٤/ ٢٥٠٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قالَ عُمَرُ للنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ المِائَةَ السَّهْمَ الَّتِي لِي
_________________
(١) = قال ابنُ الصباغ: وإليه ذهبَ أبو العبَّاسِ، وأبو عبدِ اللهِ الزبيري من أصحابنا؛ لِما روىَ: أن عمرَ ﵁ لما وقفَ قال: "لا بأسَ على مَنْ وليَها أن ياكلَ منها غيرَ متأثِّلٍ مالًا". فجعلَ لمن يليها أنْ يأكلَ منها. وقد يليَها الواقفُ وغيرُهُ. وقد كانت بيدِهِ إلى أن مات. ورويَ: أن عثمانَ ﵁ لمَّا وقفَ بئرَ رومةَ قال: "دلوي منها كدلاء المسلمين" - صحيح تقدم برقم (٢٥٠٦) من كتابنا هذا - ولأنَّ الوقفَ وقفانِ: وقفٌ خاصٌّ، ووقِفٌ عامٌّ. ثمَّ ثبتَ: أن الوقفَ العامَ له فيهِ حظٌّ، وهو: إذا وقفَ مسجدًا أو سِقايةً .. فإنَّ لَه أَنْ يصلِّيَ في المسجدِ، ويشربَ من السقايةِ، فكذلكَ في الوقفِ الخاصِّ. ودليلُنا: أنَّ الوقفَ تمليكٌ للرقَبةِ والمنفعةِ، فلا يجوزُ أنْ يُملِّكَ نفسَهُ مِنْ نفسِهِ، كما لا يجوزُ ذلك في البيعِ والهبة. وأمَّا حديثُ عمر: فمحمولٌ على أنَّه شرطَ ذلكَ لغيرِهِ. وأمَّا حديثُ عثمان: فلأن ذلكَ وقفٌ عامٌّ، وهو يدخلُ في العامّ من غيرِ شرط. إذا ثبت هذا، وأنَّ وقفَهُ على نفسِهِ لا يصحُّ: فإنَّه يكونُ وَقفًا منقطعَ الابتداءِ متّصلَ الانتهاءِ، على ما يأتي بيانُهُ". اهـ.
(٢) (٥/ ٤٠٤).
(٣) في سننه رقم (١٦٩١).
(٤) في سننه رقم (٢٥٣٥). كلاهما من حديث أبي هريرة، وهو حديث حسن.
[ ١١ / ٢٣٠ ]
بِخَيْبَر لَمْ أُصِبْ مالًا أعْجَبَ قَطُّ إليَّ مِنْها قَدْ أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِها، فَقالَ النَّبيّ ﷺ: "احْبِسْ أصْلَها وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا"، رَوَاهُ النَّسائيُّ (^١) وَابْنُ ماجَهْ) (^٢). [صحيح]
٥/ ٢٥٠٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ: "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ الله إيمَانًا وَاحْتِسابًا فإنَّ شِبَعَهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَناتٌ"، رَوَاهُ أحْمَدَ (^٣) وَالبُخارِي) (^٤). [صحيح]
٦/ ٢٥٠٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: أرَادَ رَسُولُ الله ﷺ الحَجَّ، فَقالَتِ امْرأةٌ لِزَوْجِها: أَحِجَّني مَعَ رَسُولِ الله ﷺ، فَقَالَ: ما عِنْدِي ما أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، قالَتْ: أحِجَّني
_________________
(١) في سننه رقم (٣٦٠٤).
(٢) في سننه رقم (٢٣٩٧). قلت: وأخرجه الشافعي في "بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن" (٢/ ١٢٧ رقم ١٣٧٩) والبيهقي (٦/ ١٦٢) من طرق عن سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. قال الألباني في "الإرواء" (٦/ ٣١): "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين". وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٥٦ - ١٥٧) من طريق عبد الله عن نافع به مختصرًا بلفظ: "أول صدقة كانت في الإسلام صدقة عمر، فقال له رسول الله ﷺ: "احبس أصولها، وسبِّل ثمرتها". وعبد الله هو المكبر أخو عبيد الله الذي في الطريق الأولى. والمكبر: ضعيف، والمصغر: ثقة". اهـ. وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(٣) في المسند (٢/ ٣٧٤).
(٤) في صحيحه رقم (٢٨٥٣). قلت: وأخرجه البغوي في "شرح السنة" رقم (٢٦٤٨) وفي "التفسير" (٢/ ٢٥٩) عن علي بن حفص. وابن حبان رقم (٤٦٧٣) والبيهقي في الشعب رقم (٤٣٠٣) من طريق حبان بن موسى. وفي السنن الكبرى (١٠/ ١٦) من طريق عبدان. ثلاثتهم عن ابن المبارك، عن طلحة بن أبي سعيد، سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "من احتب فرسًا … " الحديث. وأخرجه النَّسَائِي (٦/ ٢٢٥) وأبو يعلى رقم (٦٥٦٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٢٧٤) والحاكم (٢/ ٩٢) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٦) من طريق ابن وهب، عن طلحة بن أبي سعيد، به. وهو حديث صحيح.
