١/ ٢٥٠٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرَة أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذا ماتَ الانْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاثةِ أشيْاءَ: صَدَقَة جَارِيةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفْعُ بِه، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَابْنَ ماجَهْ) (^١). [صحيح]
٢/ ٢٥٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن عُمَرَ أصَابَ أرضًا منْ أرْضِ خَيْبَرَ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله أصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَر لَمْ أُصِبْ مالًا قَطُّ أنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تأمُرُنِي؟ فقالَ ﷺ: "إن شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَها وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ على أنْ لا تُباعَ وَلا تُوهَبَ ولا تُورَثَ، في الفُقَراءِ وَذَوِي القُرْبَى وَالرِّقابِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبيلِ، لا جُناحَ على مَنْ وَليَها أنْ يأكُل مِنْهَا بالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوّلٍ. وفِي لَفْظٍ: غَيْرَ مُتأثِّلٍ مالًا. رَوَاهُ الجَماعَةُ (^٢). [صحيح]
وفي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ: لَيْس على الوَلِي جناح أنْ يأكُلَ ويُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ مُتأثِّلٍ، قالَ: وكانَ ابْنَ عُمَرَ هُوَ يَلي صَدَقَةَ عُمَرَ، ويُهْدِي لِناسٍ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِم. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ (^٣). [صحيح]
_________________
(١) أحمد في المسند (٢/ ٣٧٢) ومسلم رقم (١٤/ ١٦٣١) وأبو داود رقم (٢٨٨٠) والترمذي رقم (١٣٧٦) والنسائي رقم (٣٦٥١). وهو حديث صحيح.
(٢) أحمد في المسند (٢/ ١٢، ١٣) والبخاري رقم (٢٧٣٧) ومسلم رقم (١٥/ ١٦٣٢) وأبو دوود رقم (٢٨٧٨) والترمذي رقم (١٣٧٥) والنسائي رقم (٣٥٩٩) وابن ماجه رقم وهو حديث صحيح.
(٣) في صحيحه رقم (٢٣١٣). =
[ ١١ / ٢٢٠ ]
وفِيهِ منَ الفقْهِ: أن مَنْ وَقَفَ شَيْئًا على صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ وَوَلَدُهُ مِنْهُمْ دَخَلَ فيهِ).
٣/ ٢٥٠٦ - (وَعَنْ عُثمانَ: أن النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وَلَيْس بِها ماءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ، فَقال: "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ فِيها دَلْوَهُ مَعَ دِلاءِ المُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْها فِي الجَنَّةِ؟ " فاشْتَرَيْتُها مِنْ صُلْبِ مالي. رَوَاهُ النَّسائي (^١) والتِّرْمِذِي (^٢) وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. [حسن]
وفِيهِ جَوَازُ انْتِفاعِ الواقِفِ بِوَقْفِهِ العامّ).
حديث عثمان أخرجه [البخاري (^٣) أيضًا] (^٤) تعليقًا.
قوله: (إلا من ثلاثة أشياء) فيه دليل على أن ثواب هذه الثلاثة لا ينقطع بالموت.
قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كاسبها، فإن الولد من كسبه (^٥)، وكذا
_________________
(١) = وهو حديث صحيح.
(٢) في سننه رقم (٣٦٠٨).
(٣) في سننه رقم (٣٧٠٣) وقال: هذا حديث حسن. وهو كما قال. وقد حسنه الألباني في "الإرواء" رقم (١٥٩٤).
(٤) في صحيحه (٥/ ٢٩) تعليقًا بصيغة الجزم.
(٥) في المخطوط (ب): (أيضًا البخاري).
(٦) قال محمد بن إسماعيل الأمير في "سبل السلام" (٥/ ٢٢٧) بتحقيقي: "قالَ العلماءُ: لأنَّ ذلكَ من كسْبهِ، وفيه دليلٌ على أن دعاءَ الولدِ لأبويهِ بعدَ الموتِ يلحقُهما، وكذلكَ غيرُ الدعاءِ منَ الصدقَةِ، وقضاءِ الدَّيْنِ، وغيرهما. واعلم أنه قد زيدَ على هذه الثلاثةِ ما أخرجَهُ ابنُ ماجَهْ - رقم (٢٤٢) وهو حديث حسن - بلفظ: "إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ من عملهِ وحسناتهِ بعد موتِه عِلْمًا علَّمَهُ ونشرَهُ، وولدًا صالحًا تركَهُ، أو مُصحفًا ورَّثَهُ، أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابن السبيلِ بناه، أو نهرًا أجراهُ، أو صدقةً أخرجَها من مالهِ في صحَّتِه وحياته تلحقُه من بعدِ موته". ووردَ خصالٌ أخرى تبلغُها عشرًا، ونظمها الحافظُ السيوطيُّ رحمه الله تعالى، قال: إذا ماتَ ابنُ آدمَ ليسَ يجري … عليه مِنْ فِعالِ غيرُ عشرِ =
[ ١١ / ٢٢١ ]
ما يخلفه من العلم كالتصنيف والتعليم، وكذا الصدقة الجارية وهي الوقف.
وفيه الإرشاد إلى فضيلة الصدقة الجارية والعلم الذي يبقى بعد موت صاحبه والتزوج الذي هو سبب حدوث الأولاد. وهذا الحديث قد قدمنا الكلام عليه وعلى ما ورد موروده في باب وصول ثواب القراءة المهداة إلى الموتى من كتاب الجنائز (^١).
قوله: (أرضًا بخيبر) هي المسماة بِثَمَغ كما في رواية للبخاريِّ (^٢) وأحمد (^٣)، وثَمَغٌ (^٤) بفتح المثلثة والميم، وقيل: بسكون الميم وبعدها غينٌ معجمة.
قوله: (أنفس منه) النفيس (^٥): الجيد. قال الداوودي (^٦): سمي نفيسًا لأنَّه يأخذ بالنفس.
قوله: (وتصدَّقت بها) أي: بمنفعتها، وفي رواية للبخاري: "حبّس أصلها وسبّل ثمرتها"، وفي أخرى له: "تصدَّق بثمره وحبَّس أصله".
قوله: (ولا يورث)، زاد الدارقطني (^٧): "حبيس ما دامت السموات والأرض".
وفي رواية للبيهقي (^٨): "تصدق بثمره وحبس أصله، لا يباع ولا يورث".
قال الحافظ (^٩): وهذا ظاهر أن الشرط من كلام النبي ﷺ، بخلاف بقية الروايات فإن الشرط فيها ظاهر أنه من كلام عمر.
_________________
(١) = علومٌ بثَّها ودعاءُ نَجْلٍ … وغرسُ النخلِ والصدقاتُ تجري وِراثةُ مصحفٍ ورباطُ ثغرٍ … وحَفْرُ البئرِ أو إجراءُ نَهْرِ وبيتٌ للغريب بناهُ يأوي … إليه أو بناءُ محلِّ ذِكْرِ". اهـ.
(٢) الباب التاسع عند الحديث رقم (٢٧/ ١٤٨٧ - ٣١/ ١٤٩١) من كتابنا هذا (٧/ ٤٥٠ - ٤٦٢).
(٣) في صحيحه رقم (٢٧٦٤).
(٤) في المسند (٤/ ١١٢).
(٥) النهاية (١/ ٢١٨ - ٢١٩) والفائق (٢/ ٢٩٥).
(٦) قال صاحب القاموس المحيط (ص ٧٤٥): "النفيس: المال الكثير". وقال الزبيدي في تاج العروس (٩/ ٢٠): "أنفسَ الشيءُ صار نفيسًا، وهذا أنفسُ مالي، أي: أحبُّه وأكرمُه عندي، وقد أنفسَ المالُ أنفاسًا".
(٧) ذكره الحافظ في الفتح (٥/ ٤٠٠).
(٨) في السنن (٤/ ١٩٢ رقم ١٦).
(٩) في السنن الكبرى (٦/ ١٦٠).
(١٠) في "الفتح" (٥/ ٤٠١).
[ ١١ / ٢٢٢ ]
وفي البخاري (^١) بلفظ: "فقال النبي ﷺ: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره"".
وفي البخاري (^٢) أيضًا في المزارعة، قال النبي ﷺ لعمر: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولكن ينفق ثمره فتتصدق به".
فهذا صريح أن الشرط من كلام النبي ﷺ، ولا منافاة؛ لأنَّه يمكن الجمع بأن عمر شرط ذلك الشرط بعد أن أمره النبي ﷺ به، فمن الرواة من رفعه إلى النبي ﷺ، ومنهم من وقفه على عمر لوقوعه منه امتثالًا للأمر الواقع منه ﷺ.
قوله: (وذوي القربى) قال في الفتح (^٣): يحتمل أن يكون هم من ذكر في الخمس ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا جزم القرطبي (^٤).
قوله: (والضيف) هو من نزل بقوم يريد القِرى.
قولهُ: (أن يأكل منها بالمعروف) قيل: المعروف هنا هو ذكر في ولي اليتيم، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب ما يحل لولي اليتيم من كتاب التفليس (^٥).
قال القرطبي (^٦): جرت العادة بأنَّ العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط الواقفُ: أن العاملَ لا يأكل لاستقبح ذلك منه.
والمراد بالمعروف: القدر الذي جرت به العادة.
وقيل: القدر الذي يدفع الشهوة.
وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله والأول أولى كذا في الفتح (^٧).
قوله: (غير متموِّلٍ)، أي: غير متخذ منها مالًا، أي: ملكًا.
قال الحافظ (^٨): والمراد أنه لا يتملّك شيئًا من رقابها.
_________________
(١) في صحيحه رقم (٢٧٣٧).
(٢) في صحيحه (٥/ ١٧ رقم الباب ١٤ - مع الفتح) معلقا.
(٣) (٥/ ٤٠١).
(٤) في "المفهم" (٤/ ٦٠٢).
(٥) الباب السابع عند الحديث رقم (٢٣٢٣) من كتابنا هذا.
(٦) في "المفهم" (٤/ ٦٠٢).
(٧) (٥/ ٤٠١).
(٨) في "الفتح" (٥/ ٤٠١).
[ ١١ / ٢٢٣ ]
قوله: (غير متأثِّلٍ) بمثناة ثم مثلثة بينهما همزة، وهو اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء: أصله.
قوله: (قال في صدقة عمر) أي: في روايته لها عن ابن عمر كما جزم بذلك المزي في الأطراف (^١). ورواهُ الإسماعيلي (^٢) من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر.
قوله: (وكان ابن عمر) هو موصول الإسناد كما في رواية الإسماعيلي (^٣).
قوله: (لناس) بيّن الإسماعيلي أنهم آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص، وإنما كان ابن عمر يهدي منه أخذًا بالشرط المذكور وهو: ويؤكِلُ صديقًا له. ويحتمل أن يكون إنما أطعمهم من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف، فكان يُؤخِّره ليهديَ لأصحابه منه.
قال في الفتح (^٤): وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف. وقد روى أحمد (^٥) عن ابن عمر قال: أول صدقة - أي موقوفة - كانت في الإسلام صدقة عمر.
وروى عمر بن شبة (^٦) عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: "سألنا عن أول حبس في الإسلام، فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله ﷺ، وفي إسناده الواقدي.
وفي مغازي الواقدي (^٧) أن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مُخَيريق بالمعجمة مصغرًا التي أوصى بها إلى النبي ﷺ فوقفها.
_________________
(١) (٦/ ١١٠).
(٢) ذكره الحافظ في "الفتح" (٥/ ٤٠١).
(٣) ذكره الحافظ في "الفتح" (٤/ ٤٩١).
(٤) (٥/ ٤٠٢).
(٥) في المسند (٢/ ١٥٦ - ١٥٧) بسند ضعيف لضعف عبد الله وهو ابن عمر العمري. لكن الحديث صحيح لغيره.
(٦) لم أقف عليه عنده، بل ذكره الحافظ في "الفتح" (٥/ ٤٠٢).
(٧) قال الواقدي في "المغازي" (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣): "وكان مُخَيريق اليهودي من أحبار اليهود، فقال يوم السبت ورسول الله ﷺ بأُحُد: يا معشر اليهود، والله إنكم لتعلمون أنَّ محمدًا نبيٌّ، وأنَّ نَصْرَه عليكم لحَقّ، قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت! ثم أخذ سلاحه ثم حضر مع النبي ﷺ فأصابه القتلُ. فقال رسول الله ﷺ: "مُخَيريق خير يهود". وقد كان مخيريق حين خرج إلى أُحُد قال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله! فهي عامّة صدقات النبي ﷺ ". اهـ.
[ ١١ / ٢٢٤ ]
وقد ذهب إلى جواز الوقف ولزومه جمهور العلماء (^١).
قال الترمذي (^٢): لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافًا في جواز وقف الأرضين. وجاء عن شريح (^٣) أنه أنكر الحبس. وقال أبو حنيفة (^٤): لا يلزم وخالفه جميع أصحابه إلا زفر.
وقد حكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة لقال به.
واحتج الطحاوي (^٥) لأبي حنيفة بأن قوله ﷺ: "حبس أصلها" لا يستلزم التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره.
قال في الفتح (^٦): ولا يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يفهم من قوله: "وقفت وحبست" إلا التأبيد حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها: "حبس ما دامت السموات والأرض".
قال القرطبي (^٧): رادّ الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه (^٨)، انتهى.
ومما يؤيد [هنا] (^٩) ما ذهب إليه الجمهور (^١٠) حديث: "أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله"، وهو متفق عليه (^١١). وقد تقدم في الزكاة (^١٢).
ومن ذلك حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب (^١٣)، فإن قوله: "صدقة جارية" يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع.
ومن ذلك قوله ﷺ: "لا يباع ولا يوهب ولا يورث" ما تقدم (^١٤)، فإن هذا منه ﷺ بيان لماهية التحبيس التي أمر بها عمر، وذلك يستلزم لزوم الوقف وعدم جواز نقضه، وإلا لما كان تحبيسًا، والمفروض أنه تحبيس.
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٨/ ١٨٤ - ١٨٦).
(٢) في السنن (٣/ ٦٦٠).
(٣) أخرجه عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/ ٢٥١ رقم ٩٧٢).
(٤) في المبسوط (١٢/ ٢٧) وبدائع الصنائع (٦/ ٢١٨).
(٥) في شرح معاني الآثار (٤/ ٩٥).
(٦) (٦) (٥/ ٤٠٣).
(٧) في "المفهم" (٤/ ٦٠٠).
(٨) انظر: موسوعة الإجماع (٢/ ١١٣٩ رقم ١).
(٩) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).
(١٠) المغني (٨/ ١٨٥).
(١١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٢٢) والبخاري رقم (١٤٦٨) ومسلم رقم (١١/ ٩٨٣).
(١٢) في الباب الثاني عند الحديث رقم (١٥٦٧) من كتابنا هذا.
(١٣) تقدم برقم (٢٥٠٤) من كتابنا هذا.
(١٤) تقدم برقم (٢٥٠٥) من كتابنا هذا.
[ ١١ / ٢٢٥ ]
ومن ذلك حديث أبي قتادة عند النَّسَائِي (^١) وابن ماجه (^٢) وابن حبان (^٣) مرفوعًا: "خيرُ ما يخلفه الرجل بعدَهُ ثلاثٌ: ولدٌ صالحٌ يدعو لَهُ، وصدقةٌ تجري يبلُغُهُ أجرُهَا، وعِلْمٌ يعمل به من بعدِهِ".
والجري يستلزم عدم جواز النقض من الغير، ومن ذلك وقف أبي طلحة الآتي (^٤) وقولُ رسول الله ﷺ له: "أرى أن تجعلها في الأقربين".
وما روي من حديث أنس عند الجماعة (^٥): "أن حسان باع نصيبه منه"، فمع كونِ فعلِهِ ليس بحجَّةٍ قد رُوي أنه أنكر عليه.
ومن ذلك وقف جماعة من الصحابة منهم عليٌّ، وأبو بكرٍ، والزبيرُ، وسعيدُ، وعمرُو بن العاص، وحكيمُ بن حزام، وأنسُ وزيدُ بن ثابتٍ، روى ذلك كله البيهقي (^٦).
_________________
(١) في "اليوم والليلة" كما في "التحفة" (٩/ ٢٤٨).
(٢) في سننه رقم (٢٤١).
(٣) في صحيحه رقم (٩٣) و(٤٩٠٢). وهو حديث صحيح.
(٤) برقم (٢٥١٠) من كتابنا هذا.
(٥) • تقدم تخريجه وسيأتي برقم (٢٥١٠) من كتابنا هذا. وقد قال الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٨١): "وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في "كتاب المدينة" من مرسل أبي بكر بن حزم زيادة على ما في حديث أنس ولفظه: "أنَّ أبا طلحة تصدّق بماله، وكان موضعه قصر بني حديلة، فدفعه إلى رسول الله ﷺ فردّه على أقاربه أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وثبيط بن جابر وشداد بن أوس، أو ابنه أوس بن ثابت فتقاوموه، فصار لحسان، فباعه من معاوية بمئة ألف فابتنى قصر بني حديلة في موضوعها". ثم قال الحافظ: "وابن زبالة ضعيف، فلا يحتج بما ينفرد به، فكيف إذا خالف". اهـ. ثم قال الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٨٨): "هذا يدل على أن أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة ولم يقفها عليهم إذ لو وقفها ما ساغ لحسان أن يبيعها، فيعكر على من استدل بشيء من قصة أبي طلحة في مسائل الوقف إلا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف. ويحتمل أن يقال شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها. وقد قال بجواز هذا الشرط بعض العلماء كعلي وغيره والله أعلم" اهـ.
(٦) في السنن الكبرى (٦/ ١٦١ - ١٦٢). • وفي "المعرفة" (٩/ ٤٨ رقم ١٢٣١٠) أخرجه عن أنس، أنه وقف دارًا بالمدينة، فكان إذا حج بالمدينة فنزل داره. • وفي "المعرفة" (٩/ ٤٩ رقم ١٢٣١٣) أخرجه عن زيد بن ثابت وابن عمر أنه حبس كل واحد منهما داره، وكان يسكن مسكنًا منها.
[ ١١ / ٢٢٦ ]
ومنه أيضًا وقف عثمان لبئر رومة كما في حديث الباب (^١).
واحتج لأبي حنيفة (^٢) ومن معه بما أخرجه البيهقي في الشعب (^٣) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لما نزلت آية الفرائض: "لا حبس بعد سورة النساء".
ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة ولا يحتج بمثله. ويجاب أيضًا بأن المراد بالحبس المذكور: توقيف المال عن وارثه وعدم إطلاقه إلى يده. وقد أشار إلى مثل ذلك في النهاية (^٤).
وقال في البحر (^٥): أراد حبس الجاهلية للسائبة والوصيلة والحام.
سلَّمنا فليس في آية الميراث منع الوقف لافتراقهما، انتهى.
وأيضًا لو فرض أن المراد بحديث ابن عباس الحبس الشامل للوقف لكونه نكرة في سياق النفي لكان مخصصًا بالأحاديث المذكورة في الباب.
واحتج لهم أيضًا على عدم لزوم حكم الوقف بما رواه الطحاوي (^٦) وابن عبد البر (^٧) عن الزهري: "أن عمر قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها"، وهو يشعر بأن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه، وأن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبي ﷺ، فكره أن يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره.
ويجاب عنه بأنه لا حجة في أقوال الصحابة وأفعالهم إلا إذا وقع الإجماع منهم ولم يقع هاهنا.
وأيضًا هذا الأثر منقطع؛ لأن الزهري لم يدرك عمر.
_________________
(١) تقدم برقم (٢٥٠٦) من كتابنا هذا.
(٢) المبسوط (١٢/ ٢٧). وانظر: "التمهيد" (١٦/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
(٣) لم أقف عليه في الشعب. بل أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٦٢) بسند ضعيف لضعف ابن لهيعة.
(٤) (١/ ٣٢٤).
(٥) البحر الزخار (٤/ ١٤٩).
(٦) في شرح معاني الآثار (٤/ ٩٦).
(٧) التمهيد (١٦/ ٤٥٠). وهو أثر منقطع لأن الزهري لم يدرك عمر.
[ ١١ / ٢٢٧ ]
فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها لا للواقف ولا لغيره.
وقد حكي في البحر (^١) عن محمد وابن أبي ليلى أن الوقف لا ينفذ إلا بعد القبض، وإلا فللواقف الرجوع لأنَّه صدقة ومن شرطها القبض.
ويجاب بأنه بعد التحبيس قد تعذر الرجوع، وإلحاقه بالصدقة إلحاق مع الفارق.
قوله: (من يشتري بئر رومة) بضم الراء وسكون الواو. وفي رواية للبغوي في الصحابة (^٢) من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه: "أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رُوْمَةَ، وكان يبيع منها القربة بمدٍّ، فقال له النبي ﷺ: تبيعنيها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم، قد جعلتها للمسلمين".
وللنسائي (^٣) من طريق الأحنف عن عثمان قال: "اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك"، وزاد أيضًا في رواية (^٤) من هذه الطريق أن عثمان قال ذلك وهو محصور، وصدقه جماعة منهم: علي بن أبي طالب [﵇] (^٥) وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص.
قوله: (فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين)، فيه دليل على أنه يجوز للواقف أن يجعل لنفسه نصيبًا من الوقف (^٦).
ويؤيده جعل عمر لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، وظاهره عدم الفرق بين أن يكون هو الناظر أو غيره.
_________________
(١) البحر الزخار (٤/ ١٤٩).
(٢) "الصحابة"، البغوي، (أبو القاسم، عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ت ٣١٧ هـ) منه قطعة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم (٧٩١) مصورة عن المكتبة العامة بالرباط. [معجم المصنفات (ص ٢٥٩ رقم ٧٧٢)].
(٣) في سننه رقم (٣٦٠٦). وهو حديث صحيح.
(٤) أي: للنسائي رقم (٣٦٠٧). وهو حديث صحيح.
(٥) زيادة من المخطوط (ب).
(٦) المغني (٨/ ١٩١).
[ ١١ / ٢٢٨ ]
قال في الفتح (^١): ويُستنبط منه صحة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى (^٢)، وأبي يوسف (^٣)، وأحمد (^٤) في الأرجح عنه، وقال به ابن شعبان من المالكية (^٥)، وجمهورهم على المنع إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته.
ومن الشافعية ابن سريج وطائفة. وصنف فيه محمد بن عبد الله الأنصاري (^٦) شيخُ البخاريِّ جزءا ضخمًا.
واستدل له بقصة عمر هذه، وبقصة راكب البدنة، وبحديث أنس (^٧) في "أنه ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها".
ووجه الاستدلال به أنه أخرجها عن ملكه بالعتق وردها إليه بالشرط. اهـ.
وقد حكى في البحر (^٨) جواز الوقف على النفس عن العترة وابن شبرمة والزبيري وابن الصباغ.
وعن الشافعي (^٩) ومحمد والناصر أنه لا يصح الوقف على النفس، قالوا:
_________________
(١) (٥/ ٤٠٣).
(٢) حكاه عنه ابن قدامة في المغني (٨/ ١٩١).
(٣) المبسوط (١٢/ ٤١)، وانظر: بدائع الصنائع (٦/ ٢١٩).
(٤) المغني (٨/ ١٩١).
(٥) مواهب الجليل (٧/ ٦٣٦ - ٦٣٧).
(٦) "جزيء الأنصاري" (محمد بن عبد الله بن المثنى، ت ٢١٤). انظر: "تاريخ التراث العربي" (١/ ٢٧٩). [معجم المصنفات (ص ١٥٧ رقم ٣٩٦)].
(٧) وهو حديث صحيح. • أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٨٦) والبخاري رقم (٤٢٠١) وابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١٢٤) والبيهقي (٧/ ٥٨). • وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠٢) والبخاري رقم (٣٧١) ومسلم رقم (٨٤/ ١٣٦٥) ضمن قصة خيبر.
(٨) البحر الزخار (٤/ ١٥٣).
(٩) قال العمراني في البيان (٨/ ٦٦): "إذا وقفَ شيئًا على نَفْسِهِ، ثمَّ على الفقراءِ والمساكين؛ أو على نفسِهِ وأولادِه، ثم على الفقراءِ .. لم يصحّ الوقف على نفسه. وقالَ ابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبُرمةَ، وأبو يوسفَ، وأحمدُ: (يصحُّ). =
[ ١١ / ٢٢٩ ]
لأنَّه تمليك فلا يصح أن يتملكه لنفسه من نفسه كالبيع والهبة، ولقوله ﷺ: "سبِّل الثمرة"، وتسبيل الثمرة: تمليكها للغير.
قال في الفتح (^١): وتعقب بأن امتناع ذلك غير مستحيل، ومنعه تمليكه لنفسه إنما هو لعدم الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة؛ لأنَّ استحقاقه إياه ملكًا غير استحقاقه إياه وقفًا. اهـ.
ويؤيد صحة الوقف على النفس حديث الرجل الذي قال للنبي ﷺ: "عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك"، أخرجه أبو داود (^٢) والنسائي (^٣)، وأيضًا المقصود من الوقف تحصيل القربة وهي حاصلة بالصرف إلى النفس.