قوله: (سألَ رجلٌ) وقع في بعضِ الطُّرقِ التي تقدَّمَتْ أن اسْمَهُ عبدُ اللهِ، وكذا ساقَهْ ابنُ بَشْكُوَالَ (^٨) بإسنادِهِ، وأوْرَدَهُ الطبرانيُّ فيمن اسمهُ عبدُ، وتَبِعَهُ أبو موسَى الحافِظُ الأصْبَهَانيُّ في كتابِ "معرفةِ الصحابةِ" (^٩) فقالَ: "عبدُ أبو زمْعَةَ البَلَوِيُّ (^١٠) الذي سألَ النبيَّ ﷺ عَنْ ماءِ البحرِ، قالَ ابنُ مُنَيْعٍ: بلغني أن اسمُهُ
_________________
(١) في "سننه" (١/ ٣٤ رقم ٤).
(٢) عبد العزيز بن أبي ثابت: قال البخاري في الصغير ص ١٥١: منكر الحديث، لا يُكتب حديثه. وقال النسائي (ص ١٦٨ رقم ٤١٤): متروك الحديث.
(٣) في "التلخيص الحبير" (١/ ١٢).
(٤) أخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ٣٥ رقم ٥) من طريق عبيد الله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل، عن أبي بكر الصديق موقوفًا. قال الذهبي: وهذا سند صحيح "المهذب في اختصار السنن الكبير" (١/ ٢٦). وقال الدارقطني في "علله" (١/ ٢٤٠ س ٤١) عن هذا الحديث: "والموقوف أصح" اهـ.
(٥) أي في "المجروحين" (٢/ ١٣٩).
(٦) في "سننه" (١/ ٣٥ رقم ٨).
(٧) أبان بن أبي عياش، فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي. متروك. مات في حدود (١٤٠ هـ). ["التقريب" (١/ ٣١)].
(٨) هو خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الخزرجي الأنصاري الأندلسي، أبو القاسم، من أهل قرطبة، مؤرّخ، بحاثة، له نحو خمسين مؤلف. ولد عام (٤٩٤ هـ) وتوفي عام (٥٧٨ هـ) [الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤)].
(٩) لم أقف عليه. وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (١/ ١٥٤) و"الفتح" (١/ ٣٢٣).
(١٠) سماه العسكري عُبيدًا - بالتصغير - ابن أرقم، وعند أبي موسى بغير تصغير ولا اسْم أب. ذكره البَغَوِيُّ، وابنُ السَّكَنِ، وغيرهما في الصحابة، فيمن بايع تحت الشجرة، ولا أعلم له خبرًا إلَّا أنه تُوفي بإفريقية في غزوة معاوية بن خُدَيج الأولى، فأمرهم أن يسوّوا قبْرَه، فدفنوه بالموضع المعروف بـ "البلوية" اليوم بـ "القَيْروان" قيل: اسمه عبيد الله. والله أعلم. انظر: "الإصابة" (٧/ ١٢٩ رقم ٩٩٤٠) و"الاستيعَاب" (٤/ ٢٢٦ رقم ٢٩٩٨).
[ ١ / ١٥١ ]
عبدُ، وقيلَ: اسمُهُ عُبَيْدُ بالتصغيرِ، وقال السَّمْعَاني في "الأنْساب" (^١): اسمُهُ العَرَكيِّ (^٢)، وغَلطَ في ذَلك، وإنَّما العَرَكيّ وصف له وهو ملَّاح السفينةَ.
قوله: (هو الطَّهُورُ) قد تقدَّم في أوَّلِ الكتابِ ضبطُهُ وتفسيرهُ، وهو عندَ الشافعيةِ (^٣) المطَهِّرُ، وبهِ قال أحمدُ (^٤).
وحَكَى بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ عن مالكٍ، وبعضِ أصحابِ أبي حنيفةَ (^٥) أن الطهُورَ هو الطاهِرُ، واحتجَّ الأوّلونَ بأنَّ هذِهِ اللفظَةَ جاءتْ في لسانِ الشَّرْعِ للمطهرِ، كقوله تعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ (^٦) وأيضًا السائلُ إنَّما سألَ النبيَّ ﷺ عن التطهُّر بماءِ البحرِ لا عنْ طَهَارَتِهِ، ويدلُ على ذلكَ أيضًا قولُه ﷺ في بئرِ بُضاعَةَ: "إن الماءَ طَهُورٌ" (^٧) لأنهم إنَّما سألوهُ عن الوضوء بهِ.
