٤٩/ ٢٥٨٦ - (عَنْ أبي بَكْرٍ الصّدّيِق عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ") (^٦). [صحيح]
٥٠/ ٢٥٨٧ - (وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ لِعُثْمانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ وَعليّ وَالعَبَّاسِ: أُنْشِدُكُمْ [الله] (^٧) الَّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّماء وَالأرْضُ أتَعْلمُونَ
_________________
(١) أي البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٢٠).
(٢) في السنن الكبرى (٦/ ٢٢٠).
(٣) في المخطوط (ب): (عمر وبن عباس).
(٤) تقدم برقم (٢٥٨٤) من كتابنا هذا.
(٥) تقدم برقم (٢٥٨٥) من كتابنا هذا.
(٦) أحمد في المسند (١/ ٤٠، ١٠) والبخاري رقم (٦٧٢٦) ومسلم رقم (٥٤/ ١٧٥٩).
(٧) في المخطوط (أ): (بالله).
[ ١١ / ٣٨٦ ]
أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ؟ "، قالُوا: نَعَمْ) (^١). [صحيح]
٥١/ ٢٥٨٨ - (وَعَنْ عائِشَةَ: أن أزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِين تُوُفّيَ أرَدْنَ أنْ يَبْعَثْنَ عُثْمانَ إلى أبي بَكْرٍ يَسألْنَهُ مِيْرَاثَهُنَّ، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَيْسَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ" (^٢). [صحيح]
٥٢/ ٢٥٨٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَة قَالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ: "لا تَقْتَسِمُ وَرَثَتي دِينَارًا، ما تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَة نِسَائِي وَمَئُونَة عامِلي فَهُوَ صَدَقَةٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (^٣).
وفي لَفْظٍ لأحْمَدَ (^٤): "لا يَقْتَسِمُ وَرَثَتي دِينارًا وَلا درْهمًا"). [صحيح]
٥٣/ ٢٥٩٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أن فاطِمَةَ ﵂ قالَتْ لأبي بَكْرٍ: مَنْ يَرِثُكَ إذَا مُتَّ؟ قالَ: وَلَدِي وأهْلِي، قالَتْ: فَمَا لنَا لا نَرِثُ النَّبِيَّ ﷺ؟ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ النَّبِيَّ لا يُورَثُ"، ولَكِنْ أعُولُ مَنْ كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعُولُ، وأُنْفِقُ على مَنْ كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُنْفِقُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (^٥) والتَّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (^٦). [صحيح]
قوله: (لا نورث) بالنون، وهو الذي توارد عليه أهلُ الحديث في القديم والحديث، كما قال الحافظ في الفتح (^٧): و(ما تركناه) في موضع الرفع بالابتداء (وصدقةٌ) خبره.
وقد زعم بعض الرافضة (^٨) أن لا نورث بالياء التحتانية، و(صدقة) بالنصب
_________________
(١) أحمد في المسند (١/ ٢٥، ٦٠، ١٦٢) والبخاري رقم (٦٧٢٨) ومسلم رقم (٤٩/ ١٧٥٧).
(٢) أحمد في المسند (٦/ ١٤٥، ٢٦٢) والبخاري رقم (٦٧٣٠) ومسلم رقم (٥/ ١٧٥٨).
(٣) أحمد في المسند (٢/ ٣٧٦) والبخاري رقم (٦٧٢٩) ومسلم رقم (٥٥/ ١٧٦٠).
(٤) في المسند (٢/ ٢٤٢). وهو حديث صحيح.
(٥) في المسند (١/ ١٠، ١٣).
(٦) في سننه رقم (١٦٠٨) وقال: حديث حسن صحيح. وهو حديث صحيح.
(٧) في "الفتح" (٧/ ١٢).
(٨) تقدم التعريف بهم.
[ ١١ / ٣٨٧ ]
على الحال، و(ما تركناه) في محل رفع على النيابة والتقدير: لا يورث الذي تركناه حال كونه صدقة، وهذا خلاف ما جاءت به الرواية ونقله [الحفاظ] (^١)، وما ذلك بأوَّل تحريفٍ من أهل تلك النِّحلة.
