٢٧/ ٢٤٢٢ - (عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الحِمْيَرِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أن النبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْها أهلُها أنْ يَعْلِفُوها فَسَيَّبُوها فأخَذَها فأحْياها فَهِيَ لَهُ"، قالَ عُبَيْدُ الله: فَقُلْتُ لَهُ: عَمَّنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ
_________________
(١) في المخطوط (ب): (ومن).
(٢) (١١/ ١١ - ١٢) رقم الكتاب (٧٩).
(٣) تقدم برقم (٢٤٢١)، وتقدم شرح ما اشتمل عليه برقم (١٥٩١) من حديث أبي هريرة، من كتابنا هذا.
[ ١١ / ٦٥ ]
وَاحدٍ مِنْ أصحَابِ النَّبِيّ ﷺ. رَوَاهُ أبوُ دَاوُدَ (^١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ) (^٢) [حسن]
٢٨/ ٢٤٢٣ - (وَعَنِ الشَّعبيِّ يَرْفَعُ الحدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمُهْلَكَةٍ فأحْياها رَجُلٌ فَهِيَ لَمْن أحْياها"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (^٣). [حسن]
الحديث الأول في إسناده عبيد الله بن حميد وقد وثق. وحكى ابن أبي (^٤) حاتم عن يحيى بن معين أنه سئل عنه، فقال: لا أعرفه. يعني لا أعرف تحقيق أمره.
وأما جهالة الصحابة الذين أبهمهم الشعبي فغير قادح في الحديث؛ لأن مجهولهم مقبول على ما هو الحق، وقد حققنا ذلك في رسالة (^٥) مستقلة.
_________________
(١) في سننه رقم (٣٥٢٤).
(٢) في السنن (٣/ ٦٨ رقم ٢٥٩). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٩٨) وأعله بما لا يقدح، فقال: "هذا حديث مختلف في رفعه، وهو عن النبي ﷺ منقطع". وتعقبه ابن التركماني في "الجوهر النقي" بقوله: "قلت: قد قدمنا في "باب فضل المحدث" أن مثل هذا ليس بمنقطع، بل هو موصول، وأن الصحابة كلهم عدول، وقد ذكرنا في ذلك الباب من كلام البيهقي ما يدل على ذلك". اهـ. وأما عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري فقد ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٢/ ٣١١) فقال: "بصري سمع أباه والشعبي، روى عنه حماد بن سلمة، ومنصور بن زاذان، وهشام وأبان العطار وسلمة بن علفمة. سئل يحيى بن معين عنه؟ فقال: لا أعرفه؛ يعني لا أعرف تحقيق أمره". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢/ ١٨٨). قال الألباني في "الإرواء" (٦/ ١٧): "قلت: وأنا أعلم أن ابن حبان متساهل في التوثيق، ولكن رواية أولئك الجماعة الثقات عنه، دون أن يظهر منه ما ينكر عليه لما يجعل القلب يطمئن لحديثه، ولعل هذا هو السبب في عدم إيراد الذهبي إياه في "الميزان"، وعليه فالحديث حسن عندي، ومما يشهد لذلك سكوت أبي داود عنه. والله أعلم". اهـ. وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.
(٣) في سننه رقم (٣٥٢٥). وهو حديث حسن.
(٤) في الجرح والتعديل (٢/ ٢/ ٣١١).
(٥) وهي بعنوان: (القول المقبول في رد خبر المجهول من غير صحابة الرسول ﷺ)، ورقمها (٤٢) من كتاب "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني" بتحقيقي (٤/ ١٦٦٧).
[ ١١ / ٦٦ ]
والشعبي قد لقي جماعة من الصحابة (^١). حكى الذهبي أنه سمع من ثمانية وأربعين من أصحاب رسول الله ﷺ. وحكى منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي أنه قال: "أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: عليّ وطلحة والزبير في الجنة".
والحديث الثاني مع إرساله فيه عبيد الله بن حميد (^٢) المذكور.
قوله: (فسيبوها) وكذلك قوله: "من ترك دابة"، يؤخذ من الإطلاق أنه يجوز لمالك الدابة التسييب في الصحراء إذا عجز عن القيام بها.
وقد ذهبت العترة (^٣) والشافعي (^٤) وأصحابه إلى أنه يجب على مالك الدابة أن يعلفها أو يبيعها أو يسيبها في مرتع، فإن تمرد أجبر.
_________________
(١) انظر: "تهذيب التهذيب" (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥) والجرح والتعديل (٦/ ٣٢٢) والمراسيل.
(٢) انظر الكلام عنه في تخريج الحديث رقم (٢٧/ ٢٤٢٢) من كتابنا هذا.
(٣) البحر الزخار (٤/ ٢٨٢).