قال في "الإِمامُ شرحُ الإِلمام": فإنْ قيلَ: لِمَ لَمْ يُجِبْهُم بِنَعَمِ حينَ قالُوا: (أفنتوضأ بهِ)؟ قلْنَا: لأنهُ يصيرُ مقيَّدًا بحالِ الضرورةِ وليسَ كذلكَ. وأيضًا فإنهُ يُفْهَمُ مِنَ الاقتصارِ على الجوابِ بِنَعَم أنهُ إنَّما يُتوضَّأُ بهِ فقطْ، ولا يُتَطَهَّرُ بهِ لبقيةِ الأحداثِ والأنجاس.
فإنْ قيل: كيفَ شكُّوا في جوازِ الوضوءِ بماء البحرِ؟ قُلْنَا: يُحتملُ أنَّهم لما سمِعُوا قولَه ﷺ: "لا تركبِ البحرَ إلَّا حاجّا أو معتمِرًا أو غازِيًا في سبيل اللهِ فإنَّ تحت البحرِ نارًا وتحتَ النَّارِ بحرًا" أخرجَهُ أبو داود (^٨)، وسعيدُ بنُ منصور في سننهِ (^٩)، عن ابن عمرَ مرفوعًا، ظنُّوا أنه لا يُجْزئُ التَّطَهُّرُ بهِ. وقد رُوي موقوفًا
_________________
(١) (٤/ ١٨٢).
(٢) العركي: صياد السمك، وجمعه عَرَك، كعربي وعرب، وهم العُرُوك. انظر: "لسان العرب" (٩/ ١٧٠). والنهاية (٣/ ٢٢٢).
(٣) "المجموع شرح المهذب" للنووي (١/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٤) المغني لابن قدامة (١/ ١٣).
(٥) شرح فتح القدير (١/ ٧٤).
(٦) سورة الفرقان: الآية ٤٨.
(٧) سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (١٣/ ١٣).
(٨) في "السنن" رقم (٢٤٨٩).
(٩) (٢/ ١٥٢ رقم ٢٣٩٣). قلت: وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٤). قال المنذري في "المختصر" (٣/ ٣٥٩): "في هذا الحديث اضطراب، روي عن بشير =
[ ١ / ١٥٢ ]
على ابن عمرَ (^١) بلفظِ: "ماءُ البحرِ لا يجزئُ مِنْ وضوءِ ولا جَنَابةٍ، إن تحتَ البحرِ نارًا ثم ماء ثم نارًا حتى عدَّ سبعةَ أَبْحُرٍ وسَبْعَ أنيارٍ"، ورُوِيَ أيضًا عن ابن عمرِو بن العاصِ (^٢) أنه لا يُجزِئُ التطهُّر به، ولا حجةَ في أقوالِ الصحابةِ (^٣) لا سيما إذا عارضَتِ المرفوعَ والإجماعَ. وحديثُ ابن عمرَ المرفوعُ قال أبو داودَ: رُوَاتُه مجهولُونَ (^٤). وقال الخطابيُّ (^٥): ضعَّفُوا إسنادَهُ. وقال البخاريُّ (^٦): ليس هذا الحديث بصحيحٍ. وله طريقٌ أخْرى عندَ البزارِ (^٧)، وفيها ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ وهو
_________________
(١) = هكذا، وروي عنه: أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، وروي عنه عن رجل عن عبد الله بن عمرو، وقيل غير ذلك" اهـ. وذكره البخاري في "تاريخه الكبير" (٢/ ١٠٤ - ١٠٥): وأورد له هذا الحديث، وذكر اضطرابه. وقال: لم يصح حديثه. وقال الخطابي: وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث" اهـ. وقال النووي في "المجموع" (١/ ١٣٧): "حديث ضعيف باتفاق المحدثين، وممن بيَّن ضعفه أبو عمر بن عبد البر ولو ثبت لم يكن فيه دليل ولا معارضة بينه وبين حديث "هو الطهور ماؤه" اهـ. وقال المحدث الألباني في "الضعيفة" (رقم: ٤٧٨): "حديث مُنكر".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف (١/ ١٣١) عن عقبة بن صهبان قال: سمعت ابن عمر يقول: "التيمم أحب إليَّ من الوضوء من ماء البحر". قلت: أما اللفظ المذكور هنا فهو من كلام عبد الله بن عمرو الآتي.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٣١) عن أبي أيوب. عن عبد الله بن عمرو قال: "ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، وإن تحت البحر نارًا ثم ماء ثم نار". وأخرجه البيهقيُّ في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٤). قلت: أما اللفظ المذكور هنا فهو من كلام ابن عمر المتقدم. ولعل هذا التبديل حدث سهوًا والله أعلم.
