١/ ٢٥٢٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (^١). [صحيح]
واحتج بِهِ مَنْ يَعْمَلُ بِالخَطّ إِذَا عُرِفَ).
قوله: (كتاب الوصايا)، قال في الفتح (^٢): الوصايا جمع وصيَّةٍ كالهدايا، وتُطلق على فعل الموصى، وعلى ما يوصى به من مالٍ أو غيره من عهدٍ ونحوه، فتكون بمعنى المصدر، وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول، وهو الاسم.
وهي في الشرع: عهدٌ خاصٌّ مضافٌ إلى ما بعد الموت.
_________________
(١) أحمد في المسند (٢/ ١٠، ٥٠، ٥٧، ٨٠، ١١٣) والبخاري رقم (٢٧٣٨) ومسلم رقم (١/ ١٦٢٧) وأبو داود رقم (٢٨٦٢) والنسائي رقم (٣٦١٥) وابن ماجه رقم (٢٧٠٢) والترمذي رقم (٢١١٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٧٦١ رقم ١) والشافعي (٢/ ١٢٩ رقم ١٣٨١ - بدائع المنن) والدارمي (٢/ ٤٠٢) والطيالسي رقم (١٨٤١) وابن الجارود رقم (٩٤٦) وابن حبان رقم (٥٩٩٢) والحميدي رقم (٦٩٧) والبيهقي (٦/ ٢٧٢) والدارقطني (٤/ ١٥٠ رقم ٤) والبغوي (٥/ ٢٧٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٥٢) وأبو أمية الطرسوسي في "مسند ابن عمر" رقم (٥٦) من طريق نافع عن ابن عمر، وتابعه سالم عن ابن عمر عند مسلم رقم (٤/ ١٦٢٧) والنسائي (٦/ ٢٣٩) وأحمد (٢/ ٣ - ٤، ٣٤، ١٢٧) وابن حبان رقم (٥٩٩٣). وهو حديث صحيح.
(٢) (٥/ ٣٥٥).
[ ١١ / ٢٥٣ ]
قال الأزهري (^١): الوصيةُ من وصيت الشيء بالتخفيف أصيه إذا وصلته، وسمِّيتْ وصيةً: لأنَّ الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصيَّة بالتشديد، ووصاةٌ بالتخفيف بغير همز. وتُطلق شرعًا أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهجات والحث على المأمورات.
قوله: (ما حقُّ) ما نافية بمعنى: ليس، والخبر ما بعد "إلا".
وروى الشافعي (^٢) عن سفيان بلفظ: "ما حقُّ امرئٍ يؤمن بالوصية … " الحديث. أي: يؤمن بأنها حق، كما حكاه ابن عبد البر (^٣) عن ابن عيينة.
ورواه ابن عبد البر والطحاوي (^٤) بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم له مال".
وقال الشافعي (^٥): معنى الحديث: ما الحزمُ والاحتياطُ للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وكذا قال الخطابي (^٦).
قوله: (مسلم) قال في الفتح (^٧): هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذُكر للتهييج؛ لتقع المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك.
ووصية الكافر جائزةٌ في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع (^٨).
قوله: (يبيت) صفة لمُسلمٍ كما جزم به الطيبيُّ (^٩).
قوله: (ليلتين) في رواية للبيهقي (^١٠) وأبي عوانة (^١١): ليلة أو ليلتين،
_________________
(١) في "تهذيب اللغة" له (١٢/ ٢٦٧).
(٢) في السنن (٢/ ٢٦١ رقم ٥٢١، ٥٢٢). وفي معرفة السنن والآثار (٩/ ١٨٥ رقم ١٢٨٠٩). وقال البيهقي عقبة: أخرجه مسلم من حديث أيوب - رقم (١٦٢٧) -.
(٣) في "التمهيد" (١٣/ ٢٣١).
(٤) في مشكل الآثار (٩/ ٢٦١ رقم ٣٦٢٧) بسند صحيح.
(٥) البيان للعمراني (٨/ ١٥٣).
(٦) في معالم السنن (٣/ ٢٨٢).
(٧) (٥/ ٣٥٧).
(٨) الإجماع (ص ٨٩ - ٩٠).
(٩) في شرحه على مشكاة المصابيح، المسمى: الكاشف عن حقائق السنن (٦/ ٢٢٥).
(١٠) في السنن الكبرى (٦/ ٢٧٢).
(١١) في المسند (٣/ ٤٧٣ رقم ٥٧٤٥).
[ ١١ / ٢٥٤ ]
ولمسلم (^١) والنسائي (^٢): ثلاث ليال.
قال الحافظ (^٣): وكأنَّ ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه.
واختلاف الروايات فيه دالٌّ على أنه للتقريب، لا للتحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير؛ ولذلك قال ابن عمر: لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي.
قال الطيبي (^٤): في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة: أي لا ينبغي أن يبيت [زمنًا مّا] (^٥) وقد سامحناه في الليلتين [والثلاث] (^٦) فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
قال العلماء (^٧): لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء به عن قرب.
وقد استدل بهذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ (^٨) الآية، على وجوب الوصية، وبه قال جماعة من السلف منهم عطاء والزهريُّ وأبو مجلز وطلحة بن مصرِّف في آخرين، وحكاه البيهقي (^٩) عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود (^١٠) وأبو عوانة الإسفراييني وابن جرير.
قال في الفتح (^١١): وآخرون.
وذهب الجمهور (^١٢) إلى أنها مندوبة وليست بواجبة. ونسب ابن عبد البر (^١٣)
_________________
(١) في صحيحه رقم (٤/ ١٦٢٧).
(٢) في سننه رقم (٣٦١٨).
(٣) في "الفتح" (٥/ ٣٥٨).
(٤) في شرحه على مشكاة المصابيح (٦/ ٢٢٥).
(٥) في المخطوط (ب): (زمانا).
(٦) سقط من المخطوط (ب).
(٧) كما في "الفتح" (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٨) سورة البقرة، الآية: (١٨٠).
(٩) معرفة السنن والآثار (٩/ ١٨٠).
(١٠) المحلى (٩/ ٣١٢).
(١١) (٥/ ٣٥٨).
(١٢) المغني (٨/ ٣٩٠).
(١٣) التمهيد (١٣/ ٢٣٢).
[ ١١ / ٢٥٥ ]
القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، وهو مجازفةٌ لما عرفت.
وأجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة (^١) كما في البخاري (^٢) عن ابن عباس قال: "كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل لكل واحد من الأبوين السدس".
وأجاب القائلون بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون.
وأما من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه.
وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: "ما حق … " إلخ، للجزم والاحتياط؛ لأنَّه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصيةٍ (^٣).
_________________
(١) الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (١/ ٤٨٣).
(٢) في صحيحه رقم (٢٧٤٧).
(٣) قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٦٨ - ١٦٩): "والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي ﵀ كيف حكى في "تفسيره الكبير" عن أبي مسلم الأصفهاني: أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين. من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قال: وهو قول أكثر المفسرين، والمعتبرين من الفقهاء. قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، ومسروق، وطاوس، والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد. (قلت): وبه قال أيضًا سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان. ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية؛ لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت. فأمَّا من يقول: إنها كانت واجبة - وهو الظاهر من سياق الآية - فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث. كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فمن وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل الفروض وللعصبات رفع بها حكم هذه بالكلية. =
[ ١١ / ٢٥٦ ]
وقيل: الحقُّ لغة (^١): الشيء الثابت، ويُطلق شرعًا على ما يثبت به الحكم، وهو أعمُّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا.
وقد يُطلق على المباح قليلًا، قاله القرطبي (^٢).
وأيضًا تفويض الأمر إلى إرادة الموصى يدلُّ على عدم الوجوب، ولكنه يبقى الإشكال في الرواية المتقدمة بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم".
وقد قيل: إنه يحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحِل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.
وقد اختلف القائلون بالوجوب، فقال أكثرهم: تجب الوصية في الجملة. وقال طاوس وقتادة وجابر بن زيد في آخرين (^٣): تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة.
وقال أبو ثور (^٤): وجوب الوصية في الآية.
والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كالوديعة والدين ونحوهما.
قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: "له شيء يريد أن يوصي فيه".
قال في الفتح (^٥): وحاصله يرجعُ إلى قول الجمهور: إنَّ الوصية غير واجبةٍ بعينها، وإنما الواجب بعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير سواءٌ كان بتنجيزٍ أو وصيةٍ.
ومحلُّ وجوب الوصية إنما هو إذا كان عاجزًا عن تنجيزه ولم يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحقُّ بشهادته.
فأما إذا كان قادرًا أو علم بها غيره فلا وجوب.
_________________
(١) = بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في "الصحيحين" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء … " الحديث.
(٢) القاموس المحيط (ص ١١٢٩).
(٣) في "المفهم" (٤/ ٥٤٠).
(٤) ذكره عنهم ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٦٨) والقرطبي في المفهم (٤/ ٥٤١).
(٥) موسوعة فقه أبي ثور (ص ٥٦٧).
(٦) (٥/ ٣٥٩).
[ ١١ / ٢٥٧ ]
قال (^١): وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه، ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس: "الإضرار في الوصية من الكبائر"، رواه سعيد بن منصور (^٢) موقوفًا بإسناد صحيح. ورواه النَّسَائِي (^٣) مرفوعًا ورجاله ثقات.
وقد استدل من قال بعدم وجوب الوصية بما ثبت في البخاري (^٤) وغيره (^٥) عن عائشة أنها أنكرت أن يكون رسول الله ﷺ أوصى وقالت: "متى أوصى وقد مات يبن سَحري ونحري؟ ".
وذلك ما ثبت أيضًا في البخاري (^٦) عن ابن أبي أوفى أنه قال: "إن النبي ﷺ لم يوص".
وأخرج أحمد (^٧) وابن ماجه (^٨)،
_________________
(١) أي: الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٥٩).
(٢) في سننه (١/ ٩٠ رقم ٣٤٢ و٣٤٣ و٣٤٤) في الوصايا. وفي سننه الأخرى (٢/ ٦٧٤ رقم ٢٥٨ و٢٥٩ و٢٦٠) في تفسيره. وأسانيدها صحيحة. ولفظها: "الجنف - أو الحيف - في الوصية والإضرار فيها من الكبائر".
(٣) في تفسيره (١/ ٣٦٤ رقم ١١٢) بإسناد صحيح. ولفظه: "الإضرارُ في الوصية من الكبائر … ". قلت: وأخرجه سفيان الثوري في تفسيره (ص ٩١ رقم ٢٠٤) عن شيخه داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "الضرار عند الوصية من الكبائر .. ". ومن طريق سفيان الثوري أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" رقم (١٦٤٥٦). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٠٤، ٢٠٥) رقم (١٠٩٨٠) و(١٠٩٨٣) وابن جرير في "جامع البيان" (٨/ ٦٥ رقم ٨٧٨٣، ٨٧٨٤، ٨٧٨٥، ٨٧٨٦) شاكر. قلت: كلهم أخرجوه موقوفًا عن ابن عباس وهو الصواب. قال البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١) في إثر الأثر: "هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا. (وروي): من وجه آخر مرفوعًا ورفعه ضعيف". اهـ
(٤) في صحيحه رقم (٢٧٤١).
(٥) كمسلم في صحيحه رقم (١٩/ ١٦٣٦).
(٦) في صحيحه رقم (٢٧٤٠) و(٤٤٦٠).
(٧) في المسند (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
(٨) في سننه رقم (١٢٣٥). =
[ ١١ / ٢٥٨ ]
قال الحافظ (^١): بسند قوي، عن ابن عباس في أثناء حديث فيه: "أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلِّي بالناس"، قال في آخره: "مات رسول الله ﷺ ولم يُوصِ"، قالوا: ولو كانت الوصية واجبة لما تركها رسول الله ﷺ.
