(وَصَلَّى الله على مُحَمَدِ النبِيِّ الأُمِّيِّ المُرْسَلِ كافَّة لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا).
أرْدَفَ الحمدَ لله بالصلاةِ على رسولِهِ ﷺ لكونهِ الواسِطَةُ في وصُولِ الكمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَليَّةِ إلينَا مِنَ الرفيع عزَّ سُلْطانُه وتعالَى شَأنُه، وذلكَ لأن الله تعالَى لمّا كانَ في نهايةِ الكمالِ ونحنُ في نهايةِ النُّقْصَانِ لمْ يكنْ لنا استعدَاد لقَبُولِ الفيضِ الإِلهى لتعلُّقنا بالعلائِقِ البشريةِ والعوائقِ البدنيَّةِ، وتدَنسِنا بأدناسِ اللذاتِ الحسيَّةِ والشهواتِ الجسْمِيَّةِ، وكونهِ تعالَى في غايةِ التجرُّد ونهايةِ التقدُّس، فاحتَجْنَا في قبولِ الفيضِ منه جل وعَلا إلى واسطةٍ له وجْهُ تجرُّدٍ ونوعُ تعلُّقٍ، فبِوَجْهِ التجرُّد يستفيضُ منَ الحقِّ، وبوجْهِ التعلّقِ يفيضُ علينا، وهذه الواسِطةُ همُ الأنبياءُ، وأعظمُهم رُتْبَةً وأرفعُهم منزلةَ نبيُّنا ﷺ، فذُكِرَ [عَقِبَ] (^٢) ذِكْرِهِ ﷻ تشريفًا لشأنِه معَ الامتثالِ لأمْرِ اللهِ سبحانَه. ولحديثِ أبي هريرةِ (^٣) عندَ الرُّهاويِّ بلفظِ: "كلُ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بحمدِ اللهِ والصلاةِ عليَّ فهو أقْطَعُ"، وكذلكَ التوسُّلُ بالصلاةِ على الآلِ والأصحابِ لكونِهم متوسِّطينَ بَيْنَنَا وبينَ نبيِّنا ﷺ فإن مُلاءَمَةَ الآلِ والأصْحَابِ لِجَنَابِهِ أكْثَرُ مِنْ مُلاءَمَتِنَا لَهُ.