٢/ ٢ - (وعَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَحانَتْ صَلاةُ العَصْرِ فَالتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلمْ يَجِدُوا فَأُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله ﷺ في ذلِكَ الإِناء يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، فرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُع مِنْ تَحْتِ أصابِعِهِ حَتَّى توَضَّئُوا مِنْ عندِ آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]
ومُتَّفَقٌ على مثْل مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله (^٣). [صحيح]
لفظ حديث جابر: "وضعَ يده ﷺ في الرِّكوة فجعل الماءَ يثورُ بينَ أصابعِهِ، كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلتُ: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائةَ ألفٍ لَكفانا. قال: كنّا خمسَ عشرةَ مائةٍ".
قوله: (وحانَتْ) الواو للحال بتقدير قد.
قوله: (الوَضوء) بفتح الواو أي الماء الذي يتوضأ به.
_________________
(١) الحاوي الكبير للإمام أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي. (١/ ٣٣). ونقله النووي في "المجموع" (١/ ١٢٩): "عن الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي قال: قال الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة" اهـ.
(٢) المتفق عليه في اصطلاح ابن تيمية الجد صاحب المنتقى: (أحمد والبخاري ومسلم) فتنبه. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٢). والبخاري في صحيحه (١/ ٢٧١ رقم ١٦٩). أطرافه في: رقم (١٩٥) و(٢٠٠) و(٣٥٧٢) و(٣٥٧٣) و(٣٥٧٤) و(٣٥٧٥) ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٨٣ رقم ٥/ ٢٢٧٩). قلت: وأخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٣٢ رقم ٣٢) والنسائي (١/ ٦ رقم ٧٦) والترمذي (٥/ ٥٩٦ رقم ٣٦٣١) وقال: حديث حسن صحيح. وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٧٣١ - ٤٧٤ رقم ١٤٤٥٩) بسند صحيح. والبخاري في صحيحه (٦/ ٥٨١ رقم ٣٥٧٦). وأطرافه في: رقم (٤١٥٢) و(٤١٥٣) و(٤١٥٤) و(٤٨٤٠) و(٥٦٣٩) ومسلم في صحيحه (٣/ ١٤٨٤ رقم ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤/ ١٨٥٦). وهو حديث صحيح.
[ ١ / ١٥٦ ]
قوله: (فَأُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، وقد بيَّن البخاري في رواية (^١) أن ذلك كان بالزَوْراءِ وهي سوق بالمدينة.
وقوله: (بوَضُوءٍ) بفتح الواو وأيضًا أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به. ووقع في رواية للبخاري (^٢): فجاء [رجل] (^٣) بقدح فيه ماء يسير فصَغُر أن يبسُطَ فيه ﷺ كفَّهُ فضمَّ أصابعَهُ.
قوله: (يَنْبُع) بفتح أوّله وضم الموحدة ويجوز كسرها وفتحها، قاله في الفتح (^٤).
قوله: (حتَّى توضَّؤوا مِنْ عندِ آخرِهمْ)، قال الكرماني (^٥): " (حتى) للتدريجِ، و(من) للبيان. أي توضَّأَ الناسُ حتى توضأ الذين عند آخرِهم، وهو كنايةٌ عن جميعهم، و(عندَ) بمعنى في، لأنَّ عندَ وإن كانتْ للظرفيةِ الخاصةِ لكنَّ المبالغةَ تقتضي أن تكونَ لمطلقِ الظرفيةِ، فكأنه قال: الذينَ هم في آخرهِم. وقال التيميُّ: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبةُ إلى الآخر. وقال النوويُّ: (من) هنا بمعنى إلى، وهي لغةٌ، وتعقبَهُ الكرمانيُّ بأنها شاذةٌ، ثم إن إلى لا يجوز أن تدخلَ على عندَ، ولا يلزمُ مثلُه في (من) إذا وقعتْ بمعنى إلى".
قال في الفتح (^٦): "وعلى توجيهِ النوويِّ: يمكنُ أن يُقَالَ: (عندَ) زائدةٌ. والحديثُ يدلُّ على مشروعية المواساةِ بالماء عندَ الضرورة لمن كان في مائه فضلٌ عن وضوئِه، وعلى أن اغترافَ المتوضئ من الماءِ القليل لا يصيِّر الماءُ مستعملًا، واستدلَّ بهِ الشافعيُّ على أن الأمرَ بغسلِ اليدِ قبل إدخالها الإِناءَ ندبٌ لا حتمٌ - وسيأتي تحقيقُ ذلكَ - قالَ ابن بَطَّالٍ (^٧): هذا الحديثُ شهدَهُ جمعٌ من الصحابةِ،
_________________
(١) في صحيحه (٦/ ٥٨٠ رقم ٣٥٧٢).
