١٥/ ٢٦٠٥ - (عَنْ جابِرٍ: أن رَجُلًا أعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فاحْتاج فأخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ "، فاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ الله بِكَذَا وكَذَا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]
وفي لَفْظٍ قالَ: أعْتَقَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وكانَ مُحْتاجًا وكانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَباعَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِثَمَانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فأعْطَاهُ فَقالَ: "اقْض دَيْنَكَ، وأنْفِقْ على عيالكَ"، رَوَاهُ النَّسائِي) (^٢). [صحيح]
١٦/ ٢٦٠٦ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الأحْنَفِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ: أنَّهُ أعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وكاتَبَهُ، فأدَّى بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ وَماتَ مَوْلاهُ، فأتَوا ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: ما أخَذَ فَهُوَ لَهُ، وَما بَقِيَ فلا شَيءَ لَكُمْ. رَوَاهُ البُخارِيّ فِي تَارِيخِهِ) (^٣). [موقف حسن]
حديث جابر أخرجه أيضًا الأربعة (^٤)
_________________
(١) أحمد في المسند (٣/ ٣٠٥) والبخاري رقم (٢٥٣٤) ومسلم رقم (٤١/ ٩٩٧). قلت: وأخرجه النسائي رقم (٤٦٥٢) وأبو داود رقم (٣٩٥٥) وابن ماجه رقم (٢٥١٣) والترمذي رقم (١٢١٩) وقال: حديث حسن صحيح. وهو حديث صحيح.
(٢) في السنن رقم (٥٤١٨) وهو حديث صحيح.
(٣) في التاريخ الكبير (١/ ١/ ٢١٠ - ٢١١). قلت: وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ١٣٠ - ١٣١ رقم ٤٥٠) بسند ضعيف. لكن الأثر حسن، والله أعلم.
(٤) أبو داود رقم (٣٩٥٥ - ٣٩٥٧) والترمذي رقم (١٢١٩) وقال: حديث حسن صحيح. =
[ ١١ / ٤٢٤ ]
وابن حبان (^١) والبيهقي (^٢) من طرق كثيرة بألفاظ متنوعة.
وفي الباب عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا عند البيهقي (^٣) بلفظ: "المدبر من الثلث"، ورواه الشافعي (^٤)، [قال] (^٥) [والحفاظ] (^٦) يوقفونه على ابن عمر.
ورواه الدارقطني (^٧) مرفوعًا بلفظ: "المدبَّر لا يباع، ولا يوهب، وهو حرٌّ من الثلث"، وفي إسناده عبيدة بن حسان وهو منكر الحديث (^٨).
وقال الدارقطني في العلل: الأصح وقفه.
وقال العقيلي (^٩): لا يُعرف إلا بعلى بن ظبيان، وهو منكرُ الحديث.
وقال أبو زرعة: الموقوف أصحُّ.
وقال ابن القطان (^١٠): المرفوع ضعيف.
وقال البيهقي (^١١): الصحيح [موقوف] (^١٢).
وقد روي نحوه عن علي (^١٣) موقوفًا عليه.
وعن أبي قلابة (^١٤) مرسلًا: "أن رجلًا أعتق عبدًا له عن دبر، فجعله النبي ﷺ من الثلث".
وروى الشافعي (^١٥) والحاكم (^١٦) عن عائشة: "أنها باعت مدبرة سحرَتها".
_________________
(١) = والنسائي رقم (٤٦٥٢) وابن ماجه رقم (٢٥١٢ - ٢٥١٣).
(٢) في صحيحه رقم (٤٩٣٠) و(٤٩٣١).
(٣) في السنن الكبرى (١٠/ ٣٠٨ - ٣١٣).
(٤) في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٤).
(٥) في الأم (٩/ ٣٣٦ رقم ٤٢٧٣).
(٦) زيادة من المخطوط (ب).
(٧) في المخطوط (ب): (والحافظ).