ويوضح بطلانه ما في حديث أبي هريرة المذكور (^٢) في الباب بلفظ: "فهو صدقة"، وقوله: " [لا تقتسم] (^٣) ورثتي دينارًا"، وقوله: "أن النبي لا يورث" ومما ينادي على بطلانه أيضًا أن أبا بكر احتج بهذا الكلام على فاطمة ﵄ فيما التمسته منه من الذي خلَّفه رسول الله ﷺ من الأراضي، وهما من أفصح الفصحاء وأعلمهم بمدلولات الألفاظ، فلو كان اللفظ كما تقرؤه الروافض لم يكن فيما احتج به أبو بكر حجة ولا كان جوابه مطابقًا لسؤالها.
قوله: (أنشدكم [الله]) (^٤) أي: أسألكم رافعًا نشدتي، أي: صوتي، وقد قدمنا الكلام على هذا التركيب ومعناه.
قوله: (ومئونة عاملي) اختلف في المراد به، فقيل: هو الخليفة بعده.
قال الحافظ (^٥): وهذا هو المعتمد.
وقيل: يريد بذلك العامل على النخل، وبه جزم الطبري (^٦) وابن بطال (^٧).
وأبعد من قال: المراد بعامله حافر قبره. وقال ابن دحية في الخصائص (^٨): المراد بعامله: خادمه. وقيل: العامل على الصدقة. وقيل: العامل فيها كالأجير، ونبه بقوله: "دينارًا" بالأدنى على الأعلى.
وظاهر الأحاديث المذكورة في الباب أن الأنبياء لا يورثون، وأن جميع ما تركوه من الأموال صدقة، ولا يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (^٩)، فإن المراد بالوراثة المذكورة وراثة العلم لا المال كما صرح بذلك جماعة من
_________________
(١) في المخطوط (ب): (الحافظ).
(٢) تقدم برقم (٥٢/ ٢٥٨٩) من كتابنا هذا.
(٣) في المخطوط (ب): (لا يقتسم).
(٤) في المخطوط (أ): (بالله).
(٥) في الفتح (٦/ ٢٠٩).
(٦) ذكره الحافظ في "الفتح" (٦/ ٢٠٩).
(٧) في شرحه لصحيح البخاري (٥/ ٢٦١) و(٨/ ٣٤٣).
(٨) ذكره الحافظ في "الفتح" (٦/ ٢٠٩).
(٩) سورة النمل، الآية: (١٦).
[ ١١ / ٣٨٨ ]
أئمة التفسير (^١).
_________________
(١) كابن كثير في تفسيره (١٠/ ٣٩٥) حيث قال: قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ أي في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" البخاري رقم (٣٢٩٨). • وقال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣): "(الوجه الثاني عشر): أن قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، وقوله عن زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦] لا يدل على محل النزاع. لأن الإرث اسم جنس تحته أنواع، والدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز. فإذا قيل: هذا حيوان، لا يدل على أنه إنسان أو فرس أو بعير. وذلك أن لفظ "الإرث" يستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع الانتقال. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٦، ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وقال النبي ﷺ: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". وهو حديث حسن. • أخرجه أبو داود رقم (٣٦٤١) وابن ماجه رقم (٢٢٣) والترمذي رقم (٢٦٨٢) وأحمد في المسند (٥/ ١٩٦) وابن حبان في صحيحه رقم (٨٨) والدارمي (١/ ٩٨). وأورد البخاري طرفًا من الحديث في "صحيحه" في العلم: باب: العلم قبل القول والعمل. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١/ ١٦٠) "طرف من حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء، وحسنه حمزة الكِناني، وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها". قلت: وقد ذكر الخلاف أيضًا الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" وأطال فيه =
[ ١١ / ٣٨٩ ]
وقد استشكل ما وقع في الباب عن عمر أنه قال لعثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد وعلي والعباس: أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"؟ فقالوا: نعم. ووجه الاستشكال أن أصل القصة صريح في أن العباس وعليًا قد علما بأنه ﷺ قال: "لا نورث"، فإن كانا سمعاه من النبي ﷺ فكيف يطلبانه من أبي بكر، وإن كانا إنما سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر.