(٢) في صحيحه (١/ ٣٠١ رقم ١٩٥) و(٦/ ٥٨١ رقم ٣٥٧٥).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) في "فتح الباري" (١/ ٢٧١).
(٥) هو محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني. وهو شارح صحيح البخاري، واسم شرحه "تحقيق الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري" (٧١٧ هـ - ٧٨٦ هـ). [معجم المؤلفين (٣/ ٧٨٤). و"البدر الطالع" (٢/ ٢٩٢)]. • وكلام الكرماني هذا ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١/ ٢٧١).
(٦) أي: في "فتح الباري" (١/ ٢٧١ - ٢٧٢).
(٧) هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن. عالم بالحديث، من أهل قرطبة. له شرح البخاري (خ). توفي سنة (٤٤٩ هـ). ["الأعلام" للزركلي (٤/ ٢٨٥)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٣)].
[ ١ / ١٥٧ ]
إلا أنه لم يُرْوَ إلا مِنْ طريقِ أنسٍ، وذلكَ لطولِ عمرِهِ، ولطلبِ الناسِ عُلوَّ السندِ، وناقضَهُ القاضي عياضٌ (^١) فقال: هذه القصةُ رواها العددُ الكثيرُ من الثقاتِ عن الجمِّ الغفيرِ عن الكافَّةِ متصِلًا عن جملةِ من الصحابةِ، بل لم يُؤْثَرْ عن أحدٍ منهم إنكارُ ذلكَ فهو ملتحق بالقطعي". قال الحافظ (^٢): "فانظر كم بينَ الكلامينِ من التفاوتِ" انتهى.
ومن فوائدِ الحديثِ أن الماءَ الشريفَ يجوزُ رفعُ الحدَثِ بهِ. ولهذا قالَ المصنف (^٣) ﵀: وفيه تنبيه أنه لا بأسَ برفع الحدَثِ من ماء زمزم لأن قصاراه أنه ماء شريف متبرك به، والماءُ الذي وضعَ رسول الله ﷺ يده فيه بهذه المثابة. وقد جاء عن عليّ كرم الله وجهه في حديث له قال فيه: "ثم أفاض رسول الله ﷺ فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ". رواه أحمد (^٤) انتهى.
وهذا الحديثُ هو في أولِ مُسندِ عليٍّ من مسندِ أحمدَ بن حنبل (٤)، ولفظه: حدثنا عبد الله يعني ابنَ أحمدَ بن حنبل، حدثني أحمدُ بن عَبْدَةَ البصريُّ، حدثنا المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن أبيهِ، عن زيدِ بن علي بن حُسين بن علي، عن أبيه علي بن حُسينِ، عن عُبيد الله بن أبي رافع مولَى رسول الله ﷺ عن علي بن أبي طالبٍ ﵁ "أن النبيَّ ﷺ وقفَ بعرفةَ - فذكرَ حديثًا طويلًا - وفيه -: ثم أفاضَ فدَعا بِسَجْلٍ من ماءِ زمزمَ فشرِبَ منهُ وتوضأ ثم قال: "انزِعُوا فلولا أن تُغْلَبوا عليها لنزَعتُ" الحديث. وهذا إسنادٌ مستقيمٌ لأن عبدَ اللهِ بنَ أحمدَ ثقةٌ إمام، وأحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضبيّ البصريُّ وثَّقَهُ أبُو حَاتِمٍ والنسَائيُّ (^٥)، والمغيرةُ بنُ
_________________
(١) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل. عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم. ولي قضاء سبتة، ومولده فيها عام (٤٧٦ هـ) ثم ولي قضاء غرناطة، وتوفي بمراكش مسمومًا عام (٥٤٤ هـ)، وله مؤلفات عدة. ["الأعلام" للزركلي. (٥/ ٩٩)]. انظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" له (٧/ ٢٤٢).
(٢) في "فتح الباري" (٢/ ٢٧٢).