(٨) في السنن (٤/ ١٣٨ رقم ٥٠) وقال: لم يسنده غير عبيدة بن حسان، وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر موقوف من قوله.
(٩) انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" (٦/ ٩٢) والميزان (٣/ ٢٦).
(١٠) في "الضعفاء الكبير" (٣/ ٢٣٤ رقم ١٢٣٥).
(١١) في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥٢١ - ٥٥٢ رقم ١٢٩٥).
(١٢) في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٤).
(١٣) في المخطوط (ب): موقوفًا.
(١٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٤) موقوفًا عليه.
(١٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٤) مرسلًا.
(١٦) في المسند (ج ٢ رقم ٢٢١ - ترتيب).
(١٧) في المستدرك (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠). =
[ ١١ / ٤٢٥ ]
قوله: (أن رجلًا) في مُسلمٍ (^١) أنه أبو مذكور الأنصاري، والغلام اسمه: يعقوب.
ولفظ أبي داود (^٢): "أن رجلًا يقال له: أبو مذكور أعتق غلامًا يقال له: يعقوب". اهـ، وهو يعقوب القِبْطي كما في رواية مسلم (^٣) وابن أبي شيبة.
قوله: (عن دُبُر) بضم الدال والموحدة وهو العتق في دُبُر الحياة، كأن يقول السيدُ لعبده: أنت حرٌّ بعد موتي، أو إذا متُّ فأنت حرٌّ؛ وسمي السيدُ مدبِّرًا بصيغة اسم الفاعل؛ لأنه دبَّر أمر دنياه باستخدامه ذلك المدبَّر واسترقاقه، ودبَّر أمر آخرته بإعتاقه وتحصيل أجر العتق.
قوله: (فاشتراه نعيم بن عبد الله)، في رواية للبخاري (^٤): نعيم بن النحام بالنون والحاء المهملة المشددة، وهو لقب والد نعيم.
وقيل: إنَّه لقبٌ لنعيمٍ، وظاهر الرواية خلاف ذلك.
والحديث يدلُّ على جواز بيع المدبَّر مطلقًا من غير تقييد بالفسق والضرورة، وإليه ذهب الشافعي (^٥) وأهل الحديث، ونقله البيهقي في المعرفة (^٦) عن أكثر الفقهاء.
وحكى النووي (^٧) عن الجمهور: أنه لا يجوز بيع المدبَّر مطلقًا والحديث يردُّ عليهم.
وروي عن الحنفية (^٨) والمالكية (^٩): أنه لا يجوز بيع المدبَّر تدبيرًا مطلقًا، لا المدبر تدبيرًا مقيدًا، نحو أن يقول: إن مت من مرضي هذا ففلان حرٌّ، فإنه يجوز
_________________
(١) = وهو موقوف بسند صحيح والله أعلم.
(٢) في صحيحه رقم (… / ٩٩٧).
(٣) في سننه رقم (٣٩٥٧).
(٤) في صحيحه رقم (٤١/ ٩٩٧).
(٥) في صحيحه رقم (٢٤١٥).
(٦) البيان للعمراني (٨/ ٣٩٢).
(٧) معرفة السنن والآثار (١٤/ ٤٣٠ رقم ٢٠٦١٦ و٢٠٦١٨).
(٨) في شرحه لصحيح مسلم (٧/ ٨٣).
(٩) بدائع الصنائع (٤/ ١١٣).
(١٠) "الاستذكار" (٢٣/ ٣٨٣ رقم ١٥٢٢).
[ ١١ / ٤٢٦ ]
بيعه؛ لأنه كالوصية، فيجوز الرجوع فيه كما يجوز الرجوع فيها.
وقال أحمد (^١): يمتنع بيع المدبرة دون المدبر.
وقال الليث (^٢): يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه.
وقال ابن سيرين (^٣): لا يجوز بيعه إلا من نفسه.
وقال مالك وأصحابه: [لا يجوز بيعه] (^٤) إلا إذا كان على السيد دين فيباع له.
