وقبل الشروعِ في شرح كلامِ المصنفِ نذكرُ ترجمتَه على سبيل الاختصارِ فنقول: هو الشيخُ الإِمامُ علامةُ عصرِه المجتهدُ المطلق، أبو البركاتِ شيخُ الحنابلةِ مجدُ الدينِ عبدُ السلام بن عبدِ الله بن أبي القاسم بن محمدِ بن الخِضرِ بن محمدِ بن علي بن عبدِ اللهِ الحزاني المعروفُ بابن تَيْميةَ.
قال الذهبي في النبلاء (^١): "ولد سنةَ تسعينَ وخمسمائةٍ تقريبًا، وتفقَّه على
_________________
(١) أي: "سير أعلام النبلاء" (٢٣/ ٢٩١ - ٢٩٢).
[ ١ / ١٠٦ ]
عمِّه الخطيب، وقدِم بغدادَ وهو مراهقٌ مع السّيف ابن عمه، وسمعَ من أحمدَ بن سُكينةَ وابنِ طَبَرْزَدَ ويوسفَ بن كاملٍ، وعدةٍ. وسمعَ بحرّانَ من حَنْبَل وعبدِ القادر الحافظِ، وتلا بالعشرِ على الشيخِ عبد الواحد بن سلطان.
حدًثَ عنه ولدُهُ شهابُ الدين والدمياطى وأمينُ الدينِ بنُ شُقيرٍ وعبد الغني بن منصورٍ ومحمدُ بنُ [البزار] (^١) والواعظُ محمد بنُ عبدِ المحسنِ وغيرهم، وتفقه وبرعَ واشتغلَ وصنَّفَ التصانيفَ، وانتهت إليه الإِمامةُ في الفقهِ ودرس القراءات، وصنَّف فيها أرجوزةَ. تلا عليه الشيخ القيرواني. وحج في سنة إحدى وخمسين على درب العراقِ، وابتهر علماءُ بغدادَ لذكائِهِ وفضائِلهِ. والتمس منه أُستاذ دارِ الخلافة محيي الدين بن الجوزيّ الإِقامةَ عندهم فتعلّل بالأهلِ والوطنِ".
قال الذهبي (^٢): "سمعتُ الشيخَ تقيَّ الدين أبا العباسِ يقول: كان الشيخُ ابن مالكَ (^٣) يقولَ: أُلينَ للشيخِ المجد الفقهُ كما أُلينَ لداودَ الحديدُ. قال الشيخ: وكانت في جدّنا حدّة، اجتمع ببعض الشيوخ وأورد عليه مسألة، فقال: الجواب عنها من ستين وجهًا: الأول كذَا، والثاني كَذَا، وسرَدها إلى آخِرِهَا، وقد رضِينا عنكَ بإعادةِ أجوِبةِ الجميعِ فخضعَ له وابْتهرَ.
قال العلامةُ ابنُ حمدانَ: كنتُ أُطالعُ على درسِ الشيخِ وما أبقي مُمكنًا، فإذا أصبحْتُ وحضرتُ ينقلُ أشياءَ غريبةً لم أعْرِفْها.
قال الشيخُ تقي الدين: وجَدْنَاه عجيبًا في سَرْدِ المُتونِ وحِفْظِ المذاهبِ بلا كُلْفةٍ، وسافَرَ مع ابن عفه إلى العراقِ ليخدِمَه، وله ثلاثَ عشرةَ سنةً، فكانَ يبيتُ عندَهُ وَيَسْمَعُهُ يُكرِّرُ مسائلَ الخلافِ فيحفظُ المسألةَ … وأبو البقاءِ شيخُهُ في النحْوِ والفرائضِ، وأبو بكر بن غُنَيمةَ شيخُهُ في الفِقْهِ، وأقام ببغدادَ ستةَ أعوامٍ مُكِبًّا على الاشتغالِ، ثم ارتحلَ إلى بغدادَ قبلَ العشريْنَ وستمائةِ، فتزيَّدَ من العلْمِ وصنفَ التصانيفَ مع الدينِ، والتقْوى وحسنِ الاتباع. وتُوفي بحرَّانَ يومَ الفطرِ سنةَ اثنتين وخمسينَ وستمائةٍ" اهـ.
_________________
(١) في "سير أعلام النبلاء" "القزاز".
(٢) في السير أيضًا (٢٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٣) وهو: جمال الدين بن مالك.
[ ١ / ١٠٧ ]
وإنَّما قيلَ لجدِّه: تيميةُ، لأنهُ حجَّ على دربِ تيماءَ فرأى هناكَ طِفْلةً، فلما رجعَ وجدَ امرأتَه قد وَلَدَتْ له بِنْتًا فقالَ: يا تيميةُ يا تيميةُ فلُقِّبَ بذلكَ. وقيلَ: إن أمَّ جدِّه كانتْ تُسَمَّى تيميةَ، وكانتْ واعِظَةَ، وقد يلتبِسُ على مَنْ لا مَعْرِفَةَ له بأحوالِ الناسِ صاحبُ الترجمةِ هذا بحفيدِهِ شيخِ الإِسلامِ تقي الدينِ أحمدَ بن عبدِ الحليمِ شيخِ ابن القيِّم الذي لهُ المقالاتُ التي طالَ بينَهُ وبينَ أهلِ عصرِهِ فيها الخصامُ، وأُخْرِجَ من مِصْرَ بسببِهَا، وليسَ الأمرُ كذلكَ.
قال في تذكِرَة الحفاظِ (^١) في ترجمةِ شيخِ الإِسلامِ: "هوَ أحمدُ ابنُ المفتي عبدِ الحليمِ ابن الشيخِ الإِمام المجتهدِ عبدِ السلامِ بن عبدِ الله بن أبي القاسِم الحرَّاني". وعمُّ المصنِّفِ الذي أشارَ الذهبي في أوَّلِ الترجمةِ أنه تفقهَ عليهِ، ترجَم له ابنُ خِلِّكَانَ في تاريخِهِ (^٢) فقال: "هو أبو عبدِ اللهِ محمدُ بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن علي بن عبدِ اللهِ المعروفُ بابنِ تيميةَ الحرَّانيُ الملقَّبُ فخرُ الدين الخطيبُ الواعِظُ الفقيهُ الحنبلى كانَ فاضِلًا تفرَّدَ في بلدِه بالعِلْمِ. ثم قالَ: وكانتْ إليهِ الخِطَابةُ بحرّانَ ولم يزلْ أمرهُ جاريًا على سَدَادٍ، [و] (^٣) مولِدُه في أواخِرِ شعبانَ سنةَ اثنتينِ وأربعينَ وخمسمائةِ بمدينةِ حرَّانَ، وتُوفي بها في حادِي عشر صفرَ سنةَ إحْدَى وعشرينَ وستمائَةٍ، ثم قالَ: وكانَ أبوهُ أحدَ الأبدالِ (^٤) والزهَّادِ".
_________________
(١) للحافظ الذهبي (٤/ ١٤٩٦ ت: ١١٧٥).
(٢) عزاه إليه في ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٥٢). وانظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٥١ - ١٦٢ ت: ٢٧٤).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) • قال ابن قيم الجوزية في "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" ص ١٣٦: "٣٠٧ - ومن ذلك: أحاديثُ الأبدال، والأقطاب، والأغواث، والنقَباء، والنجَبَاء، والأوتاد، كُلُّها باطلة على رسول الله ﷺ … " اهـ. • قال علي القاري في "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" ص ١٠١: "٦ - حديث: الأبدالُ من الأولياءِ"، له طرقٌ عن أنس مرفوعًا بألفاظٍ مختلفة، كلها ضعيفة … "اهـ. • وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص ٤٣: "٨ - حديث: "الأبدال". له طرق عن أنس ﵁ مرفوعًا بألفاظ مختلفة، كلها ضعيفة" ثم قال ص ٤٥ بعد أن أورد طرقًا عديدة له: "وبعضها أشد في الضعف من بعض". • وقال الدكتور محمد الصباغ في تحقيقه لـ "مختصر المقاصد الحسنة" ص ٤٨: =
[ ١ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "ويبدو أن الذي سوَّغ لكثير من المتأخرين قبول حديث الأبدال سيطرة كثير من مصطلحات الصوفية أحقابًا من الدهر وشيوعها، حتى أصبحت مقبولة وكأنها بديهية مسلَّمة. وموضوع الأبدال من أقدم الأمثلة على ذلك، فقد ذكر السخاوي أن كلمة "الأبدال" وردت في كلام الشافعي والبخاري وغيرهما، ولكن التحقيق العلمي الذي اعتمده سلفنا الصالح أولى بالتحكيم. والله أعلم". اهـ. • قلت: في "المسند" للإمام أحمد، حديثان عن الأبدال: (أحدهما): ما أورده في مسند علي، عن شريح بن عبيد قال: ذُكر أهل الشام عند علي ﵁ وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين. قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأبدال بالشام وهم أربعون رجلًا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا، يُسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب". أخرجه أحمد في المسند رقم (٨٩٦ - شاكر) وقال أبو الأشبال: "إسناده ضعيف، لانقطاعه. شُرَيح بن عُبيد الحضرمي الحمصي: لم يُدرك عليًا، بل لم يُدرك إلا بعض متأخري الوفاة من الصحابة، وقد سبقت له رواية منقطعة أيضًا عن عمر بهذا الإسناد، رقم (١٠٧ - شاكر). وخلاصة القول أن حديث علي حديث ضعيف والله أعلم. والحديث ذكره قاضي الملك المِدْرَاسي في "ذيل القول المسدّد" (٨٩ - ٩٠) مستدلًا به على ثبوت حديث الأبدال، وهو استدلال ضعيف كما ترى. وسيأتي في شأنهم حديث آخر في مسند عبادة بن الصامت (٥/ ٣٢٢) ط. الحلبي. قال فيه أحمد هناك: "وهو منكر" اهـ. قلت: ولفظه: "الأبْدالُ في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن ﷿، كلما ماتَ رجلٌ أبدَل اللهُ ﵎ مكانه رجُلًا". وأورد المحدث الألباني الحديث في "الضعيفة" رقم (٩٣٦) وقال: "هو حديث منكر" في سنده: عبد الواحد بن قيس. قال الحافظ في "التقريب" (ت: ٤٢٤٨): "صدوق له أوهامٌ ومراسيل". وقد ضعفه الجمهور. وقال الذهبي في "الكاشف" (ت: ٣٥٥٥): "منكر الحديث". وفي سنده أيضًا: الحسن بن ذَكْوان. قال الحافظ في "التقريب" (ت: ١٢٤٠): "صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس". وعبد الواحد بن قيس لم يدرك عبادة بن الصامت. والحسن بن ذكوان عنعن هنا. فالسند مع ضعفه منقطع. ثم قال الألباني: "ومما تقدم تعلم ما في قول الهيثمي من الإلهام، فقال في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٦٢) وقلده السيوطي في "الحاوي" (٢/ ٢٤٦): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الواحد بن قيس، وقد وثقه العجلي وأبو زرعة وضعفه غيرهما". =
[ ١ / ١٠٩ ]
قال المصنّفُ قدّسَ اللهُ روحَه ونوَّرَ ضَرِيحَه: