١/ ٢٦٢١ - (عَن ابن مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَن استَطاعَ مِنْكمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّج فإنَّهُ أغَضّ للْبَصَر وأحْصَنُ للْفَرْج، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصّوْم فإنَّه لَهُ وِجاءٌ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ) (^١). [صحيح]
٢/ ٢٦٢٢ - (وَعَنْ سَعْدِ بن أبي وَقَّاص قالَ: رَدَّ رَسُولُ الله ﷺ على عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبّتَّل، وَلَوْ أذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنا (^٢). [صحيح]
٣/ ٢٦٢٣ - (وَعَنْ أنَس: أن نَفَرًا مِنْ أصَحاب النَّبِيِّ ﷺ قالَ بَعْضُهُمْ: لَا أتَزَوَّجُ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: أُصَلِّي ولا أنامُ، وقالَ بَعْضُهُم: أصُومُ وَلا أُفْطِرُ؛ فَبَلَغَ ذلكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "ما بالُ أقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وكَذَا، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيْسَ مِنِّي" (^٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما). [صحيح]
٤/ ٢٦٢٤ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ قَالَ: قالَ لي ابْنُ عَبَّاس: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: تَزَوَّجْ، فإنَّ خَيْرَ هَذه الأمَّةِ أكْثَرُها نِساءً. رَوَاهُ أحْمَدُ (^٤)
_________________
(١) أحمد في المسند (١/ ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٣٢) والبخاري رقم (٥٠٦٦) ومسلم رقم (١/ ١٤٠٠) وأبو داود رقم (٢٠٤٦) والترمذي رقم (١٠٨١) والنسائي رقم (٣٢٠٩) وابن ماجه رقم (١٨٤٥). وهو حديث صحيح.
(٢) أحمد في المسند (١/ ١٧٦، ١٨٣) والبخاري رقم (٥٠٧٣) ومسلم رقم (٦/ ١٤٠٢). وهو حديث صحيح.
(٣) أحمد في المسند (٣/ ٢٤١) والبخاري رقم (٥٠٦٣) ومسلم رقم (٥/ ١٤٠١). وهو حديث صحيح.
(٤) في المسند (١/ ٢٣١).
[ ١٢ / ١٣ ]
وَالبُخارِيُّ) (^١). [صحيح]
٥/ ٢٦٢٥ - (وَعَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَن عَنْ سَمُرةَ: أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن التَّبَتُّلِ، وقَرأ قَتادَةُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (^٢) "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣) وَابْنُ ماجَهْ) (^٤). [صحيح لغيره]
حديث سمرة قال الترمذي (^٥): "إنه حسن غريب. قال: وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة عن النبي ﷺ، ويقال: كلا الحديثين صحيح"، انتهى.
وفي سماع الحسن من سمرة خلاف مشهور قد ذكرناه فيما تقدم.
وحديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي (^٦) أخرجه أيضًا النسائي (^٧).
وفي الباب عن ابن عمر عند الديلمي في مسند الفردوس (^٨) قال: قال
_________________
(١) في صحيحه رقم (٥٠٦٩). وهو حديث صحيح.
(٢) سورة الرعد، الآية: (٣٨).
(٣) في سننه رقم (١٠٨٢).
(٤) في سننه رقم (١٨٤٩). قال الترمذي: "حديث سمرة حديث حسن غريب، وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة عن النبي ﷺ نحوه. ويقال: كلا الحديثين صحيح. وقال الترمذي في "العلل الكبير" (ص ١٥٣ - ١٥٤ رقم ٢٦١ و٢٦٢): سألت محمدًا - أي البخاري - عن هذا الحديث فقال: حديث الحسن، عن سمرة محفوظ. وحديث الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة هو حسن. قال محمد: وقد رُوي عن سعد بن هشام، عن عائشة موقوفًا، أخرجه النسائي رقم (٣٢١٦). وصحح أبو حاتم الوجهين في "العلل" (١/ ٤٠١) ورجح النسائي في السنن (٦/ ٥٩) حديث الحسن عن سمرة. وخلاصة القول: أن حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح لغيره، والله أعلم.
(٥) في السنن (٣/ ٣٩٣).
(٦) في السنن (٣/ ٣٩٣ بإثر الحديث رقم ١٠٨٢).
(٧) في سننه رقم (٣٢١٣) وهو حديث صحيح لغيره.
(٨) الفردوس بمأثور الخطاب (٢/ ١٣٠ رقم ٢٦٦٣). =
[ ١٢ / ١٤ ]
رسول الله ﷺ: "حجُّوا تستغنوا، وسافروا تصحُّوا، وتنكاحوا تكثروا، فإني أباهي بكمُ الأمم"، وفي إسناده محمد بن الحارث (^١) عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني (^٢)، وهما ضعيفان.
ورواه البيهقي (^٣) أيضًا عن الشافعي أنه ذكره بلاغًا، وزاد في آخره: "حتى بالسقط".
وعن أبي أمامة عند البيهقي (^٤) بلفظ: "تزوجوا فإني مكاثر بكمُ الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى"، وفي إسناده محمدُ بن ثابت (^٥) وهو ضعيف.
وعن حرملة بن النُّعمان عند الدارقطني في المؤتلف (^٦)، وابن قانع في الصحابة (^٧) بلفظ: "امرأة ولود أحبّ إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". قال الحافظ (^٨): وإسناده ضعيف.
وعن عائشة أيضًا عند ابن ماجه (^٩) أن النبي ﷺ قال: "النِّكاح من سنتي
_________________
(١) = بإسناد ضعيف جدًّا؛ محمد بن عبد الرحمن البيلماني متروك، وأبوه عبد الرحمن ضعيف. ومثله محمد بن الحارث. والشطر الأول من الحديث أورده السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٣٦٨٦) من رواية عبد الرزاق رقم (٨٨١٩) عن صفوان بن سليم مرسلًا. والشطر الآخر له شاهد من حديث أنس عند أحمد (٣/ ١٥٨) بسند صحيح لغيره. والخلاصة: أن الحديث ضعيف، وانظر: الضعيفة رقم (٣٤٨٠).
(٢) محمد بن الحارث الحارثي: ضعفوه. الميزان (٣/ ٥٠٤ رقم ٧٣٣٥).
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن البيلمان: ضعفوه. الميزان (٣/ ٦١٧ رقم ٧٨٢٦).
(٤) في "معرفة السنن والآثار" (١٠/ ١٧ رقم ١٣٤٤٨) بلاغًا.
(٥) في السنن الكبرى (٧/ ٧٨) بسند ضعيف.
(٦) محمد بن ثابت العبدي البصري: ضعيف. الميزان (٣/ ٤٩٥) والكامل (٦/ ٢١٤٥).
(٧) لم أجده في "المؤتلِف والمختلِف" المطبوع. وقد عزاه إليه الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٢٤٨).
(٨) سقط من مطبوع "معجم الصحابة" لابن قانع (١/ ٢١١) بقية تراجم الحاء المهملة والخاء المعجمة والدال المهملة. فلذا لم أجد فيه. وقد عزاه إليه الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٢٤٨) وابن الملقن في البدر المنير (٧/ ٤٢٤).
(٩) بل سكت عنه الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٢٤٨) وفي الفتح (٩/ ١١١) وفي الإصابة (٢/ ٤٦ رقم ١٦٧٥).
(١٠) في سننه رقم (١٨٤٦). =
[ ١٢ / ١٥ ]
فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طَول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء"، وفي إسناده عيسى بن ميمون وهو ضعيف (^١).
وعن عمرو بن العاص عند مُسلم (^٢) عن النبي ﷺ: "الدنيا متاعٌ وخير متاعها المرأةُ الصالحة".
وعن أنس عند النسائي (^٣) والطبرانيِّ (^٤) بإسنادٍ حسنٍ عن النبي ﷺ: "حُبِّب إليَّ من الدنيا: النساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قرَّة عيني في الصلاة"، وقد تقدَّم (^٥) الكلام على هذا الحديث في باب الاكتحال والادِّهان والتّطيّبِ من كتاب: الطهارة.
وعن عائشة أيضًا عند الحاكم (^٦)، وأبي داود في المراسيل (^٧) بلفظ: "تزوّجوا النِّساء فإنهنَّ يأتينكم بالمال". وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني (^٨) المرسل على الموصول.
_________________
(١) = قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٦٥): هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون. وهو حديث حسن.
(٢) عيسى بن ميمون المدني، مولى القاسم بن محمد القرشي. عن محمد بن كعب. قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال مرة: لا بأس به. [التاريخ الكبير (٦/ ٤٠١) والمجروحين (٢/ ١٢٠) والجرح والتعديل (٦/ ٢٨٧) والميزان (٣/ ٣٢٥) والتقريب (٢/ ١٠٢) والخلاصة ص ٣٠٤].
(٣) في صحيحه رقم (٥٩/ ١٤٦٧) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٤) في سننه رقم (٣٩٣٩).
(٥) في الأوسط رقم (٥٧٧٢). وهو حديث حسن.
(٦) برقم (٣٩/ ١٥٦) من كتابنا هذا.
(٧) في المستدرك (٢/ ١٦١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٨) في المراسيل رقم (٢٠٣). قلت: وأخرجه البزار رقم (١٤٠٢ - كشف) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ١٤٧). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا مسلم بن جياد (كذا) في الزوائد. والصواب: (سلم بن جنادة وهو ثقة). والخلاصة: أنه مرسل بسند صحيح إلى مرسله، والله أعلم.
(٩) حكاه عنه الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٢٥٠).
[ ١٢ / ١٦ ]
وعن أبي هريرة عند الترمذي (^١)، والحاكم (^٢)، والدارقطني (^٣)، وصححه بلفظ: "ثلاثةٌ حقٌّ على الله إعانتهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد أن يستعففَ، والمكاتب يريد الأداء".
وعن أنس أيضًا عند الحاكم (^٤) بلفظ: "من رزقه الله امرأةً صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتَّق الله في الشطر الثاني"، قال الحافظ (^٥): وسنده ضعيف.
وعنه (^٦) أيضًا: "من تزوَّج امرأةً صالحة فقد أُعْطِيَ نصفَ العِبَادَةِ"، وفي إسناده زيد العمي وهو ضعيف.
وعن ابن عباس عند أبي داود (^٧) والحاكم (^٨) بلفظ: "ألا أخبركم بخير ما
_________________
(١) في سننه رقم (١٦٥٥) وقال: حديث حسن.
(٢) في المستدرك (٢/ ١٦٠ - ١٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. قلت: ابن عجلان لم يحتج به مسلم.
(٣) في "العلل" (١٠/ ٣٥٠ س ٢٠٤٦) وقال: ورفعه صحيح. قلت: وأخرجه النسائي رقم (٣٢١٨) وابن ماجه رقم (٢٥١٨) وأحمد في المسند (٢/ ٢٥١، ٤٣٧) وابن حبان رقم (٤٠٣٠) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٨٨) والبغوي في شرح السنة رقم (٢٢٣٩) وقال: حديث حسن. قلت: وهو حديث حسن كما قال الترمذي والبغوي.
(٤) في المستدرك (٢/ ١٦١) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٥) في "التخليص" (٣/ ٢٥١).
(٦) أي عن أنس بن مالك. وقد أخرجه أبو يعلى في المسند رقم (٤٣٤٩) بسند ضعيف جدًّا وذلك لأنَّ فيه: عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك. ووالده ضعيف، وروايته عن أنس مرسلة كما ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٥٦٠). وضعف الحافظ ابن حجر الحديث بزيد في "التلخيص الحبير" (٣/ ٢٥١). ولكن الحديث قد روي من طريقين يشد بعضهما بعضًا فيرتقي إلى الحسن لغيره، فقد أورده الألباني في صحيح الجامع رقم (٦١٤٨) وذكر أنه حسن. وانظر: "الصحيحة" رقم (٦٢٥) فقد أطال في الكلام عليه.
(٧) في سننه رقم (١٦٦٤).
(٨) في المستدرك (٢/ ٣٣٣) وقال: صحيح الإسناد؛ ووافقه الذهبي. قلت: غيلان بن جامع ليس من رجال البخاري. قلت: السند ضعيف جدًّا. عثمان بن عمير ضعيف مخلط مدلس، وقد تحرف عند الحاكم إلى عثمان بن اليقظان. ولذا لم يعرفه الذهبي. وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم. وانظر: "الضعيفة" رقم (١٣١٩).
[ ١٢ / ١٧ ]
يكنز المرء: المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سَرَّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته".
وعن ثوبان عند الترمذي (^١) نحوه، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا.
وعن أبي نجيح عند البيهقي (^٢) والبغوي في معجم الصحابة (^٣) بلفظ: "من كان موسرًا فلم ينكح فليس منا"، قال البيهقي (^٤): هو مرسل، وكذا جزم به أبو داود والدولابي (^٥) وغيرهما.
وعن ابن عباس عند ابن ماجه (^٦) والحاكم (^٧): "لم ير للمتحابين مثل التزويج".
وعنه أيضًا عند أحمد (^٨) وأبي داود (^٩) والحاكم (^١٠) [وصححه] (^١١) والطبراني (^١٢): "لا صَرُورةَ (^١٣) في الإسلام"، وهو من رواية عطاء عن عكرمة عنه.
_________________
(١) في السنن رقم (٣٠٩٤) وقال: حديث حسن. وهو حديث صحيح.
(٢) في السنن الكبرى (٧/ ٧٨).
(٣) مخطوط تقدم التعريف به وبمؤلفه.
(٤) في سننه الكبرى (٧/ ٧٨).
(٥) في "الكنى والأسماء" (١/ ٢٧٩ رقم ٤٩١ - دار ابن حزم).
(٦) في سننه رقم (١٨٤٧). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٦٥): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".
(٧) في المستدرك (٢/ ١٦٠) وقال: صحيح على شرط مسلم؛ ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح، والله أعلم.
(٨) في المسند (١/ ٣١٢) بسند ضعيف.
(٩) في سننه رقم (١٧٢٩).
(١٠) في المستدرك (١/ ٤٤٨)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قلت: في الإسناد عمر بن عطاء، وهو ابن وَرَّاز وهو ضعيف اتفاقًا. أورده الذهبي في الميزان (٣/ ٢١٣ رقم ٦١٦٩) وقال: ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال أحمد: ليس بقوي. وهو غير عمر بن عطاء عن أبي الخوَّار فهذا ثقة، وهو يروي عن ابن عباس مباشرة.
(١١) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).
(١٢) في المعجم الكبير رقم (١١٥٩٥) ووقع عنده أن عمر بن عطاء هو ابن أبي الخوار وهو خطأ. والصواب هو (عمر بن عطاء بن وَرَّاز). وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(١٣) قال أبو عبيد في غريب الحديث (٣/ ٩٧): "الصرورة في هذا الحديث هو التبتُّل وترك النِّكاح، يقول: ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج هذا ليس من أخلاق المسلمين، وهو مشهور في كلام العرب … " اهـ.
[ ١٢ / ١٨ ]
قال ابن طاهر (^١): هو ابن وَرَّاز وهو ضعيف (^٢).
وفي رواية الطبراني: ابن أبي [الخوَّار] (^٣) وهو موثق هكذا في التلخيص (^٤) أنه من رواية عطاء عن عكرمة ولا رواية له، ولعله من رواية [عمرو] (^٥) بن عطاء بن ورَّاز وهو مجهول من السادسة، أو [عمرو] (٥) بن عطاء بن أبي [الخوَّار] (٣) وهو مقبول من الخامسة، وكأنه سقط من التلخيص (٤) اسم [عمرو] (٥).
والصَّرورة (^٦) بفتح الصاد المهملة: الذي لم يتزوّج والذي لم يحج.
وعن عياض بن غنم عند الحاكم (^٧) بلفظ: "لا تزوّجوا عاقرًا ولا عجوزًا فإني مكاثر بكم الأمم" وإسناده ضعيف.
وفيه أيضًا عن الصنابح بن الأعسر، وسهل بن حنيف، وحرملة بن النعمان، ومعاوية بن حيدة، أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح (^٨).
وفي الباب عن أنس (^٩) أيضًا، وعبد الله بن عمرو (^١٠)، ومعقل بن يسار (^١١)، وأبي هريرة (^١٢) أيضًا، وجابر (^١٣)، وسيأتي ذلك في الباب الذي بعد هذا.
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٣/ ٢٥٢).
(٢) الميزان للذهبي (٣/ ٢١٣ رقم ٦١٦٩).
(٣) في المخطوط (أ): (الجوار) وهو تحريف. والصواب (الخوَّار) من (ب) ومعجم الطبراني الكبير رقم (١١٥٩٥)، كما تقدم والتقريب رقم (٤٩٤٨).
(٤) التخليص (٣/ ٢٥٢).
(٥) كذا في المخطوطة (أ) و(ب) والصواب (عمر) والله أعلم.
(٦) غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ٩٧ - ٩٨). والنهاية (٢/ ٢٣) والفائق للزمخشري (٢/ ٢٩٣).
(٧) في المستدرك (٣/ ٢٩٠ - ٢٩١) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي إسناده معاوية بن يحيى الصرفي، وقال الذهبي: ضعيف.
(٨) الفتح (٩/ ١١١).
(٩) سيأتي برقم (٢٦٢٦) من كتابنا هذا.
(١٠) سيأتي برقم (٢٦٢٧) من كتابنا هذا.
(١١) سيأتي برقم (٢٦٢٨) من كتابنا هذا.
(١٢) سيأتي برقم (٢٦٣٠) من كتابنا هذا.
(١٣) سيأتي برقم (٢٦٣١) من كتابنا هذا.
[ ١٢ / ١٩ ]
قوله: (كتاب النِّكاح) هو في اللغة: الضم والتداخل (^١). وفي الشرع (^٢): عقد بين الزوجين يحلّ به الوطء. وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (^٣)، والوطء لا يجوز بالإذن.
وقال أبو حنيفة (^٤): هو حقيقةٌ في الوطء، مجاز في العقد؛ لقوله ﷺ: "تناكحوا تكاثروا" (^٥)، وقوله: "لعن الله ناكح يده" (^٦).
وقال الإمام يحيى (^٧) وبعض أصحاب أبي حنيفة: إنه مشترك بينهما، وبه قال أبو القاسم الزَّجَّاجي (^٨). وقال الفارسي (^٩): إنه إذا قيل: نكح فلانة أو بنت
_________________
(١) قاله السكاكي كما في البناية في شرح الهداية (٤/ ٤٦٩). وانظر: "الفتح" (٥/ ١٠٣).
(٢) المغني (٩/ ٣٣٩).
(٣) سورة النساء، الآية: (٢٥).
(٤) البناية في شرح الهداية (٤/ ٤٦٩ - ٤٧٠).
(٥) تقدم تخريجه خلال شرح الحديث (٢٦٢٥) من كتابنا هذا.
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ. بل أخرج البيهقي في "الشعب" رقم (٥٤٧٠) والحسن بن عرفة في "جزئه" (ص ٦٤ رقم ٤١) عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "سبعة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه، الناكح يده، الفاعل والمفعول به .. " الحديث. قال ابن كثير في "تفسيره" (١٠/ ١٠٩): هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته. وأخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ١٤٤ رقم ١٠٤٦) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، ولا حسان - بن حُميد - يعرف ولا مسلمة - بن جعفر - ". وقال الذهبي في "الميزان" (٤/ ١٠٨ رقم ٨٥١٨): "مَسلمة بن جعفر عن حسان بن حُميد، عن أنس في سبِّ الناكح يَدَه. يجهّل هو وشيخه. وقال الأزدي: ضعيف". وانظر: "الضعيفة" رقم (٣١٩). وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(٧) البحر الزخار (٣/ ٣).
(٨) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٠٣).
(٩) الفارسي: (عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر. ت ٥٢٩ هـ). وكتابه: "مجمع الغرائب". ذكره له: الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ١٧). وانظر نسخه الخطية في: "تاريخ الأدب العربي" (٦/ ٢٤٥ و٢٤٦). [معجم المصنفات ص ٣٤٩ رقم ١١١٣].
[ ١٢ / ٢٠ ]
فلان فالمراد به: العقد، وإذا قيل: نكح زوجته، فالمراد به: الوطء.
ويدل على القول الأوّل ما قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد كما صرّح بذلك الزمخشري في "كشافه" (^١) في أوائل سورة النور، ولكنه منتقض لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٢)، وقال أبو الحسين بن فارس (^٣): إن النِّكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (^٤) فإن المراد به الحلم.
قوله: (يا معشر الشباب) المعشر: جماعةٌ يشملهم وصف ما، والشباب جمع شاب. قال الأزهري (^٥): لم يُجمع فاعِل على فَعَال غيره، وأصله: الحركة والنشاط. وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية، حكى ذلك عنهم صاحب الفتح (^٦).
وقال القرطبي في المفهم (^٧): يقال له: حَدثٌ إلى ستَّ عشرةَ سنةً، ثم شاب إلى اثنين وثلاثين، ثم كهل.
قال الزمخشري (^٨): إن الشاب من لدن البلوغ إلى اثنين وثلاثين.
وقال ابن [شاس] (^٩) المالكي في "الجواهر" (^١٠): إلى أربعين.
وقال النووي (^١١): الأصح المختار أن [الشاب] (^١٢) من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ.
_________________
(١) الكشاف (٤/ ٢٦٦).
(٢) سورة البقرة، الآية: (٢٣٠).
(٣) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٠٣).
(٤) سورة النساء، الآية: (٦).
(٥) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٠٨) ولم أقف عليه في "التهذيب".
(٦) الفتح (٩/ ١٠٨).
(٧) في المفهم كما في "الفتح" (٩/ ١٠٨).
(٨) كما في "الفتح" (٩/ ١٠٨).
(٩) في المخطوط (أ)، (ب): (شاش) والصواب: (شاس)، أبو محمد، عبد الله بن نجم بن شاس الجُذامي السعدي (ت ٦١٦ هـ)، كما في سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٩٨).
(١٠) واسمه: "الجواهر الثمينة في فقه أهل (عالم) المدينة" وضعه على ترتيب "الوجيز" للغزالي وجوَّده، ونقحه، وسارت به الركبان. "السير" (٢٢/ ٩٨) عنه الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٠٨).
(١١) في شرحه لصحيح مسلم (٩/ ١٧٣).
(١٢) في المخطوط (ب): (الشباب).
[ ١٢ / ٢١ ]
وقال الروياني (^١) وطائفة: مَنْ جَاوز الثلاثين سُمِّي شيخًا، زاد ابن قتيبة (^٢): إلى أن يبلغ الخمسين.
وقال أبو إسحاق الإسفرايني (^٣) عن الأصحاب: المرجع في ذلك اللغة، وأما بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة، هكذ في الفتح (^٤).
قوله: (الباءة) بالهمز وتاء التأنيث ممدودًا، وفيها لغة أخرى بغير همزة ولا مدٍّ، وقد تُهمز وتُمدُّ بلا هاء.
قال الخطابي (^٥): المرادُ بالباءة: النِّكاح، وأصله: الموضع [الذي] (^٦) يتبوؤه ويأوي إليه.
وقال النووي (^٧): اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحدٍ:
(أصحُّهما): أن المرادَ معناها اللغوي: وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مُؤنه، وهو مؤنة النِّكاح، فليتزوّج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم، ليدفع شهوته، ويقطع شرَّ منيِّه، كما يقطعه الوجاء.
(والقول الثاني): أن المراد بالباءة مؤنة النِّكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النِّكاح فليتزوّج، ومن لم يستطع فليصم.
قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشَّهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن.
وقال القاضي عياض (^٨): لا يبعد أن تختلف [الاستطاعتان] (^٩)، فيكون
_________________
(١) كما في "الفتح" (٩/ ١٠٨).
(٢) انظر: تفسير غريب القرآن له ص ٢٥٤.
(٣) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٠٨).
(٤) الفتح (٩/ ١٠٨).
(٥) في "معالم السنن" (٢/ ٥٣٩).