وأجيب بأن المراد بنفي الوصية منه ﷺ نفي الوصية بالخلافة لا مطلقًا، بدليل: أنه قد ثبت عنه ﷺ الوصية بعدة أمور، كأمره ﷺ في مرضه لعائشة بإنفاق الذهيبة كما ثبت من حديثها عند أحمد (^٢) وابن سعد (^٣) وابن خزيمة (^٤).
وفي المغازي لابن إسحاق (^٥) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "لم يوص رسول الله ﷺ عند موته إلا بثلاث لكلِّ من الداريين، والرهاويين، والأشعريين بجادّ مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة".
وفي صحيح مسلم (^٦) عن ابن عباس: "وأوصى بثلاث: أن يجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم … " الحديث.
وأخرج أحمد (^٧) والنسائي (^٨) وابن سعد (^٩) عن أنس: كانت غاية وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم".
وله شاهد من حديث علي عند أبي داود (^١٠) وابن ماجه (^١١).
_________________
(١) = وهو حديث حسن دون ذكر "علي"، والله أعلم.
(٢) في "الفتح" (٥/ ٣٦٢).
(٣) في المسند (٦/ ٨٦) بسند رجاله ثقات رجال الصحيح، غير محمد بن مطرف، أبو غسان، وهو ثقة، إلا أن ابن حبان قال فيه: يغرب. وقد تفرد بقوله: "وما تبقي هذه من محمد لو لقي الله ﷿ وهي عنده".
(٤) في الطبقات الكبرى (٢/ ٢٣٨).
(٥) في صحيحه كما في الفتح (٥/ ٣٦٢).
(٦) سيرة ابن هشام (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠).
(٧) في صحيحه رقم (٢٠/ ١٦٣٧).
(٨) في المسند (٣/ ١١٧).
(٩) في كتابه "الوفاة" (ص ٤٤ رقم ١٨، ١٩).
(١٠) في الطبقات الكبرى (٢/ ٢٥٣).
(١١) في السنن رقم (٥١٥٦).
(١٢) في السنن رقم (٢٦٩٨). وهو حديث صحيح.
[ ١١ / ٢٥٩ ]
ومن حديث أم سلمة عند النَّسَائِي (^١) بسند جيد. والأحاديث في هذا الباب كثيرة (^٢) أورد منها صاحب الفتح (^٣) في كتاب الوصايا شطرًا صالحًا، وقد جمعت في ذلك رسالة مستقلة (^٤).
واستدلوا أيضًا على توجيه نفي من نفى الوصية مطلقًا إلى الخلافة بما في البخاري (^٥) عن عمر قال: "مات رسول الله ﷺ ولم يستخلف".
وبما أخرجه أحمد (^٦).
_________________
(١) في كتابه "الوفاة" (ص ٤٤ رقم ٢١).
(٢) (منها) حديث ابن عباس عند البخاري رقم (٣٠٥٣) ومسلم رقم (٢٠/ ١٦٣٧) مرفوعًا ولفظه: " … أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهما قال - سعيد بن جُبير -: وسكت - ابن عباس - عن الثالثة أو قالها فأنسيتها. وهو حديث صحيح. (ومنها): حديث أنس بن مالك عند البخاري رقم (٣٨٠١) ومسلم رقم (٢٥١٠) مرفوعًا ولفظه: "الأنصار كَرِشِي وعَيْبتي، والناس سيكثرونَ ويقلُّون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهِم". وانظر: البخاري رقم (٣٧٩٩). وهو حديث صحيح. (ومنها): حديث أبي هريرة عند البخاري رقم (١١٧٨) ومسلم رقم (٧٢١) مرفوعًا: ولفظه: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد". وهو حديث صحيح. (ومنها): حديث أبي الدرداء عند مسلم رقم (٧٢٢) وأبو داود رقم (١٤٣٣) بنحو حديث أبي هريرة المتقدم. وهو حديث صحيح.
(٣) الحافظ ابن حجر (٥/ ٣٥٥ - ٤١٣ رقم الكتاب ٥٥ - مع الفتح).
(٤) قلت: جمع الشوكاني ﵀ في الوصايا الرسائل التالية: رسالة رقم (١٥٨): بحث في مسائل الوصايا. (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني) (١٠/ ٤٨٢٧ - ٤٨٣٨). والرسالة رقم: (١٥٩): إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلًا على جواز الوصية للوارث (الفتح الرباني) (١٠/ ٤٨٣٩ - ٤٨٦٤) والرسالة رقم: (١٦٠): جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث. (الفتح الرباني) (١٠/ ٤٨٦٥ - ٤٨٨٠). والرسالة رقم (٢٣): الدراية في مسألة الوصاية. (الفتح الرباني): (٢/ ٩٤٩ - ٩٧٨). ولعل الشوكاني قصد هذه الرسالة الأخيرة والله أعلم.
(٥) في صحيحه رقم (٧٢١٨).
(٦) في المسند (١/ ١١٤) إسناده ضعيف لجهالة الرجل الذي روى عن علي. قلت: وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة رقم (١٢١٨ ط: المكتب الإسلامي). ورقم (١٢٥٣ ط: دار الصميعي) والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ١٧٨) من طريق الضحاك بن =
[ ١١ / ٢٦٠ ]
والبيهقي (^١) عن علي: "أنه لما ظهر يوم الجمل قال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئًا … " الحديث.
قال القرطبي (^٢): كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي (^٣)، فرد ذلك جماعة من الصحابة، وكذا من بعدهم.
_________________
(١) = مخلد، عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو، عن أبيه قال: خطب عليٌّ … فذكره. وسعيد بن عمرو: إن كان هو ابن سعيد بن العاص الأموي - الذي يروي أبوه عن علي - فالإسناد صحيح. وإن كان هو ابن سفيان الثقفي - كما سمي عند العقيلي - فالإسناد ضعيف، لكن لا تعرف لعمرو بن سفيان الثقفي عن علي رواية، والله أعلم. وانظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥ رقم ٢٦٣٨). والعلل للدارقطني (٤/ ٨٣ - ٨٨ س ٤٤٢).
