٥/ ٢٥٤٢ - (عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "ألْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأهْلِها،
_________________
(١) في غريب الحديث (٨/ ١٢).
(٢) القاموس المحيط (ص ٨٣٨).
(٣) في "المشكل" (٤/ ٣٣١ - ٣٣٢ - مع الوسيط).
(٤) ذكره الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١٧٢).
[ ١١ / ٣١٨ ]
فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (^١). [صحيح]
قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) الفرائض: الأنصباء المقدَّرة، وأهلها: المستحقُّون لها بالنصِّ.
قوله: (فما بقي)، أي: ما فضل بعد إعطاء ذوي الفروض المقدَّرة فروضهم.
قوله: (لأولى) أفعل تفضيل من الولي بمعنى القرب، أي: لأقرب رجل من الميت.
قال الخطابي (^٢): المعنى: أقرب رجل من العصبة.
وقال ابن بطال (^٣): المراد: إنَّ الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم مَن هو أقرب إلى الميت استحقَّ دون من هو أبعد، فإن استووا اشتركوا.
وقال ابن التين (^٤): المراد به: العمُّ مع العمَّة، وابنُ الأخ مع بنت الأخ، وابن العمِّ مع بنت العمِّ، فإن الذكور يرثون دون الإناث، وخرج من ذلك الأخ مع الأخت لأبوين أو لأب فإنهم يشتركون بنص قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٥).
وكذلك الإخوة لأم فإنهم يشتركون هم والأخوات لأم لقوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (^٦).
قوله: (رجل ذكر) هكذا في جميع الروايات، ووقع عند صاحب النهاية (^٧)
_________________
(١) أحمد في المسند (١/ ٣٢٥) والبخاري رقم (٦٧٣٢) ومسلم رقم (٢/ ١٦١٥). قلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٦٨) والبيهقي (٦/ ٢٣٨) بلفظ الكتاب. وأخرجه أحمد (١/ ٣١٣) وأبو داود رقم (٢٨٩٨) وابن ماجه رقم (٢٧٤٠) ومسلم رقم (٤/ ١٦١٥) بلفظ: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما أبقتِ الفرائض فلأوْلَى رجل ذكر".
(٢) في معالم السنن (٣/ ٣١٩).
(٣) في شرحه لصحيح البخاري (٨/ ٣٤٧).
(٤) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (١٢/ ١١).
(٥) سورة النساء، الآية: (١٧٦).
(٦) سورة النساء، الآية: (١٢).
(٧) ذكره الحافظ في "الفتح" (١٢/ ١٢) وقال: ووقع في كتب الفقهاء كصاحب النهاية، وتلميذه الغزالي.
[ ١١ / ٣١٩ ]
والغزالي (^١) وغيرهما من أهل الفقه: "فلأولى عصبة ذكر".
واعترض ذلك ابن الجوزي (^٢) والمنذري (^٣) بأن لفظة العصبة ليست محفوظة.
وقال ابنُ الصلاح (^٤): فيها بُعْد عن الصِّحَّة من حيث اللغة فضلًا عن الرواية؛ لأنَّ العصبة في اللغة اسم للجمع لا للواحد.
وتعقَّب ذلك الحافظ (^٥) فقال: إن العصبة اسم جنس يقع على الواحد وأكثر، ووصفُ الرجلِ بأن ذكرٌ زيادةٌ في البيان.
وقال ابن التين (^٦): إنَّه للتوكيد.
وتعقَّبه القرطبي (^٧) بأن العرب تعتبر حصول فائدة في التأكيد ولا فائدة هنا، ويؤيد ذلك ما صرّح به أئمة المعاني من أنَّ التأكيد لا بدَّ له من فائدة، وهي: إمَّا دفع توهم التجوُّز، أو السهو، أو عدم الشمول.
وقيل: إن الرجل قد يطلق على مجرد النجدة والقوَّة في الأمر، فيحتاج إلى ذِكْرِ ذَكَرٍ.
وقيل: قد يراد برجل معنى الشخص، فيعمُّ الذكر والأنثى.
وقال ابن العربي (^٨): فائدته هي أنَّ الإحاطة بالميراث جميعه إنما تكون للذكر لا للأنثى.
وأمَّا البنت المفردة فأخذها للمال جميعه بسببين: الفرض، والردُّ.
وقيل: احترز به عن الخنثى.
وقيل: إنَّه قد يطلق الرجل على الأنثى تغليبًا كما في حديث: "من وجد متاعه عند رجل" (^٩)، وحديث: "أيما رجل ترك مالًا" (^١٠).