قال النووي (^٥): وهذا الحديث صريح أو ظاهر في الرد عليهم. لأن النبي ﷺ إنما باعه لينفقه سيده على نفسه، ولعلَّه لم يقف على رواية النسائي (^٦) التي ذكرها المصنف، نعم، لا وجه لقَصْرِ جواز البيع على حاجة قضاء الدين، بل يجوز البيع لها ولغيرها من الحاجات، والرواية المذكورة قد تضمنت أن الرجل المذكور كان محتاجًا للبيع لما عليه من الدين ومن نفقة أولاده.
وقد ذهب إلى جواز البيع لمطلق الحاجة عطاء (^٧) والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب، كما حكى ذلك عنهم في البحر (^٨)، وإليه مال ابن دقيق العيد (^٩)، فقال: من منع البيع مطلقًا كان الحديث حجة عليه، لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول: قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور.
وأجاب من أجازه مطلقًا بأن قوله في الحديث: "وكان محتاجًا" لا مدخل له في الحكم، وإنما ذكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه ليبين للسيد جواز البيع. ولا يخفى أن في الحديث إيماءً إلى المقتضي لجواز البيع [بقوله] (^١٠): "فاحتاج"، وبقوله: "اقض دينك وأنفق على عيالك".
_________________
(١) المغني (١٤/ ٤١٩).
(٢) "الاستذكار" (٢٣/ ٣٨٥ رقم ٣٥٠٢٣).
(٣) "الاستذكار" (٢٣/ ٢٨٣ رقم ٣٥٠٢٣).
(٤) العبارة ما بين الخاصرتين مكررة في المخطوط (أ).
(٥) في شرحه لصحيح مسلم (٧/ ٨٣).
(٦) في سننه رقم (٥٤١٨) وهو حديث صحيح وقد تقدم.
(٧) "الاستذكار" (٢٣/ ٣٨٧) رقم (٣٥٠٤١).
(٨) البحر الزخار (٣/ ٣١٠).
(٩) في إحكام الأحكام (٤/ ٢٦٣).
(١٠) في المخطوط (ب): (لقوله).
[ ١١ / ٤٢٧ ]
لا يقال: الأصل جواز البيع، والمنع منه يحتاج إلى دليل، ولا يصلح لذلك حديث الباب، لأن غايته أن البيع فيه وقع للحاجة ولا دليل على اعتبارها في غيره، بل مجرد ذلك الأصل كافٍ في الجواز.
لأنا نقول: قد عارض ذلك الأصل إيقاع العتق المعلق فصار الدليل بعده على مدعي الجواز، ولم يرد الدليل إلا في صورة الحاجة فيبقى ما عداها على أصل المنع.
وأما ما ذهب إليه الهادوية (^١) من جواز بيع المدبر للفسق كما يجوز للضرورة، فليس على ذلك دليل إلا ما تقدم عن عائشة (^٢) من بيعها للمدبرة التي سحرتها، وهو مع كونه أخص من الدعوى لا يصلح للاحتجاج به لما قررناه غير مرة من أن قول الصحابة وفعله ليس بحجة.
واعلم أنها قد اتفقت طرقُ هذا الحديث على أن البيع وقع في حياة السيد، إلا ما أخرجه الترمذي (^٣) بلفظ: "أن رجلًا مِنَ الأنصار دبَّر غلامًا له فمات".
وكذلك رواه الأئمة أحمد (^٤) وإسحاق وابن المديني والحميدي (^٥) وابن أبي شبية (^٦) عن ابن عيينة.
ووجه البيهقي (^٧) الرواية المذكورة بان أصلها: "أن رجلًا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حدث، فمات فدعا به النبي ﷺ فباعه من نعيم".
كذلك رواه مطر الوراق عن عمر (^٨).
وقال البيهقي (^٩): فقوله: "فمات" من بقية الشرط: أي فمات من ذلك
_________________
(١) البحر الزخار (٤/ ٢١١).
