١٧/ ٢٥٣٦ - (عَنْ عمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: رأيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ [﵁] (^٤) قَبْلَ أنْ يُصَابَ بأيَّامٍ بالمَدِينَةِ وَقَفَ على حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعُثْمانَ بْنِ حُنَيْف قالَ: كَيْفَ فَعَلْتُما أتخافا أنْ تَكُونا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأرْضَ ما لا تُطيقُ؟ قالا: حَمَّلْناها أمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَة، ومَا فيها كَثيرُ فَضْلٍ، قالَ: انْظُرَا أنْ تَكُونا حَمَّلْتُمَا الأرْضَ ما لا تُطيقُ، قال: قالا: لا، فَقَالَ عمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَني الله لأدَعَنّ أرَاملَ أَهْلِ العرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إلى رَجُلٍ بَعْدي أبَدًا.
قالَ: فمَا أتَتْ عَلَيْهِ [رَابعَةٌ] (^٥) حتَّى أُصِيبَ، قالَ: إني لقَائِمٌ ما بَيْني وَبَيْنَهُ إلا عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وكانَ إذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قالَ: اسْتَووا، حتّى
_________________
(١) = وهو حديث صحيح.
(٢) في المسند (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢) بسند صحيح. وأروده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٣) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. قلت: وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٧٧٧) والبيهقي (١٠/ ٥٧). وقال البيهقي: هذا مرسل.
(٣) في سننه رقم (٣٢٨٤). وهو حديث ضعيف.
(٤) في الأوسط رقم (٥٥٢٣). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٤٤) وقال: فيه سعيد بن أبي المرزبان وهو ضعيف مدلس، وعنعنه، وفيه محمد بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ. وقد وثق". اهـ.
(٥) زيادة من المخطوط (أ).
(٦) في المخطوط (أ): (أربعة).
[ ١١ / ٢٩٣ ]
إذَا لَمْ يَرَ فِيهنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ وكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرأ سُورَةَ يُوسُفَ أوِ النّحْل أوْ نَحْوَ ذلكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى حتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إلَّا أن كَبَّرَ فَسَمعْتُه يَقُول: قَتَلنِي أوْ أكَلَنِي الكَلْبُ حينَ طَعَنَهُ فطارَ العِلْجُ بسكينٍ ذاتِ طرفين لا يمر على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلَّا طعنه، حتى طعَنَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا ماتَ مِنْهُم [سبعة] (^١)؛ فَلَما رأى ذلكَ رَجُلٌ منَ المُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا؛ فَلَمَّا ظَنَّ العِلْجُ أنَّهُ مَأخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ؛ وَتَناوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رأى الَّذِي أرَى، وأمَّا نَوَاحِي المَسْجدِ فإنهُمْ [لا يَدْرُونَ] (^٢)، غَيْرَ أنهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحانَ الله، سُبْحانَ الله، فَصَلَّى بِهمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلاةً خَفِيفة؛ فَلَمَّا انْصَرَفُوا قالَ: يا ابْنَ عَبَّاسٍ انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي، فَجالَ ساعَةً ثُم جاءَ فَقَالَ: غُلامُ المُغِيرَةِ، فَقالَ: الصَّنَعُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قاتَلَهُ الله لَقَدْ أمْرَتُ بِهِ مَعْرُوفًا، الحَمْد لله الذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بيَدِ رَجُلٍ يَدَّعي الإسْلامَ، قَدْ كُنْتَ أنْتَ وأبُوكَ تُحِبَّانِ أنْ [تَكْثُرَ] (^٣) العُلُوجُ بالمَدِينَةِ، وكانَ العَبَّاسُ أكْثَرهُم رَقِيقًا، فَقالَ: إنْ شِئْتَ فَعلْتُ: أيْ إنْ شئْتَ قَتَلْنا، قالَ: كَذَبْتَ بَعْدَما تَكَلَّمُوا بِلسانِكُمْ، وَصَلُّوا قِبْلَتَكُمْ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ؛ فاحْتُمِل إلى بَيْتِهِ، فانْطَلَقْنا مَعَهُ، وكأنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمئذٍ، فَقائِلٌ يَقُولُ أخافُ عَلَيْهِ، فأُتِي بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِه، ثُم أُتي بِلَبنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَعَلِمُوا أنَّهُ مَيِّتٌ، فَدَخَلْنا عَلَيْهِ وَجاءَ النَّاسُ يَثْنُونَ عَلَيْهِ، وَجاءَ رَجُلٌ شابٌّ، فَقالَ: أبْشر يا أميرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشرَى الله لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدَمٍ فِي الإسْلامِ ما قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وُلِّيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهادَةٌ؛ فَقالَ: وَدِدْتُ ذلكَ كَفَافًا لا عَليَّ ولَا لِيَ؛ فَلَمَّا أدْبَرَ إذَا إزَارُه تَمَسُّ الأرْضَ، فَقالَ: ردُّوا عَلي الغلَامَ، قالَ: يا ابْنَ أخي ارْفَعْ ثَوْبكَ فإنَّه أبَقَى لثَوْبِكَ وأتْقَى لِرَبكَ، يا عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ انْظَرْ ما عَليّ مِنَ الدّيْنِ، فَحَسَبُوهُ فَوجَدُوهُ سِتةً وثَمَانِينَ ألْفًا ونَحْوَهُ، قالَ: إنْ وَفّى لَهُ مالُ
_________________
(١) في المخطوط (أ): (تسعة).
