قال الحافظُ الذهبيُّ: حدثني شيخُنا - يعني أبا العباسِ ابنَ تيميةَ شيخَ الإسلام حفيدَ الشيخِ مجدِ الدينِ هذا - أن جدِّه رُبِّي يتيمًا، وأنَّه سافر مع ابن عمِّه إلى العراق ليخدُمَه ويشتغلَ معه وهو ابنُ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، فكان يبيت عنده، فيسمعه
_________________
(١) = ٤ - غايةُ النهايةِ في طبقات القراءِ لابن الجزري/ ٨٣٣ هـ. (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦ ت: ١٦٤٧).
(٢) سِيَر أعلام النبلاء؛ لمحمد بن أحمدَ بن عثمانَ الذهبيِّ/ ٧٤٨ هـ. (٢٣/ ٢٩١ - ٢٩٣ ت: ١٩٨).
[ ١ / ٥٢ ]
يكرر عليَّ مسائلَ الخلاف، فيحفظ المسألة، فقال الفخرُ إسماعيلُ: إيش حفِظ هذا التنّين؟ - يعني الصغيرَ -، فبدَر وقال: حفظتُ يا سيدي الدرْسَ، وعرضه في الحال، فبُهت فيه الفخر، وقال لابن عمه: هذا يَجيء منه شيء، فعرَضه على الاشتغال، قال: فشيخُه في الخلاف: الفخرُ إسماعيل، وعرض عليه مصنَّفَه "جنة الناظر" وكتب له عليه سنةَ ستٍ وستمائة: "وعرض عليَّ الفقيهُ الإمامُ العالمُ أوحدُ الفضلاءِ" أو نحو هذه العبارة وأخرى نحوها، وهو ابن ستةَ عشرَ عامًا.
قال الذهبيُّ: قال لي شيخُنا أبو العباس: كان الشيخُ جمالُ الدينِ بنُ مالكٍ يقول: "أُلين للشيخ المجدِ الفقهُ كما أُلين لداودَ الحديدُ".
قال: وبلغَنا أن الشيخَ المجدَ لما حجَّ من بغدادَ في آخر عمرِه، واجتمع به الصاحبُ العلامةُ محيي الدين بنُ الجوزيِّ، فانبهر له، وقال: هذا الرجلُ ما عندنا ببغدادَ مثلُه، فلما رجع من الحج التمسوا منه أن يُقيمَ ببغداد، فامتنع، واعتلَّ بالأهل والوطن.
قال: وكان حجُّه سنةَ إحدى وخمسين.
وفيها حجّ الشيخُ شمسُ الدين بنُ أبي عمرَ، ولم يتفقْ اجتماعُهما.
قال: وكان الشيخُ نجمُ الدينِ بنُ حَمدانَ مصنفُ "الرعاية" يقول: كنت أُطالع على درس الشيخ المجدِ، وما أبقى ممكنًا، فإذا حضرتُ الدرسَ أتى الشيخُ بأشياءَ كثيرةٍ لا أعرِفها.
وقال ابن حمدان، في تراجم شيوخِ حرّان: صحِبتُه في المدرسة النُّورية بعد قدومي من دمشق، ولم أسمعُ منه شيئًا، ولم أقرأ عليه، وسمعتُ بقراءته على ابن عمِّه كثيرًا.
وليَ التدريس والتفسيرَ بعد ابن عمِّه، وكان رجلًا فاضلًا في مذهبه وغيرهِ، وجرى لي معه مباحثُ كثيرةٌ، ومناظرات عديدة في حياة ابن عمِّه وبعده.
قلت: وجدتُ لابن حَمدانَ سماعًا عليه.
وقال الحافظُ عزُّ الدينِ الشريفُ: حدّث بالحجاز، والعراقِ، والشامِ، وبلدِه حرّانَ، وصنف ودرّس، وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء ببلده، وبيتُه مشهورٌ بالعلم والدينِ والحديث.
[ ١ / ٥٣ ]
قال الذهبي: قال شيخُنا: كان جذنا عجَبًا في حفظ الأحاديثِ وسردِها بلا كُلفة، وحفْظِ مذاهبِ الناس.
وقال الذهبي أيضًا: حكى البُرهانُ المَراغي: أنه اجتمع بالشيخ المجْد، فأورد نُكتةً عليه، فقال المجْد: الجوابُ عنها من ستين وجهًا، الأول كذا، والثاني كذا، وسرَدها إلى آخرها. ثم قال للبرهان: قد رَضِينا منك بإعادة الأجوبة، فخضَع وانبهر.
قال الذهبيُّ الحافظ: كان الشيخُ مجدُ الدينِ معدومَ النظيرِ في زمانه، رأسًا في الفقه وأصولِه، بارعا في الحديث ومعانيه، له اليدُ الطُّولى في معرفة القرآنِ والتفسير، وصنّف التصانيف، واشتهر اسمُه، وبَعُدَ صِيتُه. وكان فردَ زمانِه في معرفة المذاهب، مُفْرِطَ الذكاء، مَتينَ الدِّيانة، كبيرَ الشأن.
قال شيخُنا أبو عبد اللهِ بنُ القيّم: حدثني أخو شيخِنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الحليم بن تيميةَ - قلت: وقد أجازني عبدُ الرحمن هذا عن أبيه - قال: كان الجد إذا دخل الخلأَ يقول لي: اقرأ في هذا الكتابِ وارفع صوتَك حتى أسمَعَ.
قلت: يشير بذلك إلى قوة حرصِه على العلم وحصولِه، وحفظه لأوقاته.
وللصرصري من قصيدته اللاميةِ في مدح الإمامِ أحمدَ وأصحابِه:
وإن لنا في وقتنا وفتوره … للإخوان صدقِ بغيةَ المتوصِّلِ
يذبّون عن دين الهدى ذبَّ ناصرٍ … شديدِ القُوى، لم يستكينوا لمُبطل
فمنهم بحرّانَ: الفقيهُ النبيهُ ذو … الفوائدِ والتصنيفِ في المذهب الجلي
هو المجْدُ ذو التقوى ابنُ تيميّة الرَّضِي … أبو البركاتِ العالمُ الحُجةُ المَلي
محرّره في الفقه حرّر فقهَنا … وأحكمَ بالأحكام على المبجّل
جزاهم خيرًا ربُّهم عن نبيهم … وسنّتِه، آلَوْا به خيرَ موئِلِ