(٤) رد أقوال الصحابة ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل. انظر: "الوجيز في أصول الفقه" للدكتور عبد الكريم زيدان ص ٢٦٠ - ٢٦٢، ونزهة الخاطر العاطر، للدومي (١/ ٤٠٢ - ٤٠٦).
(٥) في سنده: بشر أبو عبد الله الكندي، قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٣٢٧): "لا يكاد يعرف. وقال الحافظ في "التقريب" رقم (٧٠٩) "مجهول". وبشير بن مسلم الكندي، أبو عبد الله الكوفي "مجهول" قاله الحافظ في "التقريب رقم (٧٢١).
(٦) في "معالم السنن" (٣/ ١٣ - حاشية السنن) ط: دار الحديث - بيروت.
(٧) في "التاريخ الكبير" (٢/ ١٠٤ - ١٠٥). وقد تقدم الكلام على هذا الحديث قريبًا وهو منكر.
(٨) في المسند (٢/ ٢٦٥ رقم ١٦٦٨ - كشف الأستار). =
[ ١ / ١٥٣ ]
ضعيفٌ (^١). قال في البدرِ المنيرِ (^٢): "في الحديثِ جوازُ الطهارةِ بماءِ البحر وبه قال جميعُ العلماءِ (^٣)، إلا ابنَ عبدِ البر (^٤) وابنَ عمر (^٥) وسعيدَ بنَ المسيبِ (^٦). ورُوِيَ مثلُ ذلكَ عن أبي هريرةَ (^٧) وروايتُه تَردُّهُ، وكذا روايةُ عبد الله بن عمرَ".
وتعريفُ الطهورِ باللام الجنسيةِ المفيدةِ للحصرِ لا يَنْفي طَهُورِيةَ غيرهِ منَ المياهِ لوقوعِ ذلكَ جوابًا لسؤالِ من شكَّ في طهوريةِ ماء البحر من غيرِ قصدٍ
_________________
(١) = وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٨٢) وقال: "رواه البزار وفيه: ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات". وأخرجه ابن حبان في "المجروحين (٢/ ٢٣٤) في ترجمة ليث هذا، الذي تركه يحيى القطان، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب" (٢/ ١٣٨): "صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك" وخلاصة القول أن الحديث ضعيف والله أعلم.
(٢) انظر: "الجرح والتعديل" (٧/ ١٧٧ - ١٧٩) والمجروحين (٢/ ٢٣٤).
(٣) (٢/ ٤٤).
(٤) قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (١/ ٧١) بتحقيقنا: "وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًا، وهم محجوجون بتناول اسم الماء المطلق له، وبالأثر الذي خرَّجه مالك - أي حديث أبي هريرة الصحيح المتقدم - " اهـ. وقال الزرقاني في "شرح الموطأ (١/ ٥٣): "التطهير بماء البحر حلال صحيح كما عليه جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم الإجزاء به مزيف أو مؤول بأنه أراد بعدم الإجزاء على وجه الكمال عنده" اهـ.
(٥) قال ابن عبد البر كما في "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" (١/ ١١): "وقد أجمع جمهور العلماء، وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء جائز به، إلا ما روي عن: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرج عليه ولا التفت إليه، لحديث هذا الباب عن النَّبيِّ ﷺ أي حديث أبي هريرة الصحيح - وهذا يدلك على استشهار الحديث عندهم، وعملهم به وقبولهم له؛ وهذا أولى - عندهم من الإسناد الظاهر الصحة بمعنى ترده الأصول - وبالله الوفيق" اهـ.
(٦) أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٣١).
(٧) أثر ابن المسيب أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٣١) بلفظ: (إذا ألجئت إليه - أي إلى الوضوء بماء البحر - فلا بأس به".
(٨) أثر أبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٣١) بسند واه.
[ ١ / ١٥٤ ]
للحصر، وعلى تسليمِ أنهُ لا يخصص بالسببِ ولا يقصُرُ الخطابُ العامُّ عليهِ، فمفهومُ الحصرِ المفيدُ لنفي الطهوريةِ عن غيرِ مائه عمومٌ مخصصٌ بالمنطوقاتِ الصحيحةِ الصريحة القاضية باتصاف غيرهِ بها.
قوله: (الحلُّ ميتتهُ) فيه دليلٌ على حِلِّ جميعِ حيواناتِ البحرِ حتى كلبِهِ وخنزيرِهِ وثعبانِهِ وهو المصححُ عندَ الشافعيةِ، وفيه خلافٌ سيأتي في موضعه.