(٢) في المخطوط (ب): (لا يرون، لا يدرون).
(٣) في المخطوط (ب): (يكثر).
[ ١١ / ٢٩٤ ]
آلِ عُمَرَ فأدهِ منْ أمْوَالِهمْ وَإلا فَسَلْ فِي بَنِي عدِيّ بْنِ كَعْب، فإنْ لَمْ تَفِ أمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ ولَا تَعْدُهُمْ إلى غَيْرِهِمْ، فأدّ عَنّي هَذَا المَالَ.
انْطَلِقْ إلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فَقُلْ: يَقْرأُ عَلَيْكُمْ عُمَرُ السَّلامَ، ولَا تَقُلْ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، فإني لَسْتُ اليَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أمِيرًا، وَقُلْ: يَسْتأذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْها فَوَجَدَها قاعِدَةً تَبْكِي. فَقَالَ: يَقْرأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكُمُ السَّلامَ وَيَستْأذِنُ أنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلأُوثرَنَّهُ [بِه] (^١) اليَوْمَ على نَفْسِي؛ فَلَمَّا أقْبَلَ قِيلَ: هَذَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ قَدْ جاءَ، قالَ: ارْفَعُوني، فأسْنَدَه رَجُل إلَيْهِ فَقَالَ: ما لَدَيْكَ؟ قالَ: الَّذِي تُحِبّ يا أمِير المُؤْمِنِينَ أذِنَتْ، قالَ: الحَمْدُ لله ما كانَ شَيءٌ أهم إليَّ مِنْ ذلكَ، فإذَا قُبِضْتُ فاحمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ، فَقُلْ: يَسْتأذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فإنْ أذِنَتْ لي فأدْخِلُونِي، وَإنْ رَدَّتْنِي فَرُدُّونِي إلى مَقابِرِ المُسْلِمِينَ.
وَجاءَتْ أُمُّ المُومِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّساءُ تَسِيرُ [تَتْبَعُها] (^٢)؛ فَلَمَّا رأيْناها قُمْنا، فَوَلجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ ساعَةً، وَاسْتأذَنَ الرّجالَ فَوَلجْتُ داخِلًا لَهُمْ، فَسَمِعْنا بُكاءَها مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالُوا: أوْصِ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: ما أجِدُ أحَقَّ بِهَذَا الأمْرِ مِنْ هَؤُلاءِ النَّفَرِ أوِ الرَّهْطِ الَّذِينَ تُوُفِّي رَسُولُ الله ﷺ عَنْهُمْ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا وعُثْمانَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقالَ: يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ وَلَيْس لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيءٌ، كَهَيْئَة التَّعْزِيَةِ لَهُ، فإنْ أصَابَتِ الإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ، وَإلَّا فَلْيَسْتَعِن بِه أيُّكُمْ ما أُمِّرَ، فإني لَمْ أعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلا خِيانَةٍ.
وقَالَ: أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بالمُهاجِرِينَ الأوَّلينَ أنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ. وأوصِيِه بِالأنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ
_________________
(١) سقط من المخطوط (ب).
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي "البخاري": (معها).
[ ١١ / ٢٩٥ ]
قَبْلِهِمْ أنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وأنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ. وأُوصِيِه بِأهْلِ الأمْصَارِ خَيْرًا، فَهُمْ رِدْءُ الإسْلامِ، وَجُباةُ المَالِ، وَغَيْظُ العَدُوّ، وأنْ لا يُؤخَذَ منْهُمْ إلَّا فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ. وأُوصِيهِ بالأعْرَابِ خَيْرًا، فإنَّهُمْ أصْلُ العَرَبِ، وَمادةُ الإسْلامِ، أنْ يُوْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أمْوَالهِمْ، [وَتُرَدَّ] (^١) فِي فُقَرائِهِمْ. وأوصِيهِ بِذِمَّةِ الله وَذِمَّةِ رسْولِهِ أنْ يُوَفِّيَ لهُمْ بِعَهْدِهِم وأنْ يُقاتِلَ مَنْ وَرَاءَهُمْ، ولَا يُكَلَّفُوا إلا طَاقَتهُمْ.
فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنا بِهِ فانْطَلَقْنا نَمْشِي، فَسَلَّمَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: يَسْتأذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قالَتْ: أدْخِلُوهُ، فَدْخلَ، فَوُضِعَ هُنالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ.
فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ الرَّهْطُ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلُوا أمْرَكُمْ إلى ثَلاثَةٍ منْكُمْ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عَلِيّ، فَقالَ طَلْحَةُ: قَدَ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عُثْمانَ، وَقالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أيُّكُما يَبَرأ مِنْ هَذَا الأمْرِ فَنَجْعَلُهُ إلَيْهِ والله عَلَيْهِ وَالإِسْلامُ لَيَنْظُرَنَّ أفَضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فأُسْكِتَ الشَّيْخانِ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أفَتَجْعَلُونَهُ إليَّ، والله عَليَّ أنْ لا آلُوَ عَنْ أفْضَلِكُمْ، قالا: نَعَمْ، فأخَذَ بِيَدِ أحَدِهِمْ فَقالَ: لَكَ مِنْ قَرَابَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَالقَدَمِ فِي الإسْلامِ ما قَدْ عَلِمْتَ، فالله عَلَيْكَ لَئِنْ أمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أمَّرْتُ عُثْمانَ لَتَسْمَعَنَ وَلَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خلَا بالآخَرِ فَقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلكَ؛ فَلَمَّا أخَذَ المِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يا عُثْمانُ، فَبايَعَهُ وَبَايَعَهُ عِليٌّ، وَوَلَجَ أهْلُ الدَّارِ فَبايَعُوهُ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (^٢). [صحيح]
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِه مَنْ رَأى [أنَّ] (^٣) لِلْوَصي وَالوَكِيلِ أنْ يُوَكِّلا).
قوله: (عن عمرو بن ميمون) هو الأودي، وهذا الحديث بطوله رواه عن عمرو بن ميمون جماعة.
قوله: (قبل أن يصاب بأيام)، أي: أربعة كما بيَّن فيما بعد.
_________________
(١) في المخطوط (ب): (ويرد).
(٢) في صحيحه رقم (٣٧٠٠).
(٣) زيادة من المخطوط (ب).
[ ١١ / ٢٩٦ ]
قوله: (بالمدينة) أي: بعد أن صدر من الحج.
قوله: (أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق) الأرض المشار إليها هي أرض السواد وكان عمر بعثهما يضربان عليها الخراج وعلى أهلها الجزية كما بيّن ذلك أبو عبيد في كتاب الأموال (^١) من رواية عمرو بن ميمون المذكور؛ والمراد بقوله: "انظرا"، أي: في التحميل، أو هو كناية عن الحذر؛ لأنَّه يستلزم النظر.
قوله: (قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة)، في رواية ابن أبي شيبة (^٢): عن محمد بن فضيل عن حصين بهذا الإسناد، فقال حذيفة: لو شئت لأضعفت أرضي، أي: جعلت خراجها ضعفين.
وقال عثمان بن حنيف: لقد حملت أرضي أمرًا هي له مطيقة.
وفي رواية له (^٣): "إن عمر قال لعثمان بن حنيف: لئن زدت على كل رأس درهمين وعلى كل جريب درهمًا وقفيزًا من طعام لأطاقوا ذلك؟ قال: نعم".
قوله: (إني لقائم) أي: في الصف ننتظر صلاة الصبح.
قوله: (قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه)، في رواية أخرى (^٤): "فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فناجى عمر غير بعيد ثم طعنه ثلاث طعنات، فرأيت عمر قائلًا بيده هكذا يقول: دونكم الكلب فقد قتلني"، واسم أبي لؤلؤة فيروز.
وروى ابن سعد (^٥) بإسناد صحيح إلى الزهري قال: "كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلامًا عنده صنعًا، ويستأذنه أن يدخله المدينة ويقول: إن عنده أعمالًا تنفع الناس، إنه حداد نقاش نجار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة، فشكا
_________________
(١) (ص ٧٢ رقم ١٨١).
(٢) في المصنف (١٢/ ٢٥٩).
(٣) في المصنف (١٢/ ٢٥٩، ٢٦٠).
(٤) في الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣٤٨) وفيه الواقدي. والمناقب لابن الجوزي (ص ٢١٦).
(٥) في الطبقات الكبرى له (٣/ ٣٤٥): بسند صحيح إلى الزهري.
[ ١١ / ٢٩٧ ]
إلى عمر شدة الخراج، فقال له عمر: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطًا، فلبث عمر ليالي، فمر به العبد فقال له: ألم أحدث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحًا (^١) تطحن بالريح، فالتفت إليه عابسًا فقال له: لأصنعن لك رحًا يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه فقال: توعَّدني العبد، فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة، وكان عمر يفعل ذلك؛ فلما دنا منه عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق (^٢) وهي التي قتلته.
قوله: (حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا) في رواية ابن إسحاق (^٣): "اثني عشر رجلًا معه وهو ثالث عشر"، وزاد ابن إسحاق (^٤) من رواية إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون: "وعلى عمر إزار أصفر قد رفعه على صدره، فلما طعن قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ (^٥) ".
قوله: (مات منهم [سبعة]) (^٦)، أي: وعاش الباقون.
قال الحافظ (^٧): وقفت من أسمائهم على كليب بن بكير الليثي.
قوله: (فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه برنسًا)، وقع في ذيل الاستيعاب لابن فتحون (^٨) من طريق سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا أبي،
_________________
(١) رحا، رحى، يجوز فيها الوجهان.
(٢) قال الفيروزآبادي في القاموس (ص ١١٦٣): "الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والمصران، أو جلد البطن كله. وانظر: النهاية (٢/ ٣٩).
(٣) ابن شبة: تاريخ المدينة (٣/ ٩٠٩) بسند فيه مقبول، وابن الجوزي في المناقب (ص ٢٢٢).
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ٣٢٩) بسند صحيح، فيه الأعمش، مدل، وقد عنعن، لكن روايته محمولة على السماع.
(٥) سورة الأحزاب، الآية: (٣٨).
(٦) في المخطوط (أ): (تسعة).
(٧) في "الفتح" (٧/ ٦٣).
