٢٥/ ٢٤٢٠ - (عَنْ أبي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَالْجلُوس في الطُّرقاتِ"، فَقَالُوا: يا رَسُولَ الله، ما لنَا مِنْ مَجَالِسِنا بُدٌّ نتَحَدثُ فِيها، فَقَالَ: "إذَا أبَيْتُمْ إلَّا المَجْلِسَ فأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّها"، قالُوا: وَما حَقّ الطَّرِيقِ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذَى، وَرَدّ السَّلامِ، والأمْرُ بالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (^١). [صحيح]
٢٦/ ٢٤٢١ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ أنّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لأنْ يَحْمِلَ أحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ، ثُمَّ يَجِيء فَيَضَعُهُ فِي السّوقِ فَيَبِيعُهُ، ثُمَّ يَسْتَغْني بِهِ فَيُنْفِقُهُ على نَفْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْأَل النَّاسَ أعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (^٢). [صحيح]
حديث الزبير أخرجه البخاري (^٣) أيضًا بنحو ما هنا، وقد اتفق الشيخان (^٤) على مثل معناه من حديث أبي هريرة، وقد تقدم (^٥) في باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة، من أبواب الزكاة.
قوله: (إياكم والجلوس) بالنصب على التحذير.
قوله: (ما لنا من مجالسنا بد)، فيه دليل على أن التحذير للإرشاد لا للوجوب، إذ لو كان للوجوب لم يراجعوه، كما قال القاضي عياض (^٦).
_________________
(١) في المسند (٣/ ٣٦، ٤٧، ٦١) والبخاري رقم (٦٢٢٩) ومسلم رقم (١١٤/ ٢١٢١).
(٢) في المسند (١/ ١٦٧) بسند صحيح. وهو في الزهد لوكيع رقم (١٤١)، ومن طريق وكيع أخرجه البخاري رقم (٢٠٧٥) وابن ماجه رقم (١٨٣٦) وأبو يعلى رقم (٦٧٥) والبيهقي في شعب الإيمان رقم (١٢٢٣). وهو حديث صحيح.
(٣) في صحيحه رقم (١٤٧١).
(٤) البخاري رقم (١٤٧٠) ومسلم رقم (١٠٦/ ١٠٤٢).
(٥) برقم (١٥٩١) من كتابنا هذا.
(٦) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (١١/ ١١).
[ ١١ / ٦٢ ]
وفيه متمسَّك لمن يقول: إن سدَّ الذرائع (^١) بطريق الأوْلى لا على الحتم، لأنه نهى أولًا عن الجلوس حسمًا للمادة، فلما قالوا: (ما لنا منها بد) ذكر لهم المقاصد الأصلية للمنع، فعرف أن النهي الأول للإرشاد إلى الأصلح.
ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة (^٢) لندبه أولًا إلى ترك الجلوس مع ما فيه من الأجر لمن عمل بحق الطريق، وذلك أن الاحتياط في طلب السلامة آكد من الطمع في الزيادة.
قال الحافظ (^٣): ويحتمل أنهم رجوا وقوع النَّسْخ تخفيفًا لما شَكَوْا من شدة الحاجة إلى ذلك، يعني فلا يكون قولهم المذكور دليلًا على أن التحذير الذي في قوة الأمر للإرشاد.
قال: ويؤيده أن في مرسل يحيى بن يعمر، وظن القوم أنها عزيمة.
قوله: (إذا أبيتم إلا المجلس)، في رواية للبخاري (^٤): "فإذا أتيتم إلى المجلس".
_________________
(١) الذرائع: هي الوسائل، والذريعة: هي الوسيلة والطريق إلى الشيء، سواء أكان هذا الشيء مفسدة أو مصلحة، قولا أو فعلًا، ولكن غلب إطلاق اسم "الذرائع" على الوسائل المفضية إلى المفاسد، فإذا قيل: هذا من باب سد الذرائع، فمعنى ذلك: أنه من باب منع الوسائل المؤدية إلى المفاسد". (أثر الأدلة المختلف فيها (ص ٥٦٦)]. وانظر تفصيل موضوع سد الذرائع في: "إرشاد الفحول" (ص ٨٠٤ - ٨٠٩).
(٢) "إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيلُ المصالح ودرءُ المفاسد فعلْنَا ذلك، امتثالًا لأمر الله فيهما، لقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وإن تعذر الدرءُ والتحصيلُ، فإن كانت المفسدةُ أعظمَ من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوت المصلحة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، حرَّمهما لأنَّ مفسدتهما أكبر من منفعتهما … وإن كانت المصلحةُ أعظم من المفسدة حصَّلْنا المصلحةَ مع التزام المفسدة. وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يُتخيّر بينهما، وقد يتوقف فيهما. وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد". وانظر الأمثلة على ذلك في كتاب: "القواعد الكبرى الموسوم بـ "قواعد الأحكام في إصلاح الأنام" لعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام (١/ ١٣٦ - ١٦٣)، فقد أجاد وأفاد ﵀.
