١١/ ٢٥٣٠ - (عَنْ أبي زيدٍ الأنْصارِيّ: أنَّ رجُلًا أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتهِ لَيْسَ لَهُ مالٌ غَيْرُهُمْ، فأقْرَعَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً. رَوَاهُ أحْمَدُ (^٢) وأَبُو دَاوُد (^٣) بِمَعْناهُ وَقَالَ فِيه: لَوْ شَهِدْتُهُ قَبْلَ أنْ يُدْفَنَ لمْ يُدْفَنْ فِي مَقابِر المُسْلِمِين). [صحيح لغيره]
١٢/ ٢٥٣١ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أن رَجُلًا أعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعا بهْم رَسُولُ الله ﷺ، فَجَزَّأهُمْ أثلاثًا ثُم أقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأرَقَّ أرْبعَة وَقالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخاريَّ (^٤). [صحيح]
_________________
(١) حكاه عنهما القاضي عبد الوهاب البغدادي في عيون المجالس (٤/ ١٩٤٥) وابن قدامة في المغني (٨/ ٤٠٦).
(٢) في المسند (٥/ ٣٤١) بسند ضعيف لانقطاعه، فإن أبا قلابة - وهو عبد الله بن زيد الجَرمي - لم يسمع من أبي زيد عمرو بن أخطب. قلت: وأخرجه سعيد بن منصور في سننه رقم (٤٠٩) ومن طريقه أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" رقم (٧٤٠).
(٣) في سننه رقم (٣٩٦٠) والنسائي في الكبرى رقم (٤٩٧٣ ط: دار الكتب العلمية) بسند صحيح. وهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.
(٤) أحمد في المسند (٤/ ٤٢٦) ومسلم رقم (٥٦، ٥٧/ ١٦٦٨) وأبو داود رقم (٣٩٥٨) =
[ ١١ / ٢٨٦ ]
وفِي لَفْظٍ: إنَّ رَجُلًا أعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتَّةَ رَجْلَةٍ لَهُ، فَجاءَ وَرَثَتُهُ مِنَ الأعْرَابِ فأخْبَرُوا رَسُولَ الله ﷺ بِمَا صَنَعَ، قالَ: "أوَ فَعَلَ ذلكَ؟ لَوْ عَلِمْنا إنْ شاءَ الله ما صَلَّيْنا عَلَيْه"، فأقْرَعَ بَيْنَهُمْ فأعْتَقَ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً. رَوَاهُ أحْمَدُ (^١). [صحيح]
وَاحْتَجَّ بِعُمُومِهِ مَنْ سَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِ العَطايا وَمُتأخِّرِها؛ لأنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ أعْتَقَهُمْ بكَلمَةٍ أوْ بِكَلِماتٍ).
حديث أبي زيد أخرجه أيضًا النسائي (^٢)، وسكت عنه أبو داود (^٣) والمنذري (^٤)، ورجال إسناده رجال الصحيح.
قوله: (أعتق ستة أعبد عند موته) قال القرطبي (^٥): ظاهره أنه نجز عتقهم من مرضه.
قوله: (فأقرع بينهم) هذا نصٌّ في اعتبار القرعة شرعًا، وهو حجة لمالك والشافعي (^٦) وأحمد (^٧) والجمهور على أبي حنيفة (^٨) حيث يقول: القرعة من القمار وحكم الجاهلية، ويعتق من كل واحد من العبيد ثلثه ويستسعي في باقيه ولا يقرع بينهم، وبمثل ذلك قالت الهادوية (^٩).
_________________
(١) = والترمذي رقم (١٣٦٤) والنسائي رقم (١٩٥٨) وابن ماجه رقم (٢٣٤٥). وهو حديث صحيح.
(٢) في المسند (٤/ ٤٤٦) بسند منقطع، الحسن البصري لم يسمع من عمران بن حصين، كما في المراسيل لابن أبي حاتم رقم (١٢٣) وهو الأصح، وانظر: "جامع التحصيل" (ص ١٩٥). قلت: وأخرجه البزار في مسنده رقم (٣٥٣٠) والطبراني في الكبير (ج ١٨ رقم ٤٠٥) وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٤١٧ - تيمية) من طرق. وهو حديث صحيح، والله أعلم.
(٣) في الكبرى رقم (٤٩٧٣ - العلمية).
(٤) في السنن (٤/ ٢٦٩).
(٥) في المختصر (٥/ ٤١٨).
(٦) في "المفهم" (٤/ ٣٥٦).
(٧) البيان للعمراني (٨/ ١٩٤).
(٨) المغني (١٤/ ٣٨٣).
(٩) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (٢/ ٨٠٦ - ٨٠٩) و"شرح معاني الآثار" للطحاوي (٤/ ٣٨٤).
(١٠) البحر الزخار (٥/ ٣٢٥).
[ ١١ / ٢٨٧ ]
قوله: (فأعتق اثنين وأرق أربعة)، في هذا أيضًا حجة على أبي حنيفة ومن معه حيث يقولون: يعتقون جميعًا.
قال ابن عبد البر (^١): في هذا القول ضروب من الخطأ والاضطراب.
قال ابن رسلان: وفيه ضرر كثير؛ لأن الورثة لا يحصل لهم شيء في الحال أصلًا، وقد لا يحصل من السعاية شيء أو يحصل في الشهر خمسة دراهم أو أقل، وفيه ضرر على العبيد لإلزامهم السعاية من غير اختيارهم.
قوله: (لو شهدته قبل أن يدفن) إلخ، هذا تفسير للقول الشديد الذي أبهم في الرواية الأخرى، وفيه تغليظ شديد وذم متبالغ، وذلك لأن الله سبحانه لم يأذن للمريض بالتصرف إلا في الثلث، فإذا تصرف في أكثر منه كان مخالفًا لحكم الله تعالى ومشابهًا لمن وهب غير ماله.
قوله: (فجزّأهم) بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان مشهورتان: أي قسمهم. وظاهره أنه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم، وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد.
قال ابن رسلان: فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بد من تعديلهم بالقيمة مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة.
قوله: (رَجْلة) بفتح الراء وسكون الجيم جمع رجل (^٢).
قوله: (ما صلينا عليه) هذا أيضًا من تفسيرِ القول الشديد المبهم في الرواية المتقدمة.
والحديثان يدلان على أن تصرفات المريض إنما تنفذ من الثلث ولو كانت منجزةً في الحال ولم تضف إلى ما بعدَ الموت، وقد قدمنا حكايةَ الإجماع على المنع من الوصيَّةِ بأزيدَ من الثلثِ لمن كان له وارث، والتنجيز حال المرض المخوف حكمه حكمُ الوصيَّةِ.
واختلفوا هل يعتبر ثلث التركة حال الوصية أو حال الموت، وهما وجهان
_________________
(١) التمهيد (١٣/ ٣٠٢ - الفاروق)
(٢) القاموس المحيط (ص ١٢٩٧).
[ ١١ / ٢٨٨ ]
للشافعية (^١) أصحهما الثاني، وبه قال أبو حنيفة (^٢) وأحمد (^٣) والهادوية (^٤)، وهو قول علي ﵁ وجماعة من التابعين.
وقال بالأول مالك وأكثر العراقيين والنخعي وعمر بن عبد العزيز، وتمسكوا بأن الوصية عقد، والعقود تعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن يتصدق بثلث ماله اعتبر ذلك حال النذر اتفاقًا.
وأجيب بأن الوصية ليست عقدًا من كل وجده، ولذلك لا يعتبر فيها الفورية ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بأنها يصح الرجوع فيها والنذر يلزم، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصية.
واختلفوا أيضًا هل يحسب الثلث من جميع المال أو يتقيد بما علمه الموصى دون ما خفي عليه أو تجدد له ولم يعلم به، وبالأول قال الجمهور (^٥)، وبالثاني قال مالك.
وحجة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر مقدار المال حال الوصية اتفاقًا، ولو كان عالمًا بجنسه، فلو كان العلم به شرطًا لما جاز ذلك.