[ ١١ / ٢٣١ ]
عَلَى جَمَلِكَ فُلانٍ، قالَ: ذلكَ حَبِيسٌ فِي سبيل الله، فأتى رَسُولَ الله ﷺ، فسأله: فَقَالَ: "أمَا إنَّكَ لَوْ أحْجَجْتَها عَلَيْهِ كانَ فِي سَبيلِ الله" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (^١). [صحيح].
وَقَدْ صَحَّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ فِي حَقّ خالِدٍ: "قَدِ احْتَبَس أدْرَاعَهُ وأعْتادَهُ فِي سَبِيلِ الله") (^٢). [صحيح]
حديث ابن عمر أخرجه أيضًا الشافعي (^٣) ورجال إسناده ثقات، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة (^٤) كما تقدم، وله طرق عند الشيخين.
وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (^٥)، وأخرجه أيضًا البخاري (^٦) والنسائي (^٧) مختصرًا، وسكت عنه أبو داود (^٨) والمنذري (^٩) ورجال إسناده ثقات.
_________________
(١) في سننه رقم (١٩٩٠). قلت: وأخرجه الحاكم (١/ ١٨٣ - ١٨٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٦٤)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: عامر ضعفه غير واحد، وبعضهم قواه، ولم يحتج به البخاري". وقال الحافظ في "التقريب" رقم (٣١٠٣): صدوق يخطئ. وقال المحرران: بل: صدوق حسن الحديث، فقد وثقه أبو حاتم، وناهيك به من متشدد، وأخرج له مسلم في صحيحه، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال ابن عدي: لا أرى برواياته بأسًا. وذكره ابن حبان وابن شاهين في "الثقات"، وضعفه أحمد، وقال النَّسَائِي: "ليس بالقوي". وللحديث شواهد يرقى بها الحديث إلى درجة الصحة. انظر بعضها في: إرواء الغليل رقم (٨٦٩).
(٢) وهو حديث صحيح. أخرجه البخاري رقم (١٤٦٨) ومعلقًا (٣/ ٣١١)، (٦/ ٩٩) ومسلم رقم (١١/ ٩٨٣) وأبو داود رقم (١٦٢٣) والنسائي رقم (٢٤٦٤) وأحمد (٢/ ٣٢٢) من حديث أبي هريرة.
(٣) في بدائع المنن (٢/ ١٢٧ رقم ١٣٧٩) وقد تقدم.
(٤) أحمد في المسند (٢/ ١١ - ١٢) والبخاري رقم (٢٧٣٧) ومسلم رقم (١٥/ ١٦٣٢).
(٥) ابن خزيمة في صحيحه رقم (٣٠٧٧).
(٦) في صحيحه رقم (١٨٦٣).
(٧) في سننه رقم (٢١١٠). وهو حديث صحيح.
(٨) في السنن (٢/ ٥٠٥).
(٩) في "المختصر" (٢/ ٤٢٢).
[ ١١ / ٢٣٢ ]
وقد تقدم نحوَه من حديث أم معقل الأسدية (^١) في باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل من كتاب الزكاة.
وحديث تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده قد تقدم (^٢) أيضًا في باب ما جاء في تعجيل الزكاة من كتاب الزكاة.
قوله: (إن المائة السهم) إلخ، استدل المصنف بهذا الحديث على صحة وقف المشاع.
وقد حكى صحة ذلك في البحر (^٣) عن الهادي والقاسم والناصر والشافعي (^٤) وأبي يوسف (^٥) ومالك (^٦).
واحتج لهم بأن عمر وقف مائة سهم بخيبر ولم تكن مقسومة.
وحكى في البحر (^٧) أيضًا عن الإمام يحيى، ومحمد (^٨): أنه لا يصح وقف المشاع لأن من شرطه التعيين.
وحكى (^٩) أيضًا عن المؤيد بالله أنه يصح فيما قسمته مهايأة لا في غيره لتأديته إلى منع القسمة أو بيع الوقف.
وعن أبي طالب (^١٠) يصحُّ فيما قسمته إفرازٌ كالأرض المستوية وإلا فلا.
وأوضح ما احتجَّ به من منع من وقف المشاع أن كلَّ جزءٍ من المشترك محكوم عليه بالمملوكية للشريكين، فيلزم مع وقف أحد الشريكين أن يحكم عليه بحكمين مختلفين متضادين مثل صحة البيع بالنسبة إلى كونه مملوكا، وعدم الصحة بالنسبة إلى كونه موقوفا فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها، ويتَّصف بذلك الجملة.
