٧/ ٧ - (وَعَنْ سُفيْانَ الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْدِ الله بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، حدثتْنِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوّذِ بْنِ عَفْراء، فَذَكَرَ حَدِيثَ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفيهِ: وَمَسَحَ [ﷺ] رَأسَهُ بِما بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدِهِ مَرّتَيْنِ، بَدَأ بمؤخَّرِه، ثمَّ رَدَّهُ إلى نَاصيتِهِ، وَغسَلَ رِجْليْهِ ثلاثًا ثَلاثًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٨)، وأبو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا (^٩) وَلفْظُهُ: "إنَّ رَسولَ الله ﷺ
_________________
(١) في "المحلى" (١/ ١٨٤).
(٢) أخرج له ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢١ - ٢٢).
(٣) انظر: "فتح البر" (١/ ١٥).
(٤) انظر: "التمهيد" (٤/ ٤٣).
(٥) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١٣/ ١٣).
(٦) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (٧/ ٧).
(٧) في "المنتقى" (١/ ٩).
(٨) في المسند (٦/ ٣٥٨، ٣٥٩).
(٩) في السنن (رقم ١٣٠). قلت: وأخرجه الترمذي (١/ ٤٨ رقم ٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦٠)، =
[ ١ / ١٧١ ]
مَسَحَ رَأسه مِنْ فَضْلِ ماءٍ كان بِيَدَيْهِ". قالَ الترْمِذِي (^١): "عبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَقِيلٍ صَدُوق، وَلكِنْ تَكَلمَ فيهِ بَعْضُهمْ مِنْ قِبلِ حفْظِهِ. وَقالَ البُخاري: وكانَ أحْمَدُ وإسحقُ والحُمَيْدِيُّ يَحتجُّونَ بِحَديثِهِ). [حسن]
الخلاف بين الأئمة في الاحتجاج بحديث ابن عقيل مشهور، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب (^٢). والكلام على أطراف هذا الحديث محله الوضوء. ومحل الحجة منه: (مسح رأسه بما بقي من وضوء في يده)، فإنه مما استدل به على أن المستعمل قبل انفصاله عن البدن يجوز التطهر به.
قيل: وقد عارضه مع ما فيه من المقال أن النبي ﷺ مسح رأسه بماء غير فضل يديه كحديث مسلم (^٣): "إن النبي ﷺ مسحَ برأسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْل يَدَيْهِ"، وأخرج الترمذي (^٤) من حديث عبد الله بن زيد أنه: رَأى النبيَّ ﷺ تَوَضأ وأنهُ مَسَحَ
_________________
(١) = والدارقطني في "سننه" (١/ ٨٧ رقم ٢). قال الترمذي: حديث حسن. وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجوَدُ إسنادًا. وقال أحمد شاكر: "حديث الربيع حديث صحيح، وإنما اقتصر الترمذي على تحسينه ذهابًا منه إلى أنه يعارض حديث عبد الله بن زيد، ولكنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا تعارض بينهما حتى يحتاج إلى الترجيح، فكان النبي ﷺ يبدأ بمقدَّم الرأس، وكان يبدأ بمؤخره، وكلها جائز. وأما الشارح العلامة المباركفوري ﵀ "فإنه فهم أن الترمذي حسنه؛ للخلاف في عبد الله بن محمد بن عقيل، وليس كذلك، لأن ابن عقيل ثقة … " اهـ.
(٢) في السنن (١/ ٨ - ٩ رقم ٣): وذكر الترمذي أيضًا في "علله الكبرى" ص ٢٢ كلام البخاري فقط. وخلاصة القول أن الحديث حسن. والله أعلم.
(٣) عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، أمه زينب بنتُ علي: صدوق في حديثه لين، ويقال: تغيرَّ بأخرَةٍ" قاله الحافظ في "التقريب" رقم (٣٥٩٢).
(٤) في صحيحه (١/ ٢١١ رقم ١٩/ ٢٣٦) من حديث عبد الله بن زيد.