(٨) "الذيل على الاستيعاب"، ابن فرحون، (أبو بكر، محمد بن أبي القاسم الأندلسي ت ٥١٩ هـ). [معجم المصنفات (ص ١٩٦ رقم ٥٥٠)].
[ ١١ / ٢٩٨ ]
حدثني من سمع حصين بن عبد الرحمن في هذه القصة قال: "فلما رأى ذلك رجل من المهاجرين يقال له: خطاب التميمي اليربوعي … " فذكر الحديث.
وروى ابن سعد (^١) بإسناد ضعيف منقطع قال: "فأخذ أبا لؤلؤة رهطٌ من قريش، منهم: عبد الله بن عوف، وهاشم بن عتبة الزُّهريَّان، ورجل من بني تميم، وطرح عليه عبد الله بن عوف خميصةً كانت عليه".
قال الحافظ (^٢): فإن ثبت هذا حمل على أن الكل اشتركوا في ذلك.
قوله: (فقدمه)، أي: للصلاة بالناس.
قوله: (فصلَّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفةً)، في رواية ابن إسحاق (^٣): "بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾.
زاد في رواية ابن شهاب (^٤): "ثم غلب على عمر النزف حتى غشي عليه، فاحتملته في رهط حتى أدخلته بيته، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، فنظر في وجوهنا فقال: أصلى الناس؟ فقلت: نعم، قال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم توضأ وصلى".
وفي رواية ابن سعد (^٥) من طريق ابن عمر قال: "فتوضأ وصلى الصبح، فقرأ في الأولى: ﴿وَالْعَصرِ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ قال: وتساند إلي وجرحه يثعب (^٦) دمًا إني لأضع أصبعي الوسطي فما تسدُّ الفتقَ".
_________________
(١) في الطبقات الكبرى (٣/ ٣٤٧) بسند ضعيف.
(٢) في "الفتح" (٧/ ٦٣).
(٣) الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣٤٠، ٣٤١) وابن شبة: تاريخ المدينة (٣/ ٨٩٧) وفيه أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس وقد عنعن.
(٤) الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣٤٥ - ٣٤٦) بسند صحيح إلى الزهري.
(٥) في الطبقات الكبرى له (٣/ ٣٤٩).
(٦) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٠٩): أي يجري. وقال الفيروزآبادي في القاموس المحيط (ص ٨٠): ثغب الماء والذَم: كمنع: فجَّرهُ فانثغب، وماءٌ ثَعْبٌ وثَعَبٌ وأُثْعُوبٌ وأُثْعَبان: سال.
[ ١١ / ٢٩٩ ]
قوله: (فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني)، في رواية ابن إسحاق (^١): "فقال عمر: يا عبد الله بن عباس اخْرُجْ فنادِ في الناس: أعَنْ مَلأٍ منكم كان هذا؟ فقالوا: مَعَاذَ الله ما علمنا ولا اطلعنا"، وزاد مبارك بن فضالة: "فظن عمر أن له ذنبًا إلى الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس وكان يحبه ويدنيه، فقال: أحب أن تعلم عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فكأنما فقدوا أبكار أولادهم، قال ابن عباس: فرأيت البِشْرَ في وجهه".
قوله: (الصَّنَع) بفتح المهملة والنون، وفي رواية ابن فضيل عن حصين عند ابن أبي شيبة وابن سعد: (الصناعُ) بتخفيف النون. قال أهلُ اللغة (^٢): رجلٌ صَنَعُ اليدِ واللِّسانِ، وامرأةٌ صَنَاعٌ.
وحكى أبو زيد: الصناع والصنع يقعان معًا على الرجل والمرأة.
قوله: (لم يجعل مِيْتتي) بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها مثناة فوقية: أي قتلتي. وفي رواية الكشميهني (^٣): "مَنِيَّتي" بفتح الميم وكسر النون وتشديد التحتانية.
قوله: (رجل يدَّعي الإسلام).
في رواية ابن شهاب (^٤): "فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجُّني عند الله لسجدة سجدها له قط".
وفي رواية (^٥) مبارك بن فضالة: "يحاجُّني يقول: لا إله إلا الله".
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣٤١).
(٢) قال في القاموس المحيط (ص ٩٥٤): "رجالٌ ونسوةٌ صُنُعُ بضمتين، ورجل صَنَعُ اللسان، محركه، ولسانٌ صَنَعٌ. يقال للشاعر ولكل بليغ، وإمراة صَناع اليدين: كسحابٍ، حاذقة ماهرةٌ بعمل اليدين وامرأتان صناعان ونسوةٌ صُنُعٌ.
(٣) ذكره الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٤).
(٤) ابن شبة: تاريخ المدينة (٣/ ٩٠٢) بسند حسن. فيه إبراهيم بن المنذر الحزامي صدوق. [التقريب رقم (٢٥٣)].
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في (مجمع البحرين) (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٥ رقم ٣٦٧٣) بسند حسن.
[ ١١ / ٣٠٠ ]
وفي حديث جابر (^١): "فقال عمر: لا تعجلوا على الذي قتلني، فقيل: إنه [قد] (^٢) قتل نفسه، فاسترجع عمر، فقيل له: إنه أبو لؤلؤة، فقال: الله أكبر".