(٢) موقوف بسند صحيح تقدم عند الشافعي في المسند (ج ٢ رقم ٢٢١ ترتيب) والحاكم (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٣) في سننه رقم) (١٢١٩) وقال: حديث حسن صحيح وقد تقدم.
(٤) في المسند (٣/ ٣٦٨، ٣٦٩).
(٥) في مسنده رقم (١٢٢٢).
(٦) في المصنف (١١/ ٢٢٩).
(٧) في السنن الكبرى (١٠/ ٣٠٨، ٣٠٩).
(٨) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١١).
(٩) في السنن الكبرى (١٠/ ٣١١) ومعرفة السنن والآثار (١٤/ ٤٢٦ رقم ٢٠٥٩٤).
[ ١١ / ٤٢٨ ]
الحدث، وليس إخبارًا عن أن المدبر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله: "إن حدث به حدث"، فوقع الغلط بسبب ذلك. اهـ.
وقد استُدِلَّ بحديث الباب وما في معناه على مشروعية التدبير، وذلك مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف هل يُنَفَّذُ من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب الفريقان من الشافعية (^١) والحنفية (^٢) ومالك (^٣) والعترة (^٤)، وهو مروي عن علي (^٥) وعمر (^٦) أنه ينفذ من الثلث، واستدلوا بما قدمنا من قوله ﷺ: "وهو حرٌّ من الثلث".
وذهب ابنُ مسعود (^٧)، والحسن البصريُّ، وابنُ المسيِّب، والنخعي (^٨) وداود (٩) ومسروق (^٩): إلى أنَّه ينفذ من رأس المال قياسًا على الهبة وسائر الأشياء التي يخرجها الإنسان من ماله في حال حياته.
واعتذروا عن الحديث الذي احتجَّ به الأوَّلون بما فيه من المقال المتقدم، ولكنه معتضد بالقياس على الوصية، ولا شكَّ أنَّه بالوصية أشبه منه بالهبة لما بينه وبين الوصية من [المشابهة] (^١٠) التامة.
_________________
(١) روضة الطالبين للنووي (١٢/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٢) بدائع الصنائع (٤/ ١١٢).
(٣) عيون المجالس (٤/ ١٨٥٩ - ١٨٦٠).
(٤) البحر الزخار (٤/ ٢٠٨).
(٥) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (٩/ ١٣٧ رقم ١٦٦٥٣) عن الشعبي أن عليًا جعل المدبر من الثلث. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٤).
(٦) حكاه عنه عبد الوهاب البغدادي في عيون المجالس (٤/ ١٨٥٩).
(٧) أخرج البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٤) عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مسعود قال: يعتق من ثلثه، وروينا ذلك عن شريح وإبراهيم النخعي".
(٨) أخرج عبد الرزاق في المصنف (٩/ ١٣٧) رقم (١٦٦٥١) عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم - النخعي - قال: "المدبر من الثلث".
(٩) وقال سعيد بن جبير ومسروق - رحمهما الله -: إنه من رأس المال. وهذا مذهب زفر، وداود - رحمهما الله -. عيون المجالس (٤/ ١٨٦٠) وبدائع الصنائع (٤/ ١١٢). والمصنف لعبد الرزاق (٩/ ١٣٧ رقم ١٦٦٥٢).
(١٠) في المخطوط (ب): (المشابه).
[ ١١ / ٤٢٩ ]
قوله: (ما أخذ فهو له وما بقي فلا شيء لكم)، استدل به القاضي زيد والهادوية (^١) على أن الكتابة لا يبطل بها التَّدبير، ويعتق العبد عندهم بالأسبق منهما.
وقال المنصور (^٢) بالله: لا تصح (^٣) الكتابة بعد التدبير لأنها بيع فلا تصح إلا حيث يصح البيع. وردَّ بأن ذلك تعجيل للعتق مشروط.