبائل ذاتِ الشوكةِ من ناحية، وفيما بينها وبين دولةِ الإمامة من ناحية أخرى، وصراعاتٌ بين دولةِ الأئمةِ وبين قوةِ الحركةِ الإسماعيلية الباطنية - القِرْمطية، المتمركزة في منطقتي (حراز) و(نجران).
وكان حكمُ الإمامةِ يتّسم تارةً بالعدل وتارة أخرى بالجَور، وأحيانًا بالقوة وأحيانًا بالضعف. ولأخلاقيات وزراءِ الإمامِ ودعاةِ الإمامة وطبيعةِ سلوكِ الإمام تأثيرٌ كبير بالإيجاب أو السلب على طبيعة النظامِ الحاكم.
وكانت سيادةُ اليمنِ غيرَ كاملةِ على كل أجزائها، فهناك الصراعُ ضدَّ سلطةِ أشرافِ أبي عريش والمِخْلاف السُليماني، وهناك سلطناتٌ مستقلةُ كسلطنة (لَحْج) في الجنوب، وهناك سلطنةُ الأتراك في (زبيد)، وقد احتل الإنجليزُ عدَنَ عام ١٢٥٥ هـ (بعد موت الشوكانيّ بخمس سنوات)، واحتل أنصارُ الدعوةِ الوهابية - السلفية - بلاد أبي عريش والمخلاف السليماني، وتمكنوا من الاستيلاء على الحديدة (أيام الإمامِ المتوكل على الله أحمد) وكانت دولةُ الأئمةِ تهادن حركةَ (محمد بن عبد الوهاب)، فتبادل أنصارُها المكاتباتِ والرسلَ، وقاموا بتطبيق ما قام
[ ١ / ٢١ ]
به سيدنا (علي ﵁ من تحطيم للقِباب وتسويةٍ للقبور بأمر رسول الله ﷺ وهو سلوكٌ أثلج صدورَ علماء الحركة الوهابية - السلفية - وقد قام الشوكانيُّ بدور بارز في تلك المكاتبات والمقابلاتِ لأولئك العلماء (الرسل)، وكان له دورٌ بارزٌ أيضًا في إقامة العلاقاتِ الدبلوماسيةِ الناجحةِ مع أشراف مكة والحجاز، وأشرافِ أبي عريش والمخلاف السليماني، وقواتِ (محمد علي باشا) عبرَ مكاتباتهِ التي يُسندها الأئمةُ إليه، وغيرِ الرسل التي يوكل الأئمةُ له صلاحيةَ اختيارِهم.
وقد أبدى النظامُ الإماميُّ استعدادًا طيبًا لمشاركة المسلمين في صدّ الغزوِ الصليبي - الاقتصادي - العسكري، كاستعداده لمجابهة الحملةِ الفرنسية، وحَمَلات البرتغاليين، ورفْضِ إقامة قاعدةٍ إنجليزيةِ في باب المندَب، وتولّى الشوكاني بمكاتباته إعلانَ المواقفِ السياسية المتّصلة بهذا الاستعداد، وكان لهذه الأوضاعِ آثارُها الاجتماعيةُ والاقتصادية والإداريةُ والفكرية (^١).