قوله: (قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة)، في رواية ابن سعد (^٣): فقال عمر: "هذا من عمل أصحابك، كنت أريد أن لا يدخلها علج من السبي فغلبتموني".
وروى عمر بن (^٤) شبة من طريق ابن سيرين قال: "بلغني أن العباس قال لعمر لما قال: لا تدخلوا علينا من السبي إلا الوصيف: إن عمل أهل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج".
قوله: (إن شئت فعلت) إلخ، قال ابن التين (٥): إنما قال له ذلك لعلمه بأن عمر لا يأمره بقتلهم.
قوله: (كذبت) إلخ، هو على ما ألف من شدة عمر في الدين لأنَّه فهم من ابن عباس أن مراده: إن شئت قتلناهم، فأجابه بذلك، وأهل الحجاز يقولون: كذبت في موضع أخطأت، ولعل ابن عباس إنما أراد قتل من لم يسلم منهم.
قوله: (فأتي بنبيذ فشربه) زاد في حديث أبي رافع: "لينظر ما قدر جرحه".
قوله: (فخرج من جرحه)، هذه رواية الكشميهني (^٥)، [وهي] (^٦) الصواب.
ورواية غيره: "فخرج من جوفه".
وفي راوية أبي رافع: "فخرج النبيذ فلم يدر أنبيذ هو أم دم" (^٧).
_________________
(١) ذكره الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٤).
(٢) زيادة من المخطوط (ب).
(٣) في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٣٤٩، ٣٥٠). وأخرجه البلاذرى في أنساب الأشراف (ص ٢٧٣). وهو صحيح.
(٤) عزاه إليه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٤). قلت: وأخرج نحوه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٤٥) بسند صحيح إلى ابن شهاب.
(٥) ذكره الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٤).
(٦) في المخطوط (ب): (وهو).
(٧) أخرج أحمد في المسند (١/ ٤٢) عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر ﵁: أرسِلُوا إليَّ طبيبًا ينظُرُ إلى جُرحي هذا. قال: فأرسَلُوا إلى طبيبٍ من العرب، فسقي عُمرَ =
[ ١١ / ٣٠١ ]
وفي روايته أيضًا: "فقال: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، فقال: إن يكن القتل بأسًا فقد قتلت"، والمراد بالنبيذ المذكور تمرات نبذن في ماء، أي: نقعت فيه، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء، وسيأتي الكلام عليه.
قوله: (وجاء رجل شاب) في رواية للبخاري (^١) في الجنائز: "وولج عليه شابٌ من الأنصار"، وفي إنكار عمر على الشاب المذكور استرسال إزاره مع ما هو فيه من مكابدة الموت أعظم دليل على صلابته في الدِّين ومراعاته لمصالح المسلمين.
قوله: (وقدم) بفتح القاف وكسرها، فالأول بمعنى الفضل، والثاني بمعنى السبق.
قوله: (ثم شهادةٌ) بالرفع عطفًا على ما قد علمت لأنَّه مبتدأ وخبره لك المتقدم، ويجوز عطفه على صحبة فيكون مجرورًا، ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق لمحذوف، وفي رواية جرير: "ثم الشهادة بعد هذا كله".
قوله: (لا عليَّ ولا لي) أي سواء بسواء.
قوله: (أنقى لثوبك) بالنون ثم القاف للأكثر، وبالموحدة بدل النون للكشميهني (^٢).
قوله: (فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا) ونحوه في حديث جابر "ثم قال: يا عبد الله أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك
_________________
(١) = نبيذًا فشبه النبيذُ بالدَّم حين خَرج من الطعنة التي تحتَ السُّرة، قال: فدعوتُ طبيبًا آخر من الأنصار من بني معاوية، فسقاه لبنًا، فخرج اللَّبنُ من الطعنة صَلْدًا أبيضَ، فقال له الطبيب: يا أمير المؤمنين، اعهَدْ. فقال عمر: صَدقني أخو بني معاوية، ولو قلتَ غيرَ ذلك كذبتُك، قال: فبكى عليه القومُ حين سَمِعوا ذلك، فقال: لا تبكُوا علينا، من كان باكيًا فليخرجْ، ألم تسمعوا ما قال رسول الله ﷺ، قال: "يُعَذَّبُ الميِّتُ ببكاء أهلِهِ عليهِ " فمن أجل ذلك كان عبد الله لا يُقرُّ أن يُبكى عِندَه على هالكٍ من ولده ولا غيرهم. وهو حديث صحيح. • قلت: والبكاء المنهي عنه إنما هو النياحة، أو أن يكون قد أوصى هو بذلك. انظر: صحيح مسلم رقم (٩٢٩).
(٢) البخاري في صحيحه رقم (١٣٩٢).
(٣) ذكره الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٦).
[ ١١ / ٣٠٢ ]
حتى تبيع من رباع آل عمر بثلاثين ألفًا فتضعها في بيت مال المسلمين، فسأل عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنفقتها في حجج [حججتها] (^١) وفي نوائب كانت تنوبني، وعرف بهذا جهة دين عمر".
ووقع في "أخبار المدينة" لمحمد بن الحسن بن زبالة (^٢) أن دَيْن عمر كان ستَّةً وعشرينَ ألفا، وبه جزمَ عياضٌ.
قال الحافظ (^٣): والأوَّلُ هو المعتمد.
