وأما أحمدُ بنُ حنبلٍ (^٢) فهوَ الإمامُ الكبيرُ المجمعُ على إمامتِهِ وجلالتِهِ أحمدُ بنُ محمدِ بن حنبل بن هِلالِ الشيبانيُّ، رَحَلَ إلى الشَّامِ والحجازِ واليمنِ وغيرِها وسمعَ من سُفيانَ بن عُيينةَ وطبقتِهِ، وَروى عنهُ جماعةٌ مِنْ شُيوخِهِ وخلائقُ آخرونَ لا يُحْصَونَ منهمُ البخاري ومسلمٌ. قال أبو زُرْعةَ: [كان] (^٣) كُتبُ أحمدَ بن حنبلٍ اثنَيْ عشرَ حِمْلًا، وكان يحفظُها على ظَهْرِ قلبِهِ، وكانَ يحفظُ ألفَ ألفِ حديثٍ، وُلدَ في شهرِ ربيعٍ الأولِ سنةَ أربعٍ وستينَ ومائةِ وتُوفيَ سنةَ إحدَى وأربعينَ ومائتينِ على الأصحِّ، وله كراماتٌ جليلةٌ، وامتُحِنَ المحنَةَ المشهورةَ. وقد طوَّل المؤرِّخونَ ترجمتَهُ وذكَرُوا فيها عجائبَ وغَرائبَ. وترجمهُ الذهبي في النبلاءِ (^٤) في مقدارِ خمسينَ ورقَةَ وأُفرِدَتْ ترجمتُهُ بمصنفاتٍ مُسْتَقلَّةٍ (^٥)، وله ﵀ المسندُ الكبيرُ انتقاهُ من أكثرَ مِنْ سبعمائةِ ألفِ حديثِ وخمسينَ ألفِ حديثِ، ولم يُدْخِلْ فيهِ إلَّا ما يُحتجُّ بهِ، وبالغَ بعضُهم فأطلَقَ على جميعِ ما فيهِ أنهُ
_________________
(١) = • نقل ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" ص ١٩، تحقيق الدكتور: نور الدين عتر، عن الإمام البخاري قوله: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلَّا ما صح، وتركت من الصحاح لملال الطول" اهـ. • ونقل ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" ص ٢٠، عن الإمام مسلم قوله: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" اهـ. • وانظر ما قاله الإمام النووي في مقدمة شرحه لمسلم (١/ ٢٤).
(٢) في "تاريخ بغداد" (١٣/ ١٠٢).
(٣) انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ٥ رقم ١٥٠٥) و"الجرح والتعديل" (٢/ ٦٨ - ٧٠ رقم ١٢٦) و"تاريخ بغداد" (٤/ ٤١٢ - ٤٢٣ رقم ٢٣١٧) و"تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ١١٠ - ١١٢ رقم ٤٥) و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢ رقم ٤٣٨).
(٤) كذا في المخطوط (أ، ب، جـ) والصواب (كانت).
(٥) (١١/ ١٧٧ - ٣٥٨ رقم ٧٨).
(٦) مثل: "مناقب الإمام أحمد بن حنبل" لابن الجوزي، و"ابن حنبل" للشيخ محمد أبي زهرة.
[ ١ / ١٢٤ ]
صحيحٌ. وأمَّا ابنُ الجوزيِّ فأدْخَلَ كثيرًا منه في موضوعاته، وتعقبَهُ بعضُهم في بعضِها، وقد حقَّقَ [الحفاظُ] (^١) نفيَ الوضْعِ عنْ جميعِ أحاديثِهِ، وأنهُ أحسَنُ انتقاءً وتحريرًا مِنَ الكُتُبِ التي لم يلتزمْ مُصنِّفوهَا الصِّحَّةَ في جميعِها كالموَطَّأ والسُّننِ الأرْبَعِ، وليستِ الأحاديثُ الزائِدَةُ فيه على الصحيحين بأكثرَ ضَعْفًا من الأحاديثِ الزائدةِ في سننِ أبي داودَ والترمذيِّ. وقد ذكَرَ العراقي أن فيهِ تِسْعَةَ أحاديثَ موضوعةٍ (^٢)، وأضافَ إليها خمسةَ عشرَ حديثًا أورَدَهَا ابنُ الجوزي في الموضُوعاتِ (^٣) وهي فيهِ، وأجابَ عنها حديثًا حديثًا. قال الأسيوطى: وقد فاتَهُ أحاديثُ أُخَرُ أوْردَهَا ابنُ الجوزيِّ وهي فيهِ، وقد جَمَعَهَا السُّيوطيُّ في جُزءٍ سماه "الذيْلَ الممهدَ" وذَبَّ عنها، وعِدَّتُها أربعةَ عشرَ حديثًا. قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في كتابِه "تعجيل المنفعة في رجالِ الأربعةِ" (^٤): ليسَ في المسندِ حديثٌ لا أصْلَ له إلا ثلاثةَ أحاديثَ أو أربعةً، مِنْها حديثُ عبدِ الرحمن بن عوفٍ أنهُ يدخلُ الجنةَ زحفًا (^٥). قال: والاعتذارُ عنهُ أنه مِمّا أمَرَ أحمدُ بالضربِ عليهِ فتُرِكَ سَهوًا. قال الهيثمي في زوائد المسند (^٦): "إن مُسْنَدَ أحمدَ أصَحُّ صحيحًا مِنْ غيرهِ، لا يُوازي مُسندَ أحمدَ كتابٌ مسندٌ في كَثْرَتِهِ وحُسْنِ سِيَاقَاتِهِ"، قال السيوطى في خُطْبَةِ كتابِهِ "الجامِعُ الكبيرُ" (^٧) ما لفظُه: "وكل ما كانَ في مُسندِ أحمدَ فهو مقبولٌ، فإن الضعيفَ الذي فيه يقرب من الحسن، انتهى.
_________________
(١) في (ب) و(جـ): (الحافظ).
(٢) انظر تخريجها والكلام عليها في: "القولُ المُسدّدِ في الذبِّ عن مسند الإمامِ أحمد" لابن حجر العسقلاني (ص ٤٥ - ٧١).
(٣) انظر تخريجها والكلام عليها في "القولُ المسدّد" ص ٧٣ - ١٠٢.
(٤) (١/ ٢٤٠ - ٢٤١).
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١١٥). والطبراني في الكبير (١/ ١٢٩ رقم ٢٦٤) والبزار كما في الكشف (٣/ ٢٠٩ رقم ٢٥٨٦). وقال الهيثمي: هذا منكر، وعلته عمارة بن زاذان، قال الإمام أحمد: له مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وضعفه الدارقطني. وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٣) ولم يصب. وانظر: "القول المسدد" (ص ٦٥ - ٦٩) وتنزيه الشريعة (٢/ ١٤ - ١٥).
(٦) أي في زوائد المسند على الكتب الستة وهو كتاب غاية المقصد.
(٧) (١/ ١٦).
[ ١ / ١٢٥ ]