(٤) قال العمراني في "البيان": (١١/ ٢٧٢ - ٢٧٣): "ومن ملك بهيمة .. لزمه القيام بعلفها، سواءٌ كانت مما يؤكل، أو مما لا يؤكل - لحديث ابن عمر عند البخاري رقم (٣٣١٨) ومسلم رقم (٢٢٤٢) وغيره - ولأنَّ للبهائم حرمة بنفسها، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان، وقال ﷺ: "في كل كبدٍ حَرَّى أَجرٌ" - وهو جزء من حديث أبي هريرة عند البخاري رقم (٢٣٦٣) ومسلم رقم (٢٤٤٤) - فلو قلنا: لا يجبُ الإنفاقُ عليها .. أسقطنا حُرمتها. فإن كانَ في المصرِ .. لزمَهُ الإنفاق على عَلَفِها. وإن كانَ في الصحراء، فإنْ كانَ فيها مِنَ الكلأ ما يقومُ بكفايتها، فخلَّاها للرعي .. لم يجبْ عليه العلفُ؛ لأنها تجتزئُ بذلك. وقد أومأ الشافعيُّ إلى أن من البهائم من لا تجتزئ بالكلأ، ولا بُدَّ لها من العلفِ. فقال أصحابُنا البغداديونَ: هذا على عادةِ أهلِ مصرَ؛ لأنَّ صحارَيها يقلُّ فيها العلفُ. وقال الخراسانيُّون: إن كانت البهيمةُ مشقوقةَ الشفة العُليا .. فإنها تجتزئ بالرعي عن العلف، وإنّ كانتْ غيرَ مشقوقةِ الشَّفة العُليا .. فلا تجتزئ بالرعي، ولا بُدَّ من علفها. وإن لم يكن بها من الكلأ ما يقومُ بها .. لزمَهُ من العلفِ ما يقومُ بها، فإن لم يعلِفها، فإن كانت ممَّا يؤكل .. جازَ له أن يذبحَها، وله أن يبيعَها، وإن كانت ممَّا لا يؤكلُ .. كانَ لَهُ بيعُها، فإن امتنعَ من ذلك .. أجبرَهُ السلطانُ على علفِها، أو بيعِها، أو ذبحِها إن كانتْ ممّا يؤكلُ، فإن لم يعلِفْها ولا باعَها .. باعَها عليه السلطانُ، أو أكراها وأنفقَ عليها مِن كرائِها". اهـ.
[ ١١ / ٦٧ ]
وقال أبو حنيفة (^١) وأصحابه: بل يؤمر استصلاحًا لا حتمًا كالشجر.
وأجيب بأن ذات الروح تفارق الشجر.
والأولى إذا كانت الدابة مما يؤكل لحمه أن يذبحها مالكها ويطعمها المحتاجين. قال ابن رسلان: وأما الدابة التي عجزت عن الاستعمال لزمنٍ ونحوه فلا يجوز لصاحبها تسييبها بل يجب عليه نفقتها.
قوله: (فأحياها) يعني بسقيها وعلفها وخدمتها، وهو من باب المجاز؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٢).
قوله: (فهي له) أخذ بظاهره أحمد (^٣) والليث والحسن وإسحاق، فقالوا: من ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخدمها إلى أن قويت على المشي والحمل [و] (^٤) الركوب؛ ملكها، إلا أن يكون مالكها تركها لا لرغبة عنها بل ليرجع إليها أو ضلت عنه، وإلى مثل ذلك ذهبت الهادوية (^٥).
وقال مالك (^٦): هي لمالكها الأول، ويغرم ما أنفق عليها الآخذ.
وقال الشافعي (^٧) وغيره: إن ملك صاحبها لم يزل عنها بالعجز، وسبيلها سبيل اللقطة، فإذا جاء ربها وجب على واجدها ردها عليه ولا يضمن ما أنفق عليها لأنه لم يأذن فيه.
قوله: (بمهلكة) بضم الميم وفتح اللام اسم لمكان الإهلاك، وهي قراءة الجمهور (^٨) في قوله تعالى: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (^٩)، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.
_________________
(١) انظر: "البيان" للعمراني (١١/ ٢٧٣).
(٢) سورة المائدة، الآية: (٣٢). انظر: "الدر المصون" (٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨) وإعراب القرآن الكريم وبيانه للدرويش (٢/ ٤٦٢).
(٣) المغني (٨/ ٣٤٧).
(٤) في المخطوط (ب): (على).
(٥) البحر الزخار (٤/ ٣٨٢).
(٦) التهذيب في اختصار المدونة (٤/ ٣٧٧) ومدونة الفقه المالكي وأدلته (٤/ ١٥٦ - ١٥٧).
(٧) البيان للعمراني (٧/ ٥٣٩ - ٥٤٠).
(٨) معجم القراءات (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٩) سورة النمل، الآية: (٤٩).
[ ١١ / ٦٨ ]