(٢) في دلائل النبوة (٧/ ٢٢٣).
(٣) في "المفهم" (٤/ ٥٥٧).
(٤) (منها) ما يرويه سلمان، وله أربع طرق. (الطريق الأول): من طريق إسماعيل بن زياد، عن جرير بن عبد الحميد الكندي، عن أشياخ من قومه، قالوا: أتينا سلمان فقلنا له: من وصيّ رسول الله ﷺ؟ قال: سألتُ رسول الله ﷺ من وصيّه؟ فقال: "وَصِيّ ومَوضعُ سِريّ، وخليفتي في أهلي وخير من أخلف بعدي علي بن أبي طالب". أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات رقم (٧٠٢) والجوزقاني في الأباطيل (٢/ ١٤٨ - ١٤٩). قال ابن الجوزي: "فيه إسماعيل بن زياد، قال ابن حبان في [المجروحين ١/ ١٢٩]: لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه. قال الدارقطني: كذاب متروك - موسوعة أقوال الدارقطني في رجال الحديث وعلله، رقم (٥٦٦) - وقال عبد الغني بن سعيد الحافظ: أكثر رواة الحديث مجهولون وضعفاء". اهـ. وقال الجوزقاني: هذا حديث باطل لا أصل له. وقال الذهبي في "تلخيص كتاب الموضوعات" رقم (٢٦٨): "بسند مظلم، عن إسماعيل بن زياد - وهو كذاب - .. ". اهـ. وانظر: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي (١/ ٣٥٨). (الطريق الثاني): من طريق جعفر بن الأحمد، عن مطر، عن أنس بن مالك قال: قلتُ: لسلمان الفارسي: =
[ ١١ / ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سَلْ رسول الله ﷺ مَنْ وَصيّه؟ فقال له سلمان: يا رسول الله من وصيك؟ قال: "من كان وصيّ موسى؟ "، قال: يوشع بن نون، قال: "فإنَّ وصيِّي ووارثي، يقضي دَيْني ويُنْجِزُ موعِدي، وخيرَ من أخلف بعدي علي بن أبي طالب ﵇". أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات رقم (٧٠٣) وقال: "فيه مطر بن ميمون". قال البخاري - التاريخ الكبير (٤/ ١/ ٤٠١) -: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وفيه جعفر، وقد تكلموا فيه. وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" رقم (٦٥/ ١١٠٢) بتحقيقي: "وفي إسناده: متروك وضعيف". (الطريق الثالث): من طريق خالد بن عُبيد العتكي أبي عاصم، عن أنس، عن سلمان، عن النبي ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب: "هذا وصيّي وموضِعُ سِري، وخيرُ من أترك بعدي". أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" رقم (٧٠٤) من طريق ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٧٩) وقال ابن حبان: يروي - أي خالد بن عبيد العتكي - عن أنس نسخة موضوعة، لا تحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. [وانظر: "الميزان" (١/ ٦٣٤ - ٦٣٥ رقم ٢٤٤٣)]. (الطريق الرابع): من طريق قيس بن مِيناء، عن سلمان، قال: قال النبي ﷺ: "وصِيّي علي بن أبي طالب". أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" رقم (٧٠٥) من طريق العقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٤٦٩ رقم ١٥٢٥). وقال العقيلي: قيس بن ميناء لا يتابع على حديثه وكان له مذهب سوء. وقال الذهبي في الميزان (٣/ ٣٩٨): وهذا كذاب .. وخلاصة القول: أن الحديث موضوع بجميع طرقه. وأقره السيوطي في "اللآلئ" (١/ ٣٥٨) وابن عرَّاق في "التنزيه" (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) والشوكاني في "الفوائد المجموعة" رقم (٦٥/ ١١٠٢). بتحقيقي. (ومنها): ما يرويه بريدة، وله طريقان: (الطريق الأول): من طريق محمد بن حُميد الرازي، قال: حدثنا علي بن مجاهد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الأيادي، عن ابن بُريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "لكلّ نبيّ وَصِيٌّ، وإنْ عليًا وَصِيّي ووارثي". أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" رقم (٧٠٦)، والجوزقاني في "الأباطيل" بالسند نفسه (٢/ ١٥٠ رقم ٥٤٤). قال ابن الجوزي: فيه محمد بن حُميد، وقد كذبه أبو زُرعة وابن وارة. - الجرح =
[ ١١ / ٢٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والتعديل (٧/ ٢٣٢) والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٥٤ رقم ٢٩٥٩) -. وأقره السيوطي في اللآلئ (١/ ٣٥٩) وابن عراق في "التنزيه" (١/ ٣٥٧). وقال الجوزقاني: هذا حديث باطل، وفي إسناده ظلمات. (الطريق الثاني): من طريق أبي عبد الرحمن أحمد بن عبد الله الفرياناني، قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن شريك بن عبد الله، عن أبي ربيعة الأيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ لكل نبي وصيًا ووارثًا، فإن وصيّي ووارثي علي بن أبي طالب". أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" رقم (٧٠٧) وأعله بالفرياناني وسلمة بن الفضل، وأقره السيوطي في اللآلئ (١/ ٣٥٩) وابن عراق في "التنزيه" (١/ ٣٥٧). قال ابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٤٥): عن الفرياناني: كان يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم. وأما سلمة بن الفضل. قال ابن المديني - كما في الميزان (٢/ ١٩٢ رقم ٣٤١٠) - رمينا حديث سلمة بن الفضل. وخلاصة القول: أن الحديث موضوع بطريقيه. (ومنها): حديث أنس: أخرج ابن الجوزي في "الموضوعات" رقم (٧٠٨) من طريق أبي نعيم في "الحلية" (١/
(٢) ٦٤) مطولًا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أنس! اسكب لي وضوءًا"، ثم قام فصلى ركعتين ثم قال: "يا أنس أول ما يدخُلُ عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغُرّ المحجلين، وخاتم الوصيين". قال أنس: فقلت: اللهم اجعله رجلًا من الأنصار، إذ جاء علي ﵇. فقال: "من هذا يا أنس؟ " فقلت: عليّ، فقام مستبشرا فاعتنقه. قال أبو نعيم: رواه جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن أنس نحوه. وأقره السيوطي في "اللآلئ" (١/ ٣٥٩). وقال: وفي الطريق الأول أيضًا: إبراهيم بن محمد بن ميمون من أجلاد الشيعة وهو المتهم به عند الذهبي "الميزان" (١/ ٦٣ رقم ٢٠٣) واللسان (١/ ١٠٧ رقم ٣١٨) وفيه علي بن عابس أيضًا، وجابر الجعفي كذاب، وأقره ابن عراق في التنزيه (١/ ٣٥٧). وخلاصة القول: أن الحديث موضوع. (ومنها): حديث أبي ذر: أخرج ابن الجوزي في "الموضوعات" رقم (٧٠٩) عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كما أنا خاتم النبيين كذلك عليّ وذريتُهُ يختمون الأوصياء إلى يوم القيامة". قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، انفرد به الحسن بن محمد العلوي. قال الحافظ: =
[ ١١ / ٢٦٣ ]
فمن ذلك ما استدلت به عائشة (^١)، يعني الحديث المتقدم.