قوله: (فإن وفى له مال آل عمر) كأنه يريد نفسه، ومثله يقع في كلامهم كثيرًا، ويحتمل أن يريد رهطه.
قوله: (وإلا فسل في بني عدي بن كعب)، [هو] (^٤) البطن الذي هو منهم وقريش قبيلته.
قوله: (لا تعدهم) بسكون العين: أي لا تتجاوزهم.
وقد أنكر نافع مولى ابن عمر أن يكون على عمر دين؛ فروى عمر بن شبة في كتاب المدينة (^٥) بإسناد صحيح أن نافعًا قال: من أين يكون على عمر دين؟ وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف؟ اهـ.
قال في الفتح (^٦): وهذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دين، فقد يكون الشخص كثير المال ولا يستلزم نفي الدين عنه، فلعل نافعًا أنكر أن يكون دينه لم يقض.
قوله: (فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا)، قال ابن التين (^٧): إنما قال ذلك
_________________
(١) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).
(٢) "أخبار المدينة" محمد بن الحسن المخزومي (المعروف بابن زبالة، ت ١٩١ هـ). نشره وستنفلد، واستلَّه من كتاب "وفاء الوفا" لأبي الحسن علي بن عبد الله السمهودي (ت ١٩١ هـ). [معجم المصنفات (ص ٤٦ رقم ٣٥)].
(٣) في "الفتح" (٧/ ٦٦).
(٤) في المخطوط (ب): (فهو).
(٥) (٣/ ١٥١) سند صحيح.
(٦) (٧/ ٦٦).
(٧) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٦).
[ ١١ / ٣٠٣ ]
عندما أيقن بالموت، أشار بذلك إلى عائشة حتى لا تحابيه لكونه أمير المؤمنين.
وأشار ابن التين (^١) أيضًا إلى أنه أراد أن تعلم أن سؤاله لها بطريق الطلب لا بطريق الأمر.
قوله: (ولأوثرنه) استدل بذلك على أنها كانت تملك البيت، وفيه نظر، بل الواقع أنها كانت تملك منفعته بالسُّكنى فيه والإسكان، ولا يورث عنها، وحكم أزواج النبيّ ﷺ كالمعتدَّات لأنهنَّ لا يتزوَّجن بعده ﷺ.
قوله: (ارفعوني) أي من الأرض، كأنه كان مضطجعًا فأمرهم أن يقعدوه.
قوله: (فأسنده رجل إليه)، قال الحافظ في الفتح (^٢): لم أقف على اسمه، ويحتمل أنه ابن عباس.
قوله: (فإن أذنت لي فأدخلوني)، ذكر ابن سعد (^٣) عن معن بن عيسى عن مالك أن عمر كان يخشى أن تكون أذنت في حياته حياء منه وأن ترجع عن ذلك بعد موته، فأراد أن لا يكرهها على ذلك.
قوله: (فولجت عليه) أي دخلت على عمر، في رواية الكشميهني (^٤): "فبكت"، وفي رواية غيره: "فمكثت".
وذكر ابن سعد (^٥) بإسناد صحيح عن المقدام بن معديكرب أنها قالت: "يا صاحب رسول الله، [يا صَهْير] (^٦) رسول الله، يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لا صبر لي على ما أسمع أحرّج عليك بما لي من الحق عليك أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عيناك فلن أملكهما".
قوله: (فولجت داخلًا لهم) أي مدخلًا كان في الدار.
قوله: (أوص يا أمير المؤمنين استخلف)، في البخاري (^٧) في كتاب
_________________
(١) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٦).
(٢) (٧/ ٦٦).
(٣) في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٣٦٣) وفيه الواقدي، وفي المناقب (ص ٢٢١) لابن الجوزي.
(٤) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٦).
(٥) في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٣٦١) بسند صحيح.
(٦) كذا في المخطوط (أ) و(ب)، والصواب [يا صِهْر] كما في الطبقات الكبرى.
(٧) في صحيحه (١٣/ ٢٠٥ رقم الباب ٥١ رقم ٧٢١٨ - مع الفتح).
[ ١١ / ٣٠٤ ]
الأحكام منه أن الذي قال ذلك هو عبد الله بن عمر.
قوله: (من هؤلاء النفر أو الرهط) شك من الراوي.
قوله: (فسمى عليًا، إلخ) قد استشكل اقتصاره على هؤلاء الستة من العشرة المبشرين بالجنة.
وأجيب بأنه أحدهم وكذلك أبو بكر ومنهم أبو عبيدة وقد مات قبله، وأما سعيد بن زيد فلما كانَ ابنَ عمِّ عمرَ لم يسمِّهِ فيهم مبالغةً في التَّبرِّي من الأمر. وصرَّح المدائنيُّ بأسانيده أن عمر عد سعيد بن زيد فيمن توفي النبي ﷺ وهو عنهم راضٍ، إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه وقال: "لا أربَ لي في أموركم فأرغبُ فيها لأحد من أهلي".
قوله: (يشهدكم عبد الله بن عمر، إلخ)، في رواية للطبري (^١): "فقال له رجل: استخلف عبد الله بن عمر. قال: والله ما أردت الله بهذه".
وأخرج نحوه ابن سعد (^٢) بإسناد صحيح من مرسل النخعي، ولفظه: "فقال عمر: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، أستخلف من لم يحسن [أن] (^٣) يطلق امرأته".
قوله: (كهيئة التعزية له) أي: لابن عمر؛ لأنَّه لما أخرجه من أهل الشورى في الخلافة أراد جبر خاطره بأن جعله من أهل المشاورة.
وزعم الكرماني (^٤) أن هذا من كلام الراوي لا من كلام عمر.
قوله: (الإمرة) بكسر الهمزة، وللكشميهني (^٥): "الإمارة" زاد المدائني: "وما أظن أن يلي هذا الأمر إلا علي أو عثمان؛ فمن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي فسيختلف عليه الناس".
_________________
(١) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٧) من طريق المدائني بأسانيده.
(٢) في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٣٤٣) بسند صحيح.
(٣) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).
(٤) في شرحه لصحيح البخاري (١٤/ ٢٣٩).
(٥) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٧).
[ ١١ / ٣٠٥ ]
قوله: (بالمهاجرين الأولين)، هم من صلى القبلتين. وقيل: من شهد بيعة الرضوان.
قوله: (الذين تبوءوا)، أي: سكنوا المدينة قبل الهجرة، وادَّعى بعضهم أن الإيمان المذكور هنا من أسماء المدينة وهو بعيد.
قال الحافظ (^١): والراجح أنه ضمن تبوءوا هنا معنى لزموا، أو عامل نصبه محذوف تقديره واعتقدوا، أو أن الإيمان لشدة ثبوته في قلوبهم كأنه أحاط بهم فكأنهم نزلوه.
قوله: (فهم ردء الإسلام)، أي: عون الإسلام الذي يدفع عنه وغيظ العدو: أي يغيظون العدو بكثرتهم وقوتهم.
قوله: (إلا فضلهم)، أي: إلا ما فضل عنهم.
قوله: (من حواشي أموالهم) أي ما ليس بخيار؛ والمراد بذمة الله: أهل الذمة؛ والمراد بالقتال من ورائهم: أي إذا قصدهم عدو.
قوله: (فانطلقنا) في رواية الكشميهني (^٢): "فانقلبنا"، أي: رجعنا.
قوله: (فوضع هنالك مع صاحبيه) قد اختلف في صفة القبور الثلاثة المكرمة، فالأكثر على أن قبر أبي بكر وراء قبر النبي ﷺ، وقبر عمر وراء قبر أبي بكر، وقيل: إن قبره ﷺ تقدم إلى القبلة، وقبر أبي بكر حذاء منكبيه، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر. وقيل: قبر أبي بكر عند رجلي رسول الله ﷺ، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر. وقيل غير ذلك.
قوله: (اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم)، أي في الاختيار ليقل الاختلاف، كذا قال ابن التين (^٣)، وصرح ابن المدائني في روايته بخلاف ذلك.
قوله: (والله عليه والإسلام) بالرفع فيهما والخبر محذوف: أي عليه رقيب أو نحو ذلك.
قوله: (أفضلهم في نفسه) أي: في معتقده، زاد المدائني في رواية: "فقال
_________________
(١) في "الفتح" (٧/ ٦٨).
(٢) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٨).
(٣) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٦٨) وقال الحافظ: فيه نظر.
[ ١١ / ٣٠٦ ]
عثمان: أنا أول من رضي، وقال علي: أعطني موثقًا لتؤثرن الحق ولا تخصَنَّ ذا رحم، فقال: نعم".
قوله: (فأُسكت) بضم الهمزة وكسر الكاف كأن مسكتًا أسكتهما، ويجوز فتح الهمزة والكاف، أو هو بمعنى سكت، والمراد بالشيخين علي وعثمان.
قوله: (فأخذ بيد أحدهما) هو علي، والمراد بالآخر في قوله: "ثم خلا بالآخر"، هو عثمان كما يدل على ذلك سياق الكلام.
قوله: (والقدم) بكسر القاف وفتحها كما تقدم، زاد المدائني: "أن عبد الرحمن قال لعلي: أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنت ترى أحق بها من هؤلاء الرهط، قال: عثمان، ثم قال لعثمان كذلك، فقال: علي"، وزاد أيضًا: "أن سعدًا أشار على عبد الرحمن بعثمان، وأنَّه دار تلك الليالي كلها على الصحابة، ومن وافى المدينة من أشراف الناس، لا يخلو برجل منهم إلا أمره بعثمان".
وفي هذا الأثر دليل على أنه يجوز جعل أمر الخلافة شورى بين جماعة من أهل الفضل والعلم والصلاح (^١)،
_________________
(١) وقال ابن عمر ﵄: "دخل الرهط على عمر قبيل أن ينزل به عبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، فنظر إليهم فقال: إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقًا إلا أن يكون فيكم، فمن كان شقاق فهو فيكم، وإنما الأمر إلى ستة: إلى عبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد، وكان طلحة غائبًا في أمواله بالسراة. ثم إن قومكم إنما يؤمِّرون أحدكم أيها الثلاثة لعبد الرحمن وعثمان وعلي، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمر الناس فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا علي فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس. ثم قال: قوموا فتشاورا فأمّروا أحدكم. قال عبد الله بن عمر: فقاموا يتشاورون، فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر، ولا والله ما أحب أني كنت فيه، علمًا أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي، والله لقل ما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان حقًّا. فلما أكثر عثمان عليّ قلت له: ألا تعقلون؟ أتؤمّرون وأمير المؤمنين حي؟! فوالله لكأنما =
[ ١١ / ٣٠٧ ]
كما يجوز الاستخلاف (^١) وعقد أهل الحل والعقد.
قال النووي (^٢) وغيره (^٣): أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى
_________________
(١) = أيقظت عمر من مرقد، فقال عمر: أمهلوا فمن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب ثلاثًا، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه". اهـ. أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٣٤٤) بسند متصل ورجاله ثقات. فمن الأثر صحيح والله أعلم.
(٢) أخرج البخاري رقم (٧٢١٨) ومسلم رقم (١٨٢٣) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيلَ لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إنْ أستخلف فقد استخلف من هو خيرٌ مني أبو بكر، وإنْ أترُكْ فقد ترك مَنْ هو خيرٌ مني رسول الله ﷺ ". اهـ.
(٣) في شرحه لصحيح مسلم (١٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦) وإليك ما قاله النووي بتمامه: "حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي ﷺ في هذا، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر. وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة. وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة. وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل. وأما ما حكي عن الأصم أنه قال: لا يجب، وعن غيره: أنه يجب بالعقل لا بالشرع فباطلان. أما الأصم فمحجوج بإجماع من قبله، ولا حجة له في بقاء الصحابة بلا خليفة في مدة التشاور يوم السقيفة، وأيام الشورى بعد وفاة عمر ﵁؛ لأنهم لم يكونوا تاركين لنصب الخليفة بل كانوا ساعين في النظر في أمر من يعقد له. وأما القائل الآخر ففساد قوله ظاهر؛ لأن العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحسنه، ولا يقبحه، وإنما يقع ذلك بحسب العادة لا بذاته. وفى هذا الحديث دليل أن النبي ﷺ لم ينص على خليفة وهو إجماع أهل السنة وغيرهم. قال القاضي - عياض -: وخالف في ذلك بكر بن أخت عبد الواحد، فزعم أنه نص على أبي بكر، وقال ابن راوندي: نص على العباس، وقالت الشيعة والرافضة: على عليّ. وهذه دعاوى باطلة وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس، وذلك لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد. ولم يدع علي، ولا العباس، ولا أبو بكر، وصية في وقت من الأوقات؛ وقد اتفق عليّ، والعباس، على جميع هذا من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت، فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ واستمرارها عليه، وكيف يحل لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة على الباطل في كل هذه الأحوال، ولو كان شيء لنقل فإنه من الأمور المهمة". اهـ.
(٤) قال ابن العربي ﵀: أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ ما نص على أحد يكون =
[ ١١ / ٣٠٨ ]
انعقادها. بعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخلافة شورى بين عدد محصور أو غيره.
وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل.
وخالف بعضهم كالأصم وبعض الخوارج (^١) فقالوا: لا يجب نصب الخليفة. وخالف بعض المعتزلة فقالوا: يجب بالعقل لا بالشرع، وهما باطلان، وللكلام موضع غير هذا.
_________________
(١) = بعده". [العواصم من القواصم (ص ١٨٥)].
(٢) انقسم الخوارج في هذا الأمر إلى قسمين: (الفريق الأول): وهم عامة الخوارج. وهؤلاء يوجبون نصب الإمام والانضواء تحت رايته والقتال معه ما دام على الطريق الأمثل الذي ارتأوه له. (والفريق الثاني): وهم "المحكمة" و"النجدات" و"الإباضية" فيما نقل عنهم. وهؤلاء يرون أنه قد يستغني عن الإمام إذا تناصف الناس فيما بينهم وإذا احتيج إليه فمن أي جنس كان ما دام كفئًا لتولي الإمامة. ومن مبرراتهم:
(٣) استنادهم إلى المبدأ القائل: لا حكم إلا الله، والمعنى الحرفي لهذا المبدأ يشير صراحة إلى أنه لا ضرورة لوجود الحكومة مطلقًا.
(٤) أن الحكم ليس من اختصاص البشر بل تهيمن عليه قوة علوية.
(٥) إن الضروري هو تطبيق أحكام الشريعة، فإذا تمكن الناس من تطبيقها بأنفسهم فلا حاجة إلى نصب خليفة.
(٦) ربما ينحصر وجود الإمام في بطانة قليلة وينعزل عن الأغلبية فيكون بعيدًا عن تفهم مشاكل المسلمين فلا يبقى لوجوده فائدة.
(٧) أن النبي ﷺ لم يشر صراحة، ولا وضع شروطًا لوجود الخلفاء من بعده.
(٨) أن كتاب الله لم يبين حتمية وجود إمام وإنما أبان ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. وهذه المبررات واهية، ولا تكفي للقول بالاستغناء عن نصب الخليفة حتى أن "المحكمة" حينما انفصلوا ولّوا عليهم: عبد الله بن وهب الراسبي. و"النجدات" حينما انفصلوا، تزعمهم: نجدة بن عامر. وأما "الإباضية" تذكر بعض مصادرهم المتوفرة لي، أن هذا القول إنما نسبه إليهم خصومهم بقصد الإشاعة الباطلة عنهم. [فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها (١/ ١١٣ - ١١٤)].
[ ١١ / ٣٠٩ ]