(٦) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).
(٧) في شرحه لصحيح مسلم (٩/ ١٧٣).
(٨) في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٥٢٢).
(٩) في المخطوط (ب): (الاستطاعات).
[ ١٢ / ٢٢ ]
المراد بقوله: "من استطاع [منكم الباءة] (^١) "، أي: بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله: "ومن لم يستطع" أي لم يقدر على التزويج.
وقيل: الباءة بالمدّ: القدرة على مؤن النِّكاح، وبالقصر: الوطء.
قال الحافظ (^٢): ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التزويج. وقد وقع في رواية عند الإسماعيلي (^٣) من طريق أبي عوانة بلفظ: "من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج"، وفي رواية للنسائي (^٤): "من كان ذا طَول فلينكح"، ومثله لابن ماجه (^٥) من حديث عائشة، والبزار (^٦) من حديث أنس.
قوله: (أغض للبصر … إلخ) أي: أشدُّ غضًا وأشدّ إحصانًا له ومنعًا من الوقوع في الفاحشة.
قوله: (فَعَلَيْهِ) قيل (^٧): هذا من إغراء الغائب، ولا تكاد العرب تغري إلا [الشاهد] (^٨)، تقول: عليكَ زيدًا، ولا تقولُ: عليه زيدًا.
قال الطيبيُّ (^٩): وجوابهُ أنه لما كان الضميرُ [للغائب] (^١٠) راجعًا إلى لفظة: من، وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: "يا معشر الشباب" وبيان لقوله: "منكم" جاز قوله: عليه، لأنه بمنزلة الخطاب.
_________________
(١) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب)، وسقط من المخطوط (أ): (منكم). والمثبت من إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٥٢٢).
(٢) في "الفتح" (٩/ ١٠٩).
(٣) ذكره الحافظ في الفتح (٩/ ١٠٨).
(٤) في سننه رقم (٣٢٠٦) بسند صحيح.
(٥) في سننه رقم (١٨٤٦). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٦٥): "هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون. وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود … " اهـ. والخلاصة: أن حديث عائشة حديث حسن، والله أعلم.
(٦) في المسند رقم (١٣٩٩ - كشف). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٥٢): وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني ثقات".
(٧) قاله المازري في "المعلم بفوائد مسلم" (٢/ ٨٥).
(٨) في المخطوط (ب): (لشاهد).
(٩) في شرحه لمشكاة المصابيح (٦/ ٢٣٥).
(١٠) في المخطوط (ب): (الغائب).
[ ١٢ / ٢٣ ]
وأجاب القاضي عياض (^١) بأنَّ الحديثَ ليس فيه إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أوّلًا بقوله: "من استطاع منكم"، قد استحسنه القرطبي (^٢) والحافظ (^٣)؛ والإرشاد إلى الصوم لما فيه من الجوع والامتناع عن مثيرات الشهوة ومستدعيات طغيانها.
قوله: (وجاء) بكسر الواء والمدّ وأصله الغمز، ومنه وجأه في عنقه: إذا غمزه، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أنثييه: غمزهما حتى رضَّهما.
وتسمية الصيام وجاء: استعارة، والعلاقة المشابهة لأن الصوم لما كان مؤثرًا في ضعف شهوة النِّكاح شبّه بالوجاء.
وقد استدل بهذا الحديث على أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج، لإرشاده ﷺ من كان كذلك إلى ما ينافيه ويضعف داعيه.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه مكروه في حقه.
قوله: (ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل) (^٤)، هو في الأصل الانقطاع، والمراد به هنا الانقطاع عن النِّكاح وما يتبعه من الملاذّ إلى العبادة، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (^٥)؛ انقَطِعْ إليه انقطاعًا، وفسَّره مجاهدٌ بالإخلاص، وهو لازم للانقطاع.
قوله: (ولو أذن له لاختصينا) الخصي: هو شَقُّ الأنثيين وانتزاع البيضتين.
قال الطيبي (^٦): كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: "لاختصينا" لإرادة المبالغة، أي: لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الأمرُ إلى الاختصاء، ولم يرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام.
_________________
(١) في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥).
(٢) في "المفهم" (٤/ ٨٣).
(٣) في "الفتح" (٩/ ١٠٩).
(٤) النهاية في غريب الحديث (١/ ١٠١) والفائق في غريب الحديث (٢/ ١٢٢).
(٥) سورة المزمل، الآية: (٨). أخرج الطبري في "جامع البيان" (١٤/ ج ٢٩/ ١٣٣) عن مجاهد في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، قال: أخلص إليه المسألة والدعاء. إسناده صحيح.
(٦) في شرحه على مشكاة المصابيح (٦/ ٢٣٥).
[ ١٢ / ٢٤ ]
وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء.
وأصل حديث عثمان بن مظعون أنه قال: "يا رسول الله إني رجل [يشق] (^١) عليّ العزوبة فأذن لي في الاختصاء، قال: لا، ولكن عليك بالصيام" الحديث (^٢).