وأجيب بحمل ذلك على أنهما اعتقدا أن عموم "لا نورث" مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض، ولذلك نسب عمر إلى علي وعباس أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما كما وقع في صحيح البخاري (^١) وغيره (^٢).
وأما مخاصمتهما بعد ذلك عند عمر، فقال إسماعيل القاضي فيما رواه الدارقطني من طريقه: لم يكن في الميراث إنما تنازعا في ولاية الصدقة وفي صرفها كيف تصرف كذا قال، لكن في رواية النسائي وعمر بن شبة من طريق أبي البختري ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث، ولفظه في آخره: "ثم جئتماني الآن تختصمان يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما إلا بذلك"، أي: إلا بما تقدم من تسليمها لهما على سبيل الولاية.
وكذا وقع عند النسائي (^٣) من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس
_________________
(١) = فراجعه إن رغبت (١/ ٣٣ - ٣٧). وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ١٣٩) رقم التعليقة (١): "ومدار الحديث على "داود بن جميل" عن "كثير بن قيس" وهما مجهولان، لكن أخرجه أبو داود رقم (٣٦٤٢) من طريق أخرى عن أبي الدرداء بسند حسن". والخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.
(٢) في صحيحه رقم (٤٢٤٠، ٤٢٤١).
(٣) كمسلم في صحيحه رقم (٥٢/ ١٧٥٩).
(٤) في السنن الكبرى (٦/ ٩٨ - ١٠٠ رقم ٦٢٧٦ - الرسالة). قلت: وأخرجه البخاري رقم (٣٠٩٤) و(٤٠٣٣) و(٥٣٥٨) و(٦٧٢٨) و(٧٣٠٥) ومسلم رقم (٤٩/ ١٧٥٧) وأبو داود رقم (٢٩٦٣) و(٢٩٦٤) والترمذي رقم (١٦١٠). وهو حديث صحيح.
[ ١١ / ٣٩٠ ]
نحوه، وفي السنن لأبي داود (^١) وغيره [أراد] (^٢) أن عمر يقسمها بينهما لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه، فامتنع عمر من ذلك وأراد أن لا يقع عليهما اسم القسمة، ولذلك أقسم على ذلك، وعلى هذا اقتصر أكثر شراح الحديث واستحسنوه، وفيه من النظر ما تقدم.
وأعجب من ذلك جزم ابن الجوزي (^٣) ثم الشيخ محيي الدين (^٤) بأن عليًّا وعباسًا لم [يطلبا] (^٥) من عمر إلا ذلك، مع أن السياق في صحيح البخاري (^٦) صريح في أنهما جاءا مرتين في طلب شيء واحد لكن العذر لابن الجوزي والنووي أنهما شرحا اللفظ الوارد في مسلم دون اللفظ الوارد في البخاري (^٧).
وأما ما ثبت في الصحيح من قول عمر: "جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك"، فإنما عبر بذلك لبيان [قسمة] (^٨) الميراث كيف يقسم بينهم لو كان هناك ميراث، لا أنه أراد الغض منهما بهذا الكلام. وزاد الإمامي عن ابن شهاب عند عمر بن شبة ما لفظه: "فأصلحا أمركما وإلّا لم [يرجع] (^٩) والله إليكما".
قوله: (ولكن أعول من كان رسول الله ﷺ يعول) إلخ، فيه دليل على أنه يتوجه على الخليفة القائم بعد رسول الله ﷺ أن يعول من كان الرسول [صلوات الله عليه وآله وسلم -] (^١٠) يعوله، وينفق على من كان الرسول ينفق عليه.
_________________
(١) في سننه رقم (٢٩٦٣) و(٢٩٦٤).
(٢) في المخطوط (ب): (أرادا).
(٣) في "كشف المشكل من حديث الصحيحين (١/ ٢٨ - ٢٩).
(٤) أي: النووي في شرحه لصحيح مسلم (١٢/ ٧٣ - ٧٤).
(٥) في المخطوط (ب): (يطالبا).
(٦) البخاري في صحيحه رقم (٣٠٩٤) و(٤٠٣٣).
(٧) حكاه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٢٠٧).
(٨) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).
(٩) في المخطوط (ب): (ترجع).
(١٠) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (أ).
[ ١١ / ٣٩١ ]