ومن ذلك أن عليًا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة ولا ذكره لأحد من الصحابة يوم السقيفة، وهؤلاء ينتقصون عليًا من حيث قصدوا تعظيمه؛ لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى وصلابته إلى المداهنة والتقية (^٢) والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك. اهـ.
_________________
(١) = كان رافضيًا - لسان الميزان (٢/ ٢٥٢ رقم ١٠٥٣) - وفيه: إبراهيم بن عبد الله - هو ابن همام بن أخي عبد الرزاق يروي عن عبد الرزاق المقلوبات الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج لمن يرويها لكثرتها كما بيّن ذلك السيوطي. "المجروحين" (١/ ١١٨) -. وخلاصة القول: أن الحديث موضوع. (ومنها): قال الملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" (ص ٤١٣): "أن يُدّعى على النبيِّ ﷺ أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضرٍ من الصحابةِ كُلِّهم، وأتهم اتفقوا على كتمانه ولم يفعلوه. كما يزعم أكذب الطوائف أنه ﷺ أخذ بيد عليٍّ بمحضر الصحابة كلهم، وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع ثم قال: "هذا وصيِّي وأخي، والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا له". ثم اتفق الكلُّ على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته، فلعنة الله على الكاذبين … ". اهـ. قلت: وعدّ ابن قيم الجوزية في "المنار المنيف" (ص ٥٧): تحت عنوان أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا، ما ذكره الملا علي القاري آنفًا.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٧٤١) ومسلم رقم (١٩/ ١٦٣٦) وقد تقدم.
(٣) التقية: دين مفروض لا يقوم المذهب إلا بها، وقد عقد لها الكليني في كتابه: "الكافي" في كتاب الكفر والإيمان بابًا فقال: "باب التقية" ثم أورد تحثه ثلاثة وعشرين حديثًا ونحن نورد منها هنا حديثين: الحديث الأول: رقم (٢): ونصه بإسناده إلى أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله ﵇: يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين - (الكافي للكليني) (١/ ١٧٣ - ١٧٤) -. قال المعلّق: ذلك لعدم مسيس الحاجة إلى التقية فيها إلا نادرًا … إلخ. الحديث الثاني: برقم (١٢) بإسناده … عن معمر بن خلّاد قال: سألت أبا الحسن ﵇ عن القيام للولاة فقال: قال أبو جعفر ﵇: "التقية" من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له - (الكافي للكليني) (١/ ١٧٤) -. إذًا فالتقية دين تبيح لمعتنقها أن يتظاهر لأهل السنة بخلاف ما يبطن، ولذا تجد الشيعة =
[ ١١ / ٢٦٤ ]
ولا يخفى أن نفي عائِشة للوصية حال الموت لا يستلزم نفيها في جميع الأوقات، فإذا أقام البرهان الصحيح من يدعي الوصاية في شيء معين قبل.
قوله: (مكتوبةٌ عند رأسه) استدلَّ بهذا على جواز الاعتماد على الكتابة والخطِّ؛ ولو لم يقترن ذلك بالشهادة (^١)، وخصَّ محمد بن نصر من الشافعية
_________________
(١) = يتعاملون بها مع المسلمين من أهل السنة خداعًا لهم؛ لأنهم لا يستطيعون إظهار سَبّ الصحابة وشتمهم أمام أهل السنة. ثم أرادوا من وراء ذلك خداع سليم القلب من أهل السنة بحجة دعوى التقريب بين السنة والشيعة … قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٣/ ٢٦٠): "والرافضة حالهم من جنس حال المنافقين لا من جنس حال المكره الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالايمان، فإن هذا الإكراه لا يكون عامًا من جمهور بني آدم، بل المسلم يكون أسيرًا في بلاد الكفر ولا أحد يكرهه على كلمة الكفر ولا يقولها ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وقد يحتاج إلى أن يلين لناس من الكفار ليظنوه منهم وهو مع هذا لا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل يكتم ما في قلبه، وفرق بين الكذب وبين الكتمان. فكتمان ما في النفس يستعمله المؤمن حيث يعذره الله في الإظهار كمؤمن آل فرعون، وأما الذي يتكلم بالكفر فلا يعذره إلا إذا أكره، والمنافق الكذاب لا يعذر بحال … إلى أن قال: وأما الرافضي فلا يعاشر أحدا إلا استعمل معه النفاق فإن دينه الذي في قلبه دين فاسد يحمله على الكذب والخيانة وغش الناس، وإرادة السوء بهم.
(٢) اتفق الفقهاء والمحدثون على جواز الاعتماد على الخط والكتابة في نقل الحديث والروايات التي حفظها الراوي عنده للتحديث منها والنقل عنها، وفي تدوين الأحكام الشرعية والقواعد الفقهية، وتدوين الحديث، ولو لم يعتمد على ذلك لضاع الإسلام بضياع السنة الصحيحة والأحكام الفقهية التي نقلت لنا خلفًا عن سلف بطريق الكتابة ولو لم تكون الكتابة مقبولة عند الفقهاء وحجة في النقل لما عوَّلوا عليها في تدوين الكتب والمؤلفات. الكتابة هي الوسيلة التي حفظ الله بها الشريعة، وقد أمر الرسول ﷺ بكتابة الوحي واتخذ كتابًا للوحي بلغ عددهم أربعين كاتبًا … ثم اختلف الفقهاء في مشروعية الكتابة باعتبارها وسيلة من وسائل الإثبات بشكل عام وكامل. (أ) القول الأول: أن الكتابة وسيلة من وسائل الإثبات ليست مشروعية؛ ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء، ورواية عن أحمد. [تبصرة الحكام (١/ ٣٥٦)]. ومن أدلتهم على ذلك:
(٣) أن الخطوط تتشابه ويصعب تمييزها، وقد يخيل للشخص أن الخطين متشابهان وأن صاحبهما واحد. =
[ ١١ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فالخط أو الكتابة يحتمل التزوير والافتعال فلا تكون حجة دليلًا في الإثبات؛ لأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. ويعترض على ذلك بأن التشابه نادر فلا يبنى عليه الحكم، وإن تشابه الخط كتشابه الأصوات والصور؛ وإن كشف التزوير ممكن لأهل الخبرة والفطنة والاختصاص، الذين يعرفون الخطوط ويميزون الأصلي من المقلد، وخط كل كاتب يتميز عن خط غيره، كتمييز صورته وصوته. [انظر: "الطرق الحكمية" (ص ٢٠٧)].
(٢) الكتابة قد تكون للتجربة واللعب والتسلية فلا يعتبر حجة ودليلًا للآخر لعدم القصد وتوجيه الإرادة نحوها، والقاعدة الفقهية تقول: العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني. وهذا دليل مستغرب ومستبعد أن يجرب الإنسان خطه، أو يمارس اللعب والتسلية بكتابة الحقوق إثبات الديون للآخرين وهو احتمال هزيل. والقاعدة التي ذكرت حجة عليهم لا لهم.
(٣) تنحصر في الإقرار والبينة والنكول، وأن الكتابة ليست من أدلة الإثبات. والكتابة زيادة على النص والزيادة على النص نسخ عند الحنفية، أو هو اعتبار لما ليس من الدين فهو حدث وبدعة. ويعترض على ذلك بأن الكتابة وسيلة لإبلاغ الشريعة إلى الملوك والرؤساء، وقد أمر القرآن بالكتابة والتوثيق بها. وعمل بها الرسول الأعظم، وأمر صحابته بتعلم الكتابة من أسرى بدر واتخذ الكتَّاب لكتابة الوحي وكتابة الرسائل والأحكام إلى عماله وأمرائه وولاته. وقبلها المسلمون واستعملوها في حياتهم دون إنكار، سواء ذلك في رواية الحديث، وتلقي العلم وكتابة الأحكام الشرعية وفي المعاملات والقضاء وجميع شؤون الدولة. (ب) القول الثاني: أن الكتابة باعتبارها وسيلة من وسائل الإثبات مشروعة؛ ذهب إلى ذلك المالكية، وأحمد في رواية بعض السلف. [تبصرة الحكام (١/ ٣٥٦)، و"الطرق الحكمية" (ص ٢٠٧)]. ومن أدلتهم على ذلك:
(٤) من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وسواء كان الأمر للفرض أو الندب، فالآية تقرر اعتبار الكتابة وثيقة في المعاملات، وفائدة ذلك الاعتماد على تلك الوثيقة عند الإنكار والجحود، والاحتجاج بها أمام القاضي.
(٥) من السنة: حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري رقم (٢٤٣٤)، ومسلم رقم =
[ ١١ / ٢٦٦ ]
ذلك بالوصية، لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام.
قال الحافظ (^١): وأجاب الجمهور بأنَّ الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى قوله: "وصيته مكتوبة عنده"، أي: بشرطها.
وقال المحبُّ الطبري (^٢): إضمار الإشهاد فيه بعدٌ.
وأجيب: بأنَّهم استدلُّوا على اشتراط الإشهاد بأمرٍ خارجٍ، كقوله تعالى:
_________________
(١) = (٤٤٧/ ١٣٥٥) الذي ثبت فيه أمره ﷺ الكتابة لأبي شاه. [وانظر: "زاد المعاد" (٣/ ٧) و"الأموال" لأبي عبيد (ص ٣٨١) وفتح الباري (١٣/ ١٤١)].
(٢) من المعقول: أن الكتابة الخطاب، والكتابة أشدُّ دلالة على جزم الإرادة؛ لأن الإنسان قد يتلفظ سهوًا، وينطق خطأً، وقد يسبقه لسانه وقد يتكلم مزحًا وهزلًا. أما الكتابة فإن العقل والفكر متجهان نحوها اتجاهًا جازمًا ويتأمل بما يكتبه، ويفكر في دلالته ومعناه ومقصوده، ولذلك قال الحنفية والمالكية: إن الكتابة المستبينة المعنوية صريحة الدلالة، خلافًا للشافعية، فقالوا: إن الكتابة كناية، وقد قال الحنابلة: الكتابة صريحة إلا في النكاح والطلاق. [المجموع (٩/ ١٧٧) و"الطرق الحكمية" (ص ٢٠٧)]. الراجح والله أعلم: القول بمشروعية الكتابة في إثبات الحقوق لقوة الأدلة، ولحاجة الناس إلى استعمالها واللجوء إليها، ولأن القول بعدم حجية الكتابة في الإثبات يؤدي إلى الحرج والمشقة في المعاملات بين الناس فتتعطل مصالحهم وتضييع حقوقهم وأموالهم لعدم تيسير الشهود دائمًا • وقال ابن تيمية: والعمل بالخط مذهب قوي بل هو قول جمهور السلف. ["مختصر الفتاوى المصرية" لابن تيمية (ص ٦٠١، ٦٠٨) "والطرق الحكمية" (ص ١٠)]. • وقال الشوكاني في "بحث في العمل بالخط ومعاني الحروف العلمية النقطية" رقم الرسالة (١٤٩) ضمن "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني" (٩/ ٤٦٥٣ - ٤٦٥٤) بتحقيقي: "وحاصل الأمر أنَّه لا شكَّ أنَّ العمل بالخط على الوجه المعتبر شريعة قائمة، وسنة متبعة، وإجماع صحيح. ولكن هذا الخط هو الخط الذي تقوم به الحجةُ عند الترافع والتخاصم أو عند الاختلاف في الرواية ولا تقوم الحجة بالإجماع إلا بخط معروف من ثقةٍ معروف لا يتطرَّق إليه وهم، ولا يعتريه احتمالُ زيادةٍ، أو نقصانٍ، أو تحريفٍ، أو تغيير، أو تبديل". اهـ.
(٣) في "الفتح" (٥/ ٣٥٩).
(٤) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٥٩).
[ ١١ / ٢٦٧ ]
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (^١)، فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية.
وقال القرطبي (^٢): ذكر الكتابة مبالغةٌ في زيادة التوثُّق وإلا فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة. اهـ.
وقد استوفينا الأدلة عى جواز العمل بالخطِّ في الاعتراضات التي كتبناها على رسالة (الجلال في الهلال) (^٣) فليراجع ذلك فإنه مفيدٌ.
٢/ ٢٥٢١ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله، أيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ أَوْ أعْظَمُ أجْرًا؟ قالَ: "أما وأبِيكَ لَتُفْتَأنَّ، أنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ شَحِيحٌ صَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وتَأمُلُ البَقاءَ وَلَا تُمْهِل حتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَبفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كانَ لفُلانٍ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (^٤). [صحيح]
قوله: (أيُّ الصدقة أفضلُ أو أعظمُ)، في روايةٍ للبخاريِّ (^٥): "أفضل"، وفي أخرى له (^٦): "أعظم".
قوله: (لَتُفْتأنَّ) بفتح اللام وضم الفوقية وسكون الفاء وبعدها فوقية أيضًا ثم همزة مفتوحة ثم نون مشدَّد، وهو من الفتيا، وفي نسخة: "لَتُنَبأَنَّ" بضم التاء وفتح النون، بعدها باءٌ موحدَةٌ، ثمَّ همزةٌ مفتوحة، ثمَّ نون مشدَّدةٌ من النبأ.
قوله: (أن تصدَّق) بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين، وأصله: أن تتصدَّق، والتشديد على الإدغام.
قوله: (شحيحٌ) قال صاحب المنتهى (^٧): الشحُّ: بخلٌ مع حِرْصٍ.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: (١٠٦).
(٢) في "المفهم" (٤/ ٥٤٢).
(٣) وقد حصلت على هذه الرسالة أخيرًا وهي بعنوان إطلاع أربا الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال". كما حصلت على رسالة الجلال في الدخول في صوم رمضان، وهناك رسائل أخرى سنلحقها بالفتح الرباني من فتاوى الشوكاني" الجزء (١٣).
(٤) أحمد في المسند (٢/ ٤١٥) والبخاري رقم (١٤١٩) ومسلم رقم (٩٢، ٩٣/ ١٠٣٢) وأبو داود رقم (٢٨٦٥) والنسائي رقم (٣٦١١) وابن ماجه رقم (٢٧٠٦). وهو حديث صحيح.
(٥) في صحيحه رقم (٢٧٤٨).
(٦) في صحيحه رقم (١٤١٩).
(٧) "المنتهى"، أبو المعالي اللغوي، (محمد بن تميم البرمكي، ت ١٤١ هـ). =
[ ١١ / ٢٦٨ ]
وقال صاحب المحكم (^١): الشحُّ مثلث الشين، والضم أولى.
وقال صاحب الجامع (^٢): كأن الفتح في المصدر والضم في الاسم.
قال الخطابي (^٣): فيه أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأنَّ سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل، فلذلك شرط صحة البدن في الشحِّ بالمال؛ لأنَّه في الحالتين - يجد للمال وقعًا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر معه الفقر.
قال ابن بطال (^٤) وغيره: لما كان الشحُّ غالبًا في الصِّحة فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر، بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره.
قوله: (وتأمُل) بضم الميم: أي تطمع.
قوله: (ولا تمهلْ) بالإسكان على أنه نهي وبالرفع على أنه نفي ويجوز النصب.
قوله: (حتى إذا بلغت الحلقوم) أي: قاربت بلوغه؛ إذ لو بلغته حقيقةً لم يصحَّ شيء من تصرُّفاته، والحلقوم: مجرى النفس (^٥)، قاله أبو عبيدة.
قوله: (قلت لفلان كذا) إلخ، قال في الفتح (^٦): الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال.
وقال الخطابي (^٧): فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الأخير الوارث؛ لأنَّه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه.
وقال غيره: يُحتمل أن يكونَ المرادُ بالجميع: مَن يُوصي له، وإنما أدخل (كان) في الثالث إشارة إلى تقدير المقدر له بذلك.
_________________
(١) = منقول من "الصحاح"، وزاد عليه أشياء قليلة، وأغرب في ترتيبه، صنفه سنة (٣٩٧ هـ). راجع: "البداية والنهاية" (١٤/ ٢٩٦) و"كشف الظنون" (٢/ ١٨٥٨). [معجم المصنفات (ص ٤١٥ رقم ١٣٤٠)].
(٢) المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٤٨٨).
(٣) ذكره الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٨٥).
(٤) في أعلام الحديث (١/ ٧٥٧).
(٥) في شرحه لصحيح البخاري (٨/ ١٥٤).
(٦) انظر: "لسان العرب" (١٢/ ١٥٠).
(٧) (٥/ ٢٨٤).
(٨) في أعلام الحديث (١/ ٧٥٧ - ٧٥٨).
[ ١١ / ٢٦٩ ]
وقال الكرماني (^١): يحتمل أن يكون الأول [الوارث] (^٢)، والثانى: الموروث، والثالث: الموصى له.
قال الحافظ (^٣): ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقرارًا.
والحديث يدل على أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في حال الصحة أفضل منه حال المرض؛ لأنَّه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبًا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (^٤).
وفي معنى الحديث قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ﴾ الآية (^٥).
وفي معناه أيضًا ما أخرج الترمذي (^٦) بإسنادٍ حسن، وصححه ابن حبان (^٧) عن أبي الدرداء مرفوعًا. قال: "مثل الذي يعتقُ ويتصدَّق عند موته مثل الذي [يُهْدِي] (^٨) إذا شَبع".
وأخرج أبو داود (^٩) وصححه ابن حبان (^١٠) من حديث أبي سعيد مرفوعًا:
_________________
(١) في شرحه للبخاري (٧/ ١٨٩).
(٢) في المخطوط (ب): للوارث.
(٣) في الفتح (٥/ ٣٧٤).
(٤) سورة البقرة، الآية: (٢٦٨).
(٥) سورة المنافقون، الآية: (١٠).
(٦) في سننه رقم (٢١٢٣) وقال: حديث حسن صحيح.
(٧) في صحيحه رقم (٣٣٣٦). قلت: وأخرجه عبد الرزاق رقم (١٦٧٤٠) والطيالسي رقم (٩٨٠) وأحمد (٥/ ١٩٧)، (٦/ ٤٤٨) والدارمي (٢/ ٤١٣) وأبو الشيخ في الأمثال رقم (٣٢٧) وأبو داود رقم (٣٩٦٨) والنسائي (٦/ ٢٣٨) والحاكم (٢/ ٢١٣) والبيهقي (٤/ ١٩٠) و(١٠/ ٢٧٣) من طرق. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٧٤). قلت: بل الحديث ضعيف، وقد ضعفه الألباني. لضعف أبي حبيبة الطائي فلم يوثقه غير ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٧٧) ولا يُعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه غير أبي إسحاق.
(٨) في المخطوط (ب): (يهتدي).
(٩) في سننه رقم (٢٨٦٦).
(١٠) في صحيحه رقم (٣٣٣٤). =
[ ١١ / ٢٧٠ ]
"لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة".
٣/ ٢٥٢٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أوِ المَرأةَ بطاعَةِ الله سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُما الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ [فَيَجِبُ] (^١) لَهُمَا النَّارُ"، ثُمَّ قَرأ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِه: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٢)، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (^٣) وَالتّرْمِذيُّ (^٤). [ضعيف]
وَلأحْمَدَ (^٥) وَابْنِ مَاجَهْ (^٦) مَعْناهُ، وَقالا فيهِ: "سَبْعِينَ سَنَةً"). [ضعيف]
الحديث حسنه الترمذي (^٧)، وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين (^٨).
ولفظ أحمد (٥) وابن ماجه (٦) الذي أشار إليه المصنف: "إنَّ الرجلَ ليعملُ بعمل أهل الخير سبعين سنةً، فماذا أوصى حاف (^٩) في وصيته فيُخْتَم له بشر عمله، فيدخل النار. وإنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة فيعدل في وصيته فيدخل الجنة".
_________________
(١) = وهو حديث ضعيف. لضعف شرحبيل بن سعد، لم يوثقه غير ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٦٤) وضعفه الدارقطني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن معين.
(٢) في المخطوط (ب): (فتجب).
(٣) سورة النساء، الآية: (١٢، ١٣).
(٤) في السنن رقم (٢٨٦٧).
(٥) في السنن رقم (٢١١٧) وقال: حديث حسن غريب. وهو حديث ضعيف، لضعف شهر بن حوشب.
(٦) في المسند (٢/ ٢٧٨).
(٧) في السنن رقم (٢٧٠٤). وهو حديث ضعيف.
(٨) في السنن (٤/ ٤٣٢).
(٩) انظر: "التاريخ الكبير" (٤/ ٢٥٨) و"المجروحين" (١/ ٣٦١) و"الجرح والتعديل" (٤/ ٣٨٢) والميزان (٢/ ٢٨٣) والتقريب (١/ ٣٥٥).
(١٠) حاف: جار وعدل عن نهج الصواب.
[ ١١ / ٢٧١ ]
وفيه وعيدٌ شديدٌ، وزجرٌ بليغٌ وتهديدٌ؛ لأنَّ مجرَّد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النَّار بعد العبادة الطويلة في السنين المتعدِّدة فلا شكَّ أنَّها من أشدِّ الذنوب التي لا يقع في مضيقها إلا مَن سبقتْ له الشقاوةُ، وقراءة أبي هريرة للآية لتأييد معنى الحديث وتقويته؛ لأن الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصيَّة بعدم الضرار، فتكون الوصيةُ المشتملة على الضرار مخالفةً لما [شرعه] (^١) الله تعالى وما كان كذلك فهو معصيةٌ.
وقد تقدم قريبًا عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا بإسناد صحيح: أن وصية الضرار من الكبائر، وذلك مما يؤيِّد معنى الحديث؛ فما أحقّ وصية الضرار بالإبطال من غير فرق بين الثلث وما دونه وما فوقه.
وقد جمعت في ذلك رسالة مشتملة على فوائد (^٢) لا يستغنى عنها.