(٣) ابن تيمية الجد في "المنتقى" (١/ ٦). واعلم أن الشوكاني أدخل كلامه ضمن شرحه مع عزوه له. كما أوضح ذلك في المقدمة ص ١٠٦ من كتابنا هذا.
(٤) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند (١/ ٧٦) بسند حسن.
(٥) ذكر ذلك الذهبي في الميزان (١/ ٢٥٩ رقم ٤٦٢/ ٢٢٣٤) وزاد قائلًا: "وقال ابنُ =
[ ١ / ١٥٨ ]
عبدِ الرحمن، قالَ في التقريبِ (^١): "ثقةٌ جَوَادٌ مِنَ الخامسة"، وأبوهُ عبدُ الرحمنِ، قالَ في التقريب (^٢): "من كبارِ ثقاتِ التابعينَ"، وعُبيدُ اللهِ بنُ أبي رافع كانَ كاتِبَ عليّ وهو ثقةٌ مِنَ الثالثةِ كما في التقريب (^٣)، وقالَ ابنُ معينن: لا بأسَ بهِ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا يُحتجُّ بحديثِهِ. وأما الإِمامانِ زيدُ بنُ عليٍّ ووالدُه زينُ العابدينِ فهُمَا أشهرُ من نارٍ على علمٍ، وقد أخرجَ هذا الحديثَ أهلُ السننِ (^٤) وصحَّحَهُ الترمذيُّ وغيرهُ.
وشُرْبُه ﷺ من زمزم عند الإفاضةِ ثابتٌ في صحيحِ مسلمٍ (^٥) وسننِ أبي داود (^٦)، والنسائيِّ (^٧) من حديثِ جابرٍ الطويل بلفظِ: "فأتى - يعني النَّبي ﷺ بني عبدِ المطلب وهم يسقُونَ على زمزم فقال: انزعُوا بني عبدِ المطلبِ فلولا أن يغلِبَكُم الناسُ على سقايتِكُم لنزعتُ معكم فناولُوه دلوًا فشرِبَ منه"، وهو في المتفق عليه (^٨) من حديث ابن عباس بلفظ: "سَقَيْتُ النَّبيَّ ﷺ من زمزمَ فَشَرِبَ وهو قائِمٌ" وفي رواية (^٩): "استَسْقى عِنْدَ البَيْتِ فَأتَيْتُه بِدَلْوٍ". والسَّجْلُ (^١٠) بسين مهملةٍ مفتوحةٍ فجيم ساكنة: الدَّلْوُ المملوء، فإن تعطل فليس بسجل. ويأتي تمام الكلام عليه في باب تطهير الأرض.
_________________
(١) = خِراشٍ: تكلم الناسُ فيه، فلم يصدق ابن خِراش في قوله هذا، فالرجل حجة" اهـ.
(٢) المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، أبو هاشم أو هشام المدني، أخو أبي بكر: ثقة جَوَادٌ من الخامسة مات سنة بضع ومئة" "التقريب" رقم (٦٨٤٤).
(٣) رقم (٣٨٣٢).
(٤) رقم (٤٢٨٨).
(٥) أخرجه الترمذي رقم (٨٨٥) وقال: حديث حسن صحيح. وأبو داود رقم (١٩٣٥) مختصرًا. وابن ماجه رقم (٣٠١٠) مختصرًا وهو حديث حسن لغيره.
(٦) في صحيحه (٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢ رقم ١٤٧/ ١٢١٨).
(٧) في السنن (رقم ١٩٠٥).
(٨) في السنن كما في "تحفة الأشراف" (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢ رقم ٢٥٩٣). قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٠٧٤) وغيرهم بطرق عن جابر وقد جمعها مفصلة المحدث: محمد ناصر الدين الألباني في جزء مفردٍ وسمه بـ "حجة النَّبيِّ ﷺ " فقد أجاد وأفاد.
(٩) البخاري (١٠/ ٨١ رقم ٥٦١٧) ومسلم (٣/ ١٦٠١ رقم ٢٠٢٧). قلت: وأخرجه الترمذي (٤/ ٣٠١ رقم ١٨٨٢) والنسائي (٥/ ٢٣٧).
(١٠) لمسلم (٣/ ١٦٠٢ رقم ١٢٠/ ٢٠٢٧).
(١١) انظر: "مختار الصحاح" ص ١٢١.
[ ١ / ١٥٩ ]
ولحديث الباب فوائد كثيرة خارجة عن مقصود ما نحن بصدده. فلنقتصر على هذا المقدار.