(٥) في السنن (١/ ٥٠ رقم ٣٥) من حديث عبد الله بن زيد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٤١)؛ وأبو داود (١/ ٨٧ رقم ١٢٠) والبيهقي (١/ ٦٥)؛ وابن خزيمة (١/ ٧٩ رقم ٥٤) وهو حديث صحيح.
[ ١ / ١٧٢ ]
رأْسَهُ بماءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ". وأخرج أيضًا (^١) من حديثه أن النَّبيَّ ﷺ: "أخذ لرأسه ماءً جديدًا". وأَخرج ابن حبان في صحيحه (^٢) من حديثه أيضًا نحوه، وأنت خبير بأن كونه ﷺ أخذ لرأسه ماءً جديدًا كما وقع في هذه الروايات لا ينافي ما في حديث الباب من أنه ﷺ مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه، لأن التنصيص على شيء بصيغة لا تدل إلا على مجرد الوقوع، ولم يتعرض فيها لحصر على المنصوص عليه ولا نفي لما عداه لا يستلزم عدم وقوع غيره.
والأولى الاحتجاج بما أخرجه الترمذي (^٣) والطبراني (^٤) من رواية ابن جارية بلفظ: "خُذْ لِلْرأسِ ماءً جديدًا"، فإن صح هذا دل على أنه يجب أن يؤخذ للرأس ماء جديد ولا يجزي مسحه بفضل ماء اليدين، ويكون المسح ببقية ماء اليدين إن صح حديث الباب مختصًا به ﷺ؛ لما تقرر في الأصول من أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة، بل يكون مختصًا به، وذلك لأن أمره ﷺ للأمة أمرًا خاصًّا بهم أخص من أدلة التأسي القاضية باتباعه في أقواله وأفعاله، فيُبنى العام على الخاص، ولا يجب التأسي به في هذا الفعل الذي ورد أمر الأمة بخلافه، وما نحن فيه من هذا القبيل، وإن كان خطابًا لواحد لأنه يلحق به غيره، إما بالقياس أو بحديث: "حُكْمي على الواحدِ كحُكْمي على الجماعةِ" (^٥)، وهو وإن لم يكن حديثًا
_________________
(١) أي الترمذي في السنن (١/ ٥٢).
(٢) (٣/ ٣٥٨ رقم ١٠٧٧) بسند صحيح.
(٣) لم أقف عليه عند الترمذي؟!
(٤) في "الكبير" (٢/ ٢٦٠ - ٢٦١ رقم ٢٠٩١) بسند ضعيف جدًّا. دَهْثَم بن قُرّان: قال الحافظ في "التقريب" رقم (١٨٣١): "متروك"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٣٤): رواه الطبراني في "الكبير" وفيه دَهْثَم بن قُرّان ضعفه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات" اهـ. وقال ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٩٠): "كان ممن يتفرد بالمناكير عن المشاهير، ويروي عن الثقات أشياء لا أصول لها، قال ابن معين: لا يكتب حديثه" اهـ. وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا. وانظر: في هذا الخصوص ما قاله البيهقيُّ في السنن الكبرى (١/ ٦٥) وتعقب ابن التركماني له في "الجوهر النقي". وكذلك انظر: "الضعيفة" رقم (٩٩٥) للألباني.
(٥) ليس له أصل بهذا اللفظ. =
[ ١ / ١٧٣ ]
معتبرًا عند أئمة الحديث، فقد شهد لمعناه حديث: "إنما قَوْلي لامرأة كقولي لمائةِ امرأةٍ" (^١) ونحوه. قال المصنف (^٢) ﵀ بعد أن ساق الحديث ما لفظه: "وعلى تقدير أن يثبت أن النبي ﷺ مسح رأسه بما بقي من بلل يديه، فليس يدل على طهورية الماء المستعمل، لأن الماء كلما [تنقل] (^٣) في محال التطهير من غير مفارقة إلى غيرها فعمله وتطهيره باقٍ، ولهذا لا يقطع عمله في هذه الحال تغيُّره بالنجاسات والطهارات" انتهى. وقد قدمنا ما هو الحق في الماء المستعمل.