٣٣/ ٢٦٥٣ - (عَنْ أمّ سَلَمَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ عنْدَها وفي البَيت مُخَنَّث، فَقالَ لعَبْد الله بْن أبي أميَّةَ أخي أم سَلَمةَ: يا عَبْدَ الله إن فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ في الطَّائفِ فإني أدلُّكَ على ابْنَة غَيْلانَ فإنَّها تُقْبِل بأرْبَع وَتُدْبر بثَمان، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لا يَدْخُلَنَّ هَؤُلاء عَلَيْكُمْ"، مُتّفَق عَلَيْه) (^٤). [صحيح]
٣٤/ ٢٦٥٤ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ يَدْخُل على أزوَاج النَّبِيِّ ﷺ مخَنّثٌ، قالَتْ: وكانُوا يَعُدُّونَه مِنْ غيْر أولي الإرْبَة، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ عَنْدَ بَعْض نِسَائه وَهُوَ يَنْعَتُ امْرأةً، قالَ: إذَا أقْبَلَتْ أَقْبَلتْ بأرْبَع، وَإِذَا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بَثَمَانٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أرَى هَذَا يَعْرفُ ما هَاهُنا لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا"، فَحَجَبُوهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (^٥) ومُسْلمٌ (^٦) وأبو داوُدَ (^٧). [صحيح]
وزَادَ في روَايَة لَهُ (^٨): وأخرجَهُ وكانَ بالبَيْدَاء يَدْخُلُ كلَّ جُمْعَةٍ يَسْتَطْعمُ). [صحيح]
_________________
(١) تقدم برقم (٢٦٥٢) من كتابنا هذا.
(٢) سورة النور، الآية: (٣١).
(٣) عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٤٣ - دار المعرفة).
(٤) أحمد في المسند (٦/ ٢٩٠) والبخاري، رقم (٤٣٢٤) ومسلم رقم (٣٢/ ٢١٨٠).
(٥) في المسند (٦/ ١٥٢).
(٦) في صحيحه رقم (٣٣/ ٢١٨١).
(٧) في سننه رقم (٤١٠٧). وهو حديث صحيح.
(٨) أي: أبو داود في سننه رقم (٤١٠٩) وهو حديث صحيح.
[ ١٢ / ٦٠ ]
وَعَنْ الأوزاعِيِّ في هَذِهِ القصَّة: فَقِيلَ: يا رَسول الله إنَّه إذن يَمُوت مِنَ الجُوع؟ فأذن له أنْ يَدخُلْ في كل جمْعَةٍ مَرَّتَيْن فَيَسأل ثم يَرْجِعَ، رَوَاه أبُو دَاودَ (^١). [صحيح]
قوله: (مخنَّثٌ) بفتح النون وكسرها والفتح المشهور (^٢): وهو الذي يلين في قوله ويتكسر في مشيته ويتثنى فيها كالنساء، وقد يكون خلقة وقد يكون تصنعًا من الفسقة، ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا أرب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبي ﷺ يعددن هذا المخنث من غير أولي الأربة، وكنَّ لا يحجبنه إلى أن ظهر منه ما ظهر من هذا الكلام.
واختلف في اسمه، فقال القاضي (^٣): الأشهر أن اسمه هيت بكسر الهاء ثم تحتية ساكنة ثم فوقيه.
وقيل: صوابه هِنْبُ بالنون والباء الموحدة، قاله ابن درستويه (^٤)، وقال: إن ما سواه تصحيف وإنه الأحمق المعروف.
وقيل: اسمه ماتع بالمثناة فوق: مولى فاختة المخزومية بنت عمرو بن عائذ.
قوله: (تقبل بأربع وتدبر بثمانٍ)، المراد بالأربع هي العكن (^٥) جمع عكنة، وهي الطيّة التي تكون في البطن من كثرة السمن، يقال: تعكّن البطنُ: إذا صار ذلك فيه، ولكل عكنة طرفان، فإذا رآهنّ الرائي من جهه البطن وجدهن أربعًا وإذا رآهن من جهة الظهر وجدهن ثمانيًا.
_________________
(١) في سننه رقم (٤١١٠) وهو حديث صحيح.
(٢) القاموس المحيط (ص ٢١٦) ومشارق الأنوار (١/ ٢٤١) والمفهم (٥/ ٥١٢) وحاشية الوسيط (٥/ ٣٢ - ٣٣).
(٣) انظر: "الفتح" (٨/ ٤٤) و(٩/ ٣٣٤).
(٤) هو عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه، من علماء اللغة، من تصانيفه: "تصحيح الفصيح" و"الكتاب" توفي سنة (٣٤٧ هـ). "بغية الوعاة" للسيوطي (٢/ ٣٦ رقم ١٣٦٩).
(٥) القاموس المحيط (ص ١٥٦٩).
[ ١٢ / ٦١ ]
وقال ابن خبيب (^١) عن مالك: معناه أن أعكانها ينعطف بعضها على بعض، وهي في بطنها أربع طرائق وتبلغ أطرافها إلى خاصرتها، في كل جانب أربع.
قال الحافظ (^٢): وتفسير مالك المذكور تبعه فيه الجمهور.
وحاصله أنَّه وصفها بأنَّها مملوءةُ البدن بحيث يكون لبطنها عُكَن، وذلك لا يكون إلا للسَّمينة من النساء، وجرت عادةُ الرجال في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة.
وقيل: الأربع هي الشُّعبُ التي هي: اليدان والرجلان، والثَّمانِ: الكتفانِ والمتنتانِ والأليتانِ والسَّاقانِ، ولا يخفي ضعفُ ذلك لأن كلَّ امرأةٍ فيها ما ذُكر فلا وجه لجعله من صفات المدح المقصودة في المقام.
قوله: (هؤلاء) إشارة إلى جميع المخنثين.
وروى البيهقي (^٣) أنه كان المخنثون على عهد رسول لله ﷺ ثلاثة: ماتعٌ، وهدمٌ، وهيتٌ.
قوله: (من غير أولي الاربة) الإِرْبَة والإِرْب: الحاجة والشهوة (^٤).
قيل: ويُحتمل أنهم التابعون الذين يتبعون الرَّجل ليصيبوا من طعامه ولا حاجة لهم إلى النساء لكبر أو تخنيث أو عنَّة.
قوله: (أرى هذا … إلخ) بفتح الهمزة والراء.
قال القرطبي (^٥): هذا يدلّ على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئًا من أحوال النساء ولا يخطر له ببال، ويشبه أن التخنيث كان فيه خلقة وطبيعة ولم يعرف منه إلا ذلك، ولهذا كانوا يعدّونه من غير أولي الإربة.
قوله: (وأخرجه)، لفظ البخاري (^٦): "أخرجوهم من بيوتكم، قال: فأخرج فلانًا فلانًا".
ورواه البيهقي (^٧)، وزاد: "وأخرج عمر مخنثًا".
_________________
(١) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٩/ ٣٣٥).
(٢) في "الفتح" (٩/ ٣٣٥).
(٣) في السنن الكبرى (٨/ ٢٢٤).
(٤) النهاية (١/ ٤٩ - المعرفة).
(٥) في "المفهم" (٥/ ٥١٥).
(٦) في صحيحه رقم (٥٨٨٦).
(٧) في السنن الكبرى (٨/ ٢٢٤).
[ ١٢ / ٦٢ ]
وفي رواية (^١): "وأخرج أبو بكر آخر".
قال العلماء: إخراج المخنث ونفيه كان لثلاثة معانٍ:
(أحدها): أنه كان يظنّ أنه من غير أولي الإربة ثم لما وقع منه ذلك الكلام زال الظنّ.
(والثاني): وصفه النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال، وقد نهي أن يصف المرأة زوجها، فكيف إذا وصفها غيره من الرجال لسائرهم؟
(الثالث): أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا يطلع عليه كثير من النساء.
قوله: (فيسأل ثم يرجع)، أي يسأل الناس شيئًا ثم يرجع إلى البادية. والبيداء (^٢) بالمدّ: القفر، وكل صحراء فهي بيداء كأنها تبيد سالكها؛ أي تكاد تهلكه.
وفي ذلك دليل على جواز العقوبة بالإخراج من الوطن لما يخاف من الفساد والفسق، وجواز الإذن بالدخول في بعض الأوقات للحاجة.