(٣) في "الفتح" (١١/ ١١).
(٤) في صحيحه رقم (٢٤٦٥).
[ ١١ / ٦٣ ]
قوله: (غض البصر) إلخ، زاد أبو داود (^١) في حديث أبي هريرة: "وإرشاد السبيل، وتشميت العاطس إذا حَمِدَ"، وزاد [الطبراني (^٢)] (^٣) من حديث عمر، "وإغاثة الملهوف"؛ وزاد البزار (^٤) من حديث ابن عباس: "وأعينوا على الحمولة (^٥) "، وزاد الطبراني (^٦) من حديث سهل بن حنيف: "وذكر الله كثيرًا"، وزاد الطبراني (^٧) أيضًا من حديث وحشي بن حرب: " [واهدوا الأغبياء] (^٨)، وأعينوا المظلوم"، وجاء في حديث أبي طلحة (^٩) من الزيادة: "وحسن الكلام"، وقد نظم الحافظ (^١٠) هذه الآداب فقال:
جمعتُ آدابَ من رامَ الجلوسِ على الط … ـريقِ مِنْ قولِ خيرِ الخلقِ إِنسَانًا
أَفْشِ السَّلامَ وأحْسِنْ في الكلامِ وشَمِّـ … ـــــــتْ عاطِسًا وسلامًا رُدَّ إحسَانًا
_________________
(١) في سننه رقم (٤٨١٦) بسند حسن وذكر "وإرشاد السبيل" فقط.
(٢) لم يخرجه الطبراني. انظر: "مجمع الزوائد" (٨/ ٦١ - ٦٢) والفتح (١١/ ١١).
(٣) في المخطوط (ب): (أبو داود) وهو الصواب. فقد أخرجه أبو داود في سننه رقم (٤٨١٧)، وهو حديث صحيح.
(٤) في المسند رقم (٢٠١٩ - كشف). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٦٢) وقال: "رواه البزار وفيه محمد بن أبي ليلى وهو ثقة سيئ الحفظ، وبقية رجاله وثقوا".
(٥) الحمولة: بالضم الأحمال، وبالفتح: ما يحتمل عليه الناس من الدواب.
(٦) في المعجم الكبير (ج ٦ رقم ٥٥٩٢). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٦٢) وقال: فيه أبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري تابعي لم أعرفه وبقية رجاله وثقوا". • وأبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري: ذكره البخاري في الكنى (ص ١٢)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٤١) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وترجم له أبو أحمد الحاكم في الكنى (٢/ ٢٤٣) وروى له حديثه هذا. [الفرائد على مجمع الزوائد (ص ٤٠٢ رقم ٦٦٢)].
(٧) في المعجم الكبير (ج ٢٢ رقم ٣٦٧). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٦٢) وقال: رجاله كلهم ثقات، وفي بعضهم ضعف.
(٨) كذا في المخطوط (أ)، (ب): والصواب: (واهدوا الأعمى) كما في المعجم الكبير ومجمع الزوائد. وقد تقدم في التعليقة السابقة.
(٩) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢/ ٢١٦١).
(١٠) الفتح (١١/ ١١).
[ ١١ / ٦٤ ]
في الحمْلِ عاوِنْ ومظلومًا أعِنْ وأَغِثْ … لهفانَ واهدِ سبيلًا واهدِ حَيرانًا
بالعُرْفِ مُرْ وانْهَ عن نُكْرٍ وكُفَّ أذَى … وغُضَّ طَرْفًا وأكثِرْ ذِكْرَ مولانَا
والعلة في التحذير من الجلوس على الطرق ما فيه من التعرض للفتنة بالنظر إلى من يحرم النظر إليه، وللحقوق لله وللمسلمين التي لا تلزم غير الجالس في ذلك المحل.
وقد أشار في حديث الباب بغَضِّ النظر إلى السلامة [من] (^١) التعرض للفتنة بمن يمر من النساء وغيرهن، وبكف الأذى إلى السلامة من الاحتقار والغيبة، وبردِّ السلام إلى إكرام المار، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى استعمال جميع ما يشرع وترك جميع ما لا يشرع.
وعلى هذا النمط بقية الآداب التي أشرنا إليها، ولكلٍ منها شاهد صحيح أو حسن.
وقد استوفى ذلك الحافظ في الفتح (^٢) في كتاب الاستئذان.
وحديث الزبير (^٣) قد سبق شرح ما اشتمل عليه في كتاب الزكاة، وذكره المصنف هاهنا لقوله فيه: "فيضعه في السوق فيبيعه". فإن فيه دليلًا على جواز الجلوس في السوق للبيع، ولا يخلو غالب الأسواق من كثرة الطَّرْقِ فيه.