١٨/ ٢٥٣٧ - (عَنْ [سَعْدٍ الأطْوَلِ] (^١): أَنَّ أخاهُ ماتَ وَتَرَكَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وتَرَكَ عِيالًا، قالَ: فأرَدْتُ أنْ أُنْفِقَها على عِيالِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ أخاكَ مُحْتَبِسٌ بِدَيْنِهِ فاقْضِ عَنْهُ"، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله قَدْ أدَّيْتُ عَنْهُ إلَّا دِينارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرأةٌ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَة، قَالَ: "فأعْطِها فإنَّهَا مُحِقَّةٌ". رَوَاهُ أحْمَدُ (^٢) وَابْنُ ماجَهْ) (^٣). [صحيح]
الحديثُ: إسناده في سنن ابن ماجه (٢) هكذا: حدثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة قال: حدثنا عفَّان قال: حدثنا حمَّاد بنُ سلمة قال: أخبرني عبدُ الملك أبو جعفر (^٤)، عن أبي نضرة (^٥) عن سعد الأطول فذكره.
وعبد الملك: هو أبو جعفر، ولا يعرف اسم أبيه. وقيل: إنَّه ابن أبي نضرة، وقد وثَّقه ابن حبّان ومَنْ عداه مِن رجال الإسناد فهم رجال الصحيح.
وأخرجه أيضًا ابن سعد (^٦)، وعبدُ بن حميد (^٧)، وابن قانع (^٨)، والبارودي،
_________________
(١) كذا في المخطوط (أ)، (ب) والصواب (سعد بن الأطول) كما في الاستيعاب رقم (٩٢٣) والإصابة رقم (٣١٣٥) والخلاصة للخزرجي رقم (٢٣٧٥) بتحقيقي، وتهذيب الكمال (١٠/ ٢٥٠ رقم ٢٢٠٢) وتذهيب التهذيب للذهبي (٣/ ٣٩٦ رقم ٢٢٢٧) ومسند أحمد (٥/ ٧) وابن ماجه رقم (٢٤٣٣).
(٢) في المسند (٥/ ٧) بسند ضعيف لجهالة عبد الملك أبي جعفر، فلم يرو عنه غير حماد بن سلمة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ١٠٠).
(٣) في سننه رقم (٢٤٣٣). قلت: وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٥٧) والبيهقي (١٠/ ١٤٢) ثلاثتهم من طريق عفان بن مسلم، به. وأخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦) وابن حبان في الثقات (٣/ ١٥٢) من طريق عبد الأعلى بن حماد، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٢٣٦ - تيمية) من طريق حجاج بن منهال. و(٢٣/ ٢٣٧) من طريق محمد بن عبد الله الخزاعي، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، به. وهو حديث صحيح، والله أعلم.
(٤) ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ١٠٠).
(٥) أبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن قُطَعَة. ثقة من الثالثة: التقريب (٦٨٩٠).
(٦) في الطبقات الكبرى (٧/ ٥٧) وقد تقدم.
(٧) في "المنتخب" رقم (٣٠٥).
(٨) في معجم الصحابة (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
[ ١١ / ٣١٠ ]
والطبراني في الكبير (^١)، والضياءُ في المختارة، وهو في مسند أحمد (^٢) بهذا الإسناد؛ فإنَّه قال: حدثنا عفَّان فذكره.
وفيه دليل على تقديم إخراج الدَّين على ما يحتاج إليه من نفقة أولاد الميّت ونحوها، ولا أعلم في ذلك خلافًا. وهكذا يقدم الدين على الوصية.
قال في الفتح (^٣): ولم يختلف العلماءُ في أن الدَّين يقدَّم على الوصيَّة إلا في صورةٍ واحدةٍ، وهي: ما لو أوصى لشخصٍ بألفٍ مثلًا، وصدَّقهُ الوراثُ، وحكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينًا يستغرق موجوده وصدَّقهُ الوارثُ، ففي وجهٍ للشافعيَّة أنَّها تقدَّم الوصيةُ على الدين في هذه الصورة الخاصة.
وأما تقديمُ الوصيَّة على الدَّين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٤)، فقد قيل في ذلك: إن الآية ليس فيها صيغة ترتيب، بل المراد أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية، وأتى بأو للإباحة، وهي كقولك: جالس زيدًا أو عمرًا: أي لك مجالسة كل واحد منهما اجتمعا أو افترقا. وإنما قدمت لمعنى اقتضى الاهتمام بتقديمها. واختلف في تعيين ذلك المعنى.
وحاصل ما ذكره أهلُ العلم من مقتضيات التقديم ستةُ أمور:
(أحدها): الخفَّة والثقل، كربيعة ومضر، فمضر أشرف من ربيعة، لكن لفظ ربيعة لما كان أخفّ قُدِّم في الذكر، وهذا يرجع إلى اللفظ.
(ثانيها): بحسب الزمان، كعادٍ وثمود.
(ثالثها): بحسب الطبع، كثلاثٍ ورباعٍ.
(رابعها): بحسب الرتبة كالصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حقُّ البدن، والزكاة حقّ المال، فالبدن مقدَّم على المال.
(خامسها): تقديم السبب على المسبب كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٥) وقال بعض السلف: عزَّ فلما عزَّ حكم.
_________________
(١) (٦ رقم ٥٤٦٦).
(٢) في المسند (٥/ ٧).
(٣) (١٣/ ٢٠٨).
(٤) سورة النساء، الآية: (١٢).
(٥) سورة البقرة، الآية: (٢٠٩).
[ ١١ / ٣١١ ]
(سادسها): بالشرف والفضل، كقوله [تعالى] (^١): ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (^٢) وإذا تقرر ذلك فقد ذكر السهيلي: أن تقديم الوصية في الذكر على الدين؛ لأنَّ الوصية إنما تقع على سبيل البرِّ والصلة؛ بخلاف الدين، فإنَّه إنما يقع غالبًا بعد الميت بنوع تفريطٍ، فوقعت البداءةُ بالوصية لكونها أفضلَ.
وقال غيره: قدَّمت الوصيةُ لأنها شيءٌ يؤخذ بغير عوضٍ، والدَّين يؤخذ بعوض، فكان إخراج الوصية أشقّ على الوارث من إخراج الدَّين، وكان أداؤها مظنة [التفريط] (^٣)، بخلاف الدين فمن الوارث مطمئن بإخراجه، فقدمت الوصية لذلك، وأيضًا فهي حظ فقير ومسكين غالبًا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة وله مقال، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "إن لصاحب الدين مقالًا" (^٤)، وأيضًا فالوصية ينشئها الموصى من قبل نفسه فقدِّمت تحريضًا على العمل بها بخلاف الدين.
قال الزين بن المنير (^٥): تقديمُ الوصية في الذِّكر على الدَّين لا يقتضي تقديمها في المعنى؛ لأنهما معًا قد ذُكِرا في سياق البعدية، لكنَّ الميراث يلي الوصية ولا يلي الدّين في اللفظ، بل هو بعدَ بعدِه، فيلزم: أنَّ الدّين يُقَدّم في الأداء باعتبار القبلية فَيُقَدّم الدين على الوصية في اللفظ وباعتبار البعدية فَتُقَدّم الوصيةُ على الدين. اهـ.
وقد أخرج أحمد (^٦) والترمذي (^٧) وغيرهما من طريق الحارث الأعور عن علي [عليه سلام الله ورضوانه] (^٨) قال: "قَضَى محمد ﷺ: أن الدَّين قبل الوصية، وأنتم تقرءون الوصيةَ قبل الدين".
_________________
(١) ما بين الخاصرتين سقط من (أ).
(٢) سورة النساء، الآية: (٦٩).
(٣) في المخطوط (ب): (للتفريط).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٢٣٩٠) ومسلم رقم (١٢٠/ ١٦٠١).
(٥) ذكره الحافظ في الفتح" (٥/ ٣٧٨).
(٦) في المسند (١/ ٧٩).
(٧) في سننه رقم (٢٠٩٥) و(٢١٢٢). قلت: وأخرجه الحميدي رقم (٥٥) و(٥٦) وأبو يعلى رقم (٣٠٠). كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور عن علي، به. إسناده ضعيف لضعف الحارث الأعور، ولكن الحديث حسن، والله أعلم.
(٨) في المخطوط (أ): ﵇.
[ ١١ / ٣١٢ ]
والحديث وإن كان إسناده ضعيفًا لكنه معتضد بالاتفاق الذي سلف.
قال الترمذي (^١): إن العمل عليه عند أهل العلم.
قوله: (قد أَدَّيتُ عنه)، فيه دليلٌ على أنه يجوز للوصيِّ أن يستقلَّ بنفسه في قضاء ديون الميت؛ لأنَّ النبيّ ﷺ لم ينكر عليه ذلك.
قال في البحر (^٢): مسألة: وللوصيِّ استيفاءُ ديون الميت وإيفاؤُها إجماعًا لنيابته عنه. اهـ.
قوله: (فإنَّها مُحِقَّةٌ)، لعلَّه ﷺ حكم بعلمه، أو بوحي.
_________________
(١) في سننه عقب الحديث (٢١٢٢).
(٢) البحر الزخار (٥/ ٣٣٣).
[ ١١ / ٣١٣ ]