_________________
(١) في الوسيط (٤/ ٣٤٦).
(٢) في "التحقيق" (٨/ ٢٣٦).
(٣) ذكره الحافظ في "الفتح (١٢/ ١٢) عنه.
(٤) في المشكل (٤/ ٣٤٦ - مع الوسيط).
(٥) في "الفتح" (١٢/ ١٢).
(٦) حكاه عنه الحافظ في "الفتح (١٢/ ١٢).
(٧) في "المفهم" (٤/ ٥٦٦).
(٨) في عارضة الأحوذي (٨/ ٢٤٦).
(٩) أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٧) ومسلم رقم (٢٢/ ١٥٥٩).
(١٠) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٤٧٨١).
[ ١١ / ٣٢٠ ]
قال السهيلي (^١): إن ذكر صفةٌ لقوله: "أولى" لا لقوله: "رجل"، وأطال الكلام في تقوية ذلك وتضعيف ما عداه، وتبعه الكرماني (^٢).
وقيل غير ذلك.
والحديث يدل على أن الباقي بعد استيفاء أهل الفروض المقدرة لفروضهم يكون لأقرب العصبات من الرجال ولا يشاركه من هو أبعد منه.
وقد حكى النووي (^٣) الإجماع على ذلك.
وقد استدل به ابن عباس ومن وافقه على أن الميت إذا ترك بنتًا وأختًا وأخًا يكون للبنت النصف والباقي للأخ ولا شيء للأخت.
٦/ ٢٥٤٣ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: جاءَتِ امْرأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبيع إلى رَسُولِ الله ﷺ بابْنَتَيْها مِنْ سَعْدٍ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله، هاتانِ ابْنَتا سَعْدِ بْنِ الرَّبيعِ قُتِلَ أبُوهُمَا مَعَكَ فِي أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مَالهُما فَلَمْ يَدَع لهُما مالا، وَلَا يُنْكَحانِ إلَّا بِمَالٍ، فقالَ: "يَقْضِي الله فِي ذلكَ"، فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ، فأرْسَل رَسُولُ الله ﷺ إلى عَمِّهِما فَقالَ: "أعْطِ ابْنَتي سَعْدٍ الثلُثَيْنِ وأمّهُما الثُّمُنَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا النَّسائيَّ) (^٤). [حسن]
الحديث حسنه الترمذي (^٥) وأخرجه أيضًا الحاكم (^٦)، وفي إسناده عبد الله بن
_________________
(١) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (١٢/ ١٢).
(٢) في شرحه لصحيح البخاري (٢٣/ ١٦٠).
(٣) في شرحه لصحيح مسلم (١١/ ٥٣).
(٤) أحمد في المسند (٣/ ٣٥٢) وأبو داود رقم (٢٨٩٢) والترمذي رقم (٢٠٩٢) وقال: صحيح، وابن ماجه رقم (٢٧٢٠). قلت: وأخرجه أبو يعلى رقم (٢٠٣٩) والدارقطني (٤/ ٧٨، ٧٩) والبيهقي (٦/ ٢١٦، ٢٢٩) وابن سعد (٣/ ٥٢٤) والطحاوي (٤/ ٣٩٥) والحاكم (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤) من طرق. وهو حديث حسن، والله أعلم.
(٥) في السنن (٤/ ٤١٥).
(٦) في المستدرك (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤) وقد تقدم.
[ ١١ / ٣٢١ ]
محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي (^١) ولا يعرف إلا من حديثه كما قال الترمذي، وقد اختلف الأئمة فيه.
قال الترمذي (^٢): هو صدوق، سمعت محمدًا يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه.
وروى هذا الحديث أبو داود (^٣) بلفظ: فقالت: "يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد"، قال أبو داود (^٤): أخطأ فيه بشر، وهما بنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة.
قوله: (ولا ينكحان إلا بمال) يعني أن الأزواج لا يرغبون في نكاحهن إلا إذا كان معهن مال، وكان ذلك معروفًا في العرب.
قوله: (فنزلت آية الميراث)، أي: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ الآية (^٥).
الحديث فيه دليل على أن للبنتين الثلثين، وإليه ذهب الأكثر.
وقال ابن عباس: بل للثلاث فصاعدًا لقوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَينِ﴾.
وحديث الباب نص في محل النزاع، ويؤيده أن الله سبحانه جعل للأختين الثلثين والبنتان أقرب إلى الميت منهما (^٦).
_________________
(١) قال أبو حاتم: لين الحديث ليس بالقوي، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وقال الذهبي: حديثه في مرتبة الحسن يقال: تغير بأخرة. [انظر: الجرح التعديل (٢/ ٢/ ١٥٣) والميزان (٢/ ٤٨٥)].
(٢) قال الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ٨١): "سألت محمدًا - يعني البخاري - عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: رأيت أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديثه، وهو مقارب الحديث". اهـ.
(٣) في سننه رقم (٢٨٩١). وهو حديث حسن، لكن ذكر ثابت بن قيس فيه خطأ، والمحفوظ أنه سعد بن الربيع كما في الرواية الآتية رقم (٢٨٩٢).
(٤) في السنن (٣/ ٣٠٦).
(٥) سورة النساء، الآية: (١١).
(٦) انظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢).
[ ١١ / ٣٢٢ ]
٧/ ٢٥٤٤ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابَتٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ زَوْجٍ وأُخْتٍ لأبَوَيْن، فأعْطَى الزَّوْجَ النِّصْفَ وَالأختَ النِّصْفَ، وَقالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ[قَضَى] (^١) بِذَلِكَ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (^٢). [إسناده ضعيف منقطع]
٨/ ٢٥٤٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "ما مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا أنا أوْلى بِهِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٣) فأيُّمَا مُؤْمِنٍ ماتَ وَتَرَكَ مالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضياعًا فَلْيأْتِني فأنَا مَوْلاهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (^٤). [صحيح]
الحديث الأول في إسناده أبو بكر بن أبي مريم (^٥) وقد اختلط، وبقية رجاله رجال الصحيح (^٦).
وفيه دليل على أن الزوج يستحق النصف، والأخت النصف من مال الميت الذي لم يترك غيرهما، وذلك مصرح به في القرآن الكريم.
أما الزوج فقال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (^٧) الآية.
وأما الأخت فقال الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (^٨).
_________________
(١) في المخطوط (ب): (فقضى) والمثبت من (أ) والمسند.
(٢) في المسند (٥/ ١٨٨) بسند ضعيف منقطع. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٢٨) وقال: فيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات". قلت: وفيه انقطاع، فإن مكحول، وعطية بن قيس الكلابي، وضمرة بن حبيب، وراشد بن سعد المقرائي، لم يسمع واحد منهم من زيد بن ثابت. كما قال الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (٤/ ٦٥٦). قلت: إلا أن الفتوى في هذه المسألة صحيحة. والله أعلم.
(٣) سورة الأحزاب، الآية: (٦).
(٤) أحمد في المسند (٢/ ٣١٨) والبخاري رقم (٤٧٨١) ومسلم رقم (١٥، ١٦/ ١٦١٩).
(٥) تجاوز الناسخ الورقة (٧١) خطأ، فأصبحت (٧٢) في المخطوط فليعلم. والكلام متتابع.
(٦) وفيه انقطاع، فإن مكحول، وعطية، وضمرة وراشد، لم يسمع واحد منهم من زيد كما تقدم آنفًا.
(٧) سورة النساء، الآية: (١٢).
(٨) سورة النساء، الآية: (١٧٦).
[ ١١ / ٣٢٣ ]
قوله: (فليرثه عصبته)، في لفظٍ للبخاري (^١): "فلورثته"، وفي رواية لمسلم (^٢): "فهو لورثته"، وفي لفظ له (^٣): "فإلى العصبة".
قوله: (ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا) الضَّيَاع بفتح المعجمة بعدها تحتانية، قال الخطابي (^٤): هو وصفٌ لَمِنْ خلَّفه الميت بلفظ المصدر؛ أي: ترك ذوي ضَياعٍ؛ أي: لا شيء لهم.
قوله: (فليأتني) في لفظ آخر: "فعليَّ وإليَّ".
وقد اختلف: هل كان رسول الله ﷺ يقضي دين المديونين من مال المصالح، أو من خالص مال نفسه؟.
وقد تقدم في كتاب الحوالة حديث جابر (^٥) بلفظ: "فلما فتح الله على رسوله"، وفي لفظ: "فلما فتح الله عليه الفتوح".
وفي ذلك إشعارٌ بأنه كان يقضي من مال المصالح.
واختلفوا هل كان القضاء واجبًا عليه ﷺ أم لا؟ وقد تقدَّم بقية الكلام على الحديث في كتاب الحوالة.