وفي لفظ آخر (^٣) أنه قال: "يا رسول الله أتأذن لي في الاختصاء؟ فقال: إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة".
وأخرج ذلك من طريق عثمان بن مظعون الطبري (^٤).
قوله: (إن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ … إلخ) أصل الحديث: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم … " الحديث (^٥).
_________________
(١) في المخطوط (ب): (تشق).
(٢) أخرج الطبراني في الكبير (ج ٩ رقم ٨٣٢٠) من طريق عبد الملك بن قدامة الجمحي عن أبيه، وعن عمر بن حسين عن عائشة بنث قدامة بن مظعون عن أبيها، عن أخيه عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله إني رجل تشق عليّ هذه العزبة في المغازي فتأذن لي في الاختصاء فأختصي، قال: "لا ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفرة". وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤) وقال: وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي وثّقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات" اهـ.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج ٦ رقم ٥٥١٩): عن سعيد بن العاص أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله ائذن لي في الاختصاء، فقال له: "يا عثمان إنَّ الله قد أبدَلَنا بالرهبانية الحنيفية السمحة، والتكبير على كل شرفٍ، فإن كنت منا فاصنع كما نصنع". وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٥٢) وقال: وفيه إبراهيم بن زكريا وهو ضعيف. • وأخرج ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٣٩٥) من حديث أبي قلابة الجَرْمي مرسلًا بلفظ: "يا عثمان إنَّ الله لم يبعثني بالرهبانية (مرتين أو ثلاثة) وإنَّ أحبَّ الدين عند الله الحنيفية السمحة". • وأخرجه أحمد في "الزهد" (ص ٢٨٩ و٣١٠) بسند صحيح من رواية عبد العزيز بن مروان بن الحكم مرسلًا. وخلاصة القول: أن الحديث حسن لغيره، والله أعلم.
(٤) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٩/ ١١٠).
(٥) تقدم برقم (٢٦٢٣) من كتابنا هذا.
[ ١٢ / ٢٥ ]
قوله: (لكني أصوم وأفطر … إلخ)، فيه دليلٌ على أن المشروع هو الاقتصاد في الطاعات؛ لأن إتعاب النفس فيها، والتشديد عليها يُفضي إلى ترك الجميع، والدِّيْنُ يُسْر، ولن يشادَّ أحد الدين إلا غلبه (^١)، والشريعة المطهرة مبنية على التيسير وعدم التنفير (^٢).
قوله: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، المراد بالسنة: الطريقة (^٣)، والرغبة: الإعراض.
وأراد ﷺ أن التارك لهديه القويم المائل إلى الرهبانية خارج عن الاتباع إلى الابتداع.
وقد أسلفنا الكلام على مثل هذه العبارة في مواطن من هذا الشرح.
قوله: (فإنَّ خير هذه الأمة أكثرُها نساءً)، قيل: مرادُ ابن عباس بخير هذه الأمة النبي ﷺ.
_________________
(١) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٩): عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الدينَ يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوَةِ والرَّوحة وشيء من الدُّلجة".
(٢) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٦/ ١٧٣٢): عن أبي موسى، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعثَ أحدًا من أصحابه في بعض أمره. قال: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا".
(٣) قال ابن منظور في لسان العرب مادة: سنن: "السُّنَّة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة؛ قال خالد بن عتبة الهذلي: فلا تَجْزَعَنْ من سيرةٍ أنتَ سِرْتَها … فأوَّلُ راضٍ سُنَّةً من يسيرُها وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٥٥]؛ قال الزجاج: سنة الأولين أنَّهم عاينوا العذاب فطلب المشركون أن قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وسَنَنْتُها سَنًا واسْتَنَنْتُها سِرْتُها، وسَنَنْتُ لكم سُنَةً فاتبعوها. وفي الحديث: "من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُهَا، وأجْر من عمل بها بعدَهْ من غَيْرِ أن ينقُصَ من أجورِهِمْ شيءٌ، ومن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً كانت عليه وِزْرُها وَوِزْرُ من عملَ بها من بعدِهِ، من غير أن ينقُصَ من أوزارِهم شيءٌ"، [أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٦٩/ ١٠١٧)]. وإذا أُطلِقَتْ في الشرع فإنما يراد بها ما أَمَر به النبي ﷺ ونهى عنه ونَدَب إليه قولًا وفعلًا مما لم يَنْطق به الكتاب العزيز. ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتابُ والسنةُ - أي القرآن والحديث - " اهـ.
[ ١٢ / ٢٦ ]
كما يدلّ على ذلك ما وقع عند الطبراني (^١) بلفظ: "فإن خيرنا كان أكثرنا نساء"، وعلى هذا فيكون التقيد بهذه الأمة لإخراج مثل سليمان فإنه كان أكثر نساء.
وقيل: أراد ابن عباس أن خير أمة محمد من كان أكثرها نساء من غيره ممن يساويه فيما عدا ذلك من الفضائل.
قال الحافظ (^٢): والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير النبي ﷺ، وبالأمة: أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح إذ لو كان راجحًا ما آثر النبي ﷺ غيره.
قوله: (نهى عن التبتل)، قد استدلّ بهذا النهي، وبقوله في الحديث الأوّل (^٣): "فليتزوّج"، وبقوله (^٤): "فمن رغب عن سنتي"، وبسائر ما في أحاديث الباب من الأوامر ونحوها من قال بوجوب النِّكاح.
قال في الفتح (^٥): وقد قَسَّم العلماءُ الرَّجُلَ في التزويج إلى أقسام؛ التائق إليه القادر على مؤنه الخائف عليه نفسه، فهذا يندب له النِّكاح عند الجميع؛ وزاد الحنابلة (^٦) في رواية أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الإسفراييني (^٧) من الشافعية وصرّح به في صحيحه، ونقله [المصعبي] (^٨) في شرح مختصر الجويني وجهًا وهو قول داود (^٩) وأتباعه، انتهى.
وبه قالت الهادوية (^١٠): مع الخشية على النفس من المعصية.
_________________
(١) في المعجم الكبير (ج ١٢ رقم ١٢٣٩٨): عن ابن عباس قال: "تزوج فإن خيرنا كان أكثرنا نساءً" موقوف ورجاله ثقات.
(٢) في "الفتح (٩/ ١١٤).
(٣) المتقدم برقم (٢٦٢١) من كتابنا هذا.
(٤) في الحديث المتقدم برقم (٢٦٢٣) من كتابنا هذا.
(٥) (٩/ ١١٠).
(٦) المغني (٩/ ٣٤٠ - ٣٤١). وانظر: اختيارات ابن قدامة الفقهية في أشهر المسائل الخلافية (٣/ ١٥ - ١٩) وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (٧/ ١٨ - ١٩).
(٧) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٩/ ١١٠).
(٨) كذا في المخطوط (أ)، (ب) وفي "الفتح" (٩/ ١١٠): "المصِّيصي" وهو الصواب.
(٩) المحلى (٩/ ٤٤٠).
(١٠) البحر الزخار (٣/ ٣).
[ ١٢ / ٢٧ ]
قال ابن حزمٍ (^١): وفرضٌ على كلِّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوَّج به أو يتسرَّى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك فليكثر من الصوم، وهو قول جماعة من السلف، انتهى.
والمشهور عن أحمد (^٢) أنَّه لا يجب على القادر التائق إلا إذا خشي العنت، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هبيرة (^٣).
وقال [المازري (^٤)] (^٥): الذي نطق به مذهب مالك أنَّه مندوبٌ، وقد يجب عندنا في حقّ مَن لا يَنْكَفَّ عن الزنا إلا به.
وقال القرطبي (^٦): المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج عليه.
وحكى ابن دقيق العيد (^٧) الوجوب على من خاف العنت عن المازري (^٨)، وكذلك حكي عنه التحريم على من يخلّ بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه. والكراهة حيث لا يضرُّ بالزوجة مع عدم التَّوقان إليه، وتزداد الكراهة إذا كان ذلك يفضي إلى الإخلال بشيءٍ من الطاعات التي يعتادها والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود من كسر شهوة وإعفاف نفس وتحصين فرج ونحو ذلك، والإباحةُ فيما إذا اتفقت الدواعي والموانع.
وقد ذهبْت الهادوية (^٩) إلى مثل هذا التفصيل، ومن العلماء من جزم بالاستحباب فيمن هذه صفته لما تقدم من الأدلة المقتضية للترغيب في مطلق النِّكاح.
قال القاضي عياض (^١٠): هو مندوب في حقّ كل من يرجى منه النسل ولو
_________________
(١) في المحلى (٩/ ٤٤٠).
(٢) المغني (٩/ ٣٤٠).
(٣) في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (٨/ ٥).
(٤) في المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٨٥).
(٥) في المخطوط (أ): (الماوردي) والمثبت من (ب) والفتح (٩/ ١١٠) وهو الصواب.
(٦) في "المفهم" (٤/ ٨٢).
(٧) في إحكام الأحكام (٤/ ٢٢) ولم يعزه للمازري.
(٨) في المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٨٥).
(٩) البحر الزخار (٣/ ٤).
(١٠) في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٥٢٤).
[ ١٢ / ٢٨ ]
لم يكن له في الوطء شهوة، وكذا في حقّ من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء.
فأما من لا نسل له ولا أرب له في النساء ولا في الاستمتاع، فهذا مباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك ورضيت.
وقد يقال: إنه مندوب أيضًا لعموم: "لا رهبانية في الإسلام" (^١).
قال الحافظ (^٢): لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث [سعد بن أبي وقاص] (^٣) عند الطبراني (^٤): "إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة".