وقد سلكتُ في هذا الشرح لطول المشروحِ مسلكَ الاختصار، وجرّدتُه عن كثير من التفريعات والمباحثاتِ التي تُفْضي إلى الإِكثار، لا سيما في المقامات التي يقِلّ فيها الاختلاف، ويكثُر بين أئمةِ المسلمين في مثلها الائتلاف. وأما في مواطن الجدالِ والخصامِ فقد أخذتُ فيها بنصيب من إطالة ذيولِ الكلام؛ لأنها معاركُ تتبين عندها مقاديرُ الفحول، ومفاوِزُ لا يقطع شِعابَها (^٥) وعقابها (^٦) إلا نحاريرُ (^٧) الأصول، ومقاماتٌ تتكسّر فيها النِّصالُ على النصال، ومواطنُ تُلجَم عندها أفواهُ الأبطالِ بأحجار الجِدال، ومواكبُ تعرَقُ فيها جباهُ رجالِ حل الإِشكالِ والإِعضال.
وقد قمت ولله الحمدُ في هذه المقاماتِ مقامًا لا يعرِفُه إلا المتأهِّلون، ولا يقِف على مقدار كُنْهِه من حَمَلة العلمِ إلا المُبرِّزون. فدونك يا من لم تذهَبْ ببصر بصيرتِه أقوالُ الرجال، ولا تدنّسَتْ فطرةُ عِرفانِه بالقيل والقال - شرحًا يشرح الصدور، ويمشي على سنن الدليلِ وإن خالف الجمهور، وإني معترفٌ بأن الخطأَ والزللَ هما الغالبان
_________________
(١) قَشِيبٌ: مَجْلُو، وصَدِئٌ، ضِدّ. القاموس المحيط ص ١٦٠.
(٢) الرَّدَن: القَزّ، وقيل: الخزّ، وقيل: الحرير. "لسان العرب" (٥/ ١٩٣).
(٣) في المخطوط (ب) و(جـ): (وربتما) وهو جائز في اللغة.
(٤) المطلَع: بالفتح هو الطلوع. والمطلِعُ بالكسر: موضع الطلوع. والطالِعُ: كل بادٍ من علو. "لسان العرب" (٨/ ١٨٦). في (جـ): (الضالع).
(٥) الشِعب: بكسر الشين، الطريق في الجبل … القاموس المحيط ص ١٣٠.
(٦) العقاب: جمع عقبة: وهي مَرْقى صَعْبٌ من الجبال. القاموس المحيط ص ١٤٩.
(٧) النِحْرير: الحاذقُ الماهرُ العَاقِلُ المجَرّبُ المتقنُ الفطِنُ البصيرُ بكل شيء لأنه ينحر العلم نحرًا. القاموس المحيط ص ٦١٨.
[ ١ / ١٠٥ ]
على من خلقه اللهُ من عجل، ولكني قد نصَرتُ ما أظنه الحق بمقدار ما بلغتْ إليه المَلَكة، ورُضْتُ النفسَ حتى صفتْ عن قذر التعصّبِ الذي هو بلا ريبٍ الهَلَكة.
وقد اقتصرتُ فيما عدا هذه المقاماتِ الموصفات على بيان حال الحديثِ وتفسيرِ غريبِه وما يستفاد منه بكل الدِلالات، وضممْتُ إلى ذلك في غالب الحالاتِ الإِشارةَ إلى بقية الأحاديثِ الواردةِ في الباب مما لم يُذكَر في الكتاب لعِلْمي بأن هذا من أعظم الفوائدِ التي يرغب في مثلها أربابُ الألبابِ من الطلاب.
ولم أطوِّلْ ذيلَ هذا الشرحِ بذكر تراجمِ رواةِ الأخبار؛ لأن ذلك مع كونه علمًا آخرَ يمكن الوقوفُ عليه في مختصر من كتب الفنِّ من المختصرات الصغار. وقد أشيرُ في النادر إلى ضبط اسمِ راوٍ أو بيانِ حالِه على طريق التنبيه، لا سيما في المواطن التي هي مَظِنةُ تحريفٍ أو تصحيف لا ينجو منه غيرُ النبيه.
وجعلتُ ما كان للمصنف من الكلام على فقه الأحاديثِ وما يستطرده من الأدلة في غضونه من جملة الشرحِ في الغالب، ونسبْتُ ذلك إليه، وتعقبْتُ ما ينبغي تعقُّبَه عليه، وتكلمتُ على ما لا يحسُن السكوتُ عليه مما لا يستغني عنه الطالب.
كلُ ذلك لمحبة رعايةِ الاختصار، وكراهةِ الإِملال بالتطويل والإِكثار. وتقاعُدِ الرَّغَبات، وقصورِ الهِمَمِ عن المطوَّلات. وسميتُ هذا الشرحَ لرعاية التفاؤل الذي كان يعجب المختار: "نيلَ الأوطار مِنْ أسْرارِ مُنْتَقَى الأخْبارِ".
واللهُ المسئولُ أن ينفعَني به ومَن رام الانتفاع من إخواني، وأن يجعلَه من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعُها بعد أن أُدْرَجَ في أكفاني.