_________________
(١) تقدم برقم (١٦٠٧) من كتابنا هذا.
(٢) تقدم برقم (١٥٦٧) من كتابنا هذا.
(٣) البحر الزخار (٤/ ١٥١).
(٤) البيان للعمراني (٨/ ٦٣).
(٥) المبسوط (١٢/ ٣٧).
(٦) مدونة الفقه المالكي وأدلته (٤/ ٢٢٢).
(٧) البحر الزخار (٤/ ١٥١).
(٨) أي: محمد بن الحسن الشيباني وحكاه عنه أيضًا العمراني في البيان (٨/ ٦٣).
(٩) أي: المهدي في البحر الزخار (٤/ ١٥١).
(١٠) البحر الزخار (٤/ ١٥١).
[ ١١ / ٢٣٣ ]
وأجاب صاحب المنار (^١) عن هذا بأنه نظير العتق المشاع، وقد صح ذلك هناك كحديث الستة الأعبد (^٢) كما صح هنا، وإذا صح من جهة الشارع بطل هذا الاستدلال.
وقد استدل البخاري (^٣) على صحة وقف المشاع بحديث أنس في قصة بناء المسجد، وأن النبي ﷺ قال: "ثامنوني حائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ﷿".
وهذا ظاهر في جواز وقف المشاع، ولو كان غير جائز لأنكر عليهم النبي ﷺ قولهم هذا وبيَّن لهم الحكم.
وحكى ابن المنيِّر (^٤) عن مالك أنَّه لا يجوزُ وقفُ المشاع إذا كان الواقف واحدًا لأنَّه يدخل الضرر على شريكه.
_________________
(١) المقبلي في "المنار" (٢/ ١٤٦).
(٢) • أخرج أحمد في المسند (٥/ ٣٤١) وسعيد بن منصور في سننه رقم (٤٠٩) والطحاوي في شرح المشكل رقم (٧٤٠) بسند ضعيف لكن الحديث صحيح لغيره. عن أبي زيد الأنصاري: "أن رجلًا أعتقَ ستةَ أعبُدٍ عند موتِهِ ليس له مالٌ غيرُهم، فأقرع بينهم رسول الله ﷺ فأعتقَ اثنين، وأرقَّ أربعة". • وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٢٦) والطيالسي رقم (٨٤٥) ومسلم رقم (٥٧/ ١٦٦٨) وأبو داود رقم (٣٩٥٨) والترمذي رقم (١٣٦٤) والنسائي في الكبرى رقم (٤٩٧٤) ط: دار الكتب العلمية والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" رقم (٧٤٣) وابن حبان رقم (٤٥٤٢) والطبراني (ج ١٨ رقم ٤٣١ و٤٥٧ و٤٥٨) والدارقطني (٤/ ٢٣٤) والبيهقي (١٠/ ٢٨٥) وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٤١٨ - ٤١٩) ط: ابن تيمية؛ من طرق. وهو حديث صحيح. عن عمران بن حُصين: "أنَّ رجلا أعتقَ ستةَ مملوكينَ له عند موتهِ، لم يكن له مالٌ غيرُهم، فدعا بهم رسولُ الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرعَ بينَهم، فأعتقَ اثنين، وأرقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا".
(٣) في صحيحه رقم (٤٢٨) ومسلم رقم (٥٢٤) من حديث أنس.
(٤) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٩٩). وقال الحافظ متعقبًا على ابن المنير: "في هذا نظر؛ لأن الذي يظهر أن البخاري أراد الرد على من ينكر وقف المشاع مطلقًا، وقد تقدم قبل أبواب أنه ترجم: "إذا تصدق أو وقف بعض ماله فهو جائز" (٥/ ٣٨٦ رقم الباب ١٦ - مع الفتح) وهو وقف الواحد المشاع، وقد تقدم البحث فيه هناك". اهـ.
[ ١١ / ٢٣٤ ]
قوله: (من احتبس فرسًا) إلخ، فيه دليل على أنه يجوز وقف الحيوان، وإليه ذهب العترة (^١) والشافعي (^٢) والجمهور (^٣).
وقال أبو حنيفة (^٤): لا يصح لعدم دوامه.
وقال محمد: لا يصح في الخيل فقط إذ هي معروضة للتلف. وحديث الباب يرد عليهما.
ويؤيد الصحة حديث عمر بن الخطاب المتقدم (^٥) في باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به من كتاب الزكاة، فإن فيه أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، واطلع النبي ﷺ على ذلك وقرره ونهاه عن شرائه برخص، وقد ترجم عليه البخاري (^٦) في كتاب الوقف: باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت.
ومن أدلة الصحة حديث ابن عباس (^٧) المذكور.
وحديث تحبيس خالد يدل على جواز وقف المنقولات (^٨)، وقد تقدم الكلام عليه.