٣٥/ ٢٦٥٥ - (عَنْ أمّ سَلَمَةَ قالَتْ: كُنْت عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَيْمُونَة، فأَقْبَلَ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرَ بِالحِجَابِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: "احْتَجِبا مِنْه"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسَ أَعْمَى لا يُبْصِرنا وَلَا يَعْرِفُنا؟ فَقالَ: "أفَعَمْيَاوَانِ أنْتُما، ألَسْتُما تُبْصِرَانِهِ؟ "، رَوَاهُ أَحْمَد (^٣) وأبُو دَاوُدَ (^٤) وَالتِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ) (^٥). [ضعيف]
_________________
(١) في السنن الكبرى (٨/ ٢٢٤).
(٢) القاموس المحيط (ص ٣٤٤).
(٣) في المسند (٦/ ٢٩٦).
(٤) في سننه رقم (٤١١٢).
(٥) في سننه رقم (٢٧٧٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" رقم (٢٨٩) وأبو يعلى رقم (٦٩٢٢) =
[ ١٢ / ٦٣ ]
٣٦/ ٢٦٥٦ - (وَعَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُني بِرِدَائِهِ وَأنا أنْظُرُ إلى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ حتى أكُونَ أنا [الّتِي] (^١) أسأمُه، فاقْدُروا قَدْرَ الجارِيَةِ الحديثَة السِّن الحَرِيصَة عَلى اللهْوِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]
ولأحمْدَ (^٣): أنَّ الحَبَشَة كَانُوا يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَوْمِ عِيد، قالت: فَاطَّلَعْت مِنْ فَوق عاتِقِهِ فَطأطأ لي مَنْكبَيْهِ، فَجَعَلْتُ أنْظُر إِلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ عاتِقِهِ حَتَّى شَبِعْت ثمَّ انْصَرَفت). [صحيح]
حديث أمّ سلمة أخرجه أيضًا النسائي (^٤) وابن حبان (^٥) وفي إسناده نبهان (^٦) مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق.
_________________
(١) = وابن حبان رقم (٥٥٧٥) والطبراني في المعجم الكبير (ج ٢٣ رقم ٦٧٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩١ - ٩٢) والخطيب في تاريخه (٣/ ١٧)، من طرق. إسناده ضعيف؛ نبهان - وهو مولى أم سلمة ومكاتبها - لم يذكروا في الرواة عنه سوى الزهرى، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة. قال الدارقطني في رواية محمد بن عبد الرحمن: غير محفوظ. وقال ابن حزم في "المحلى" (٣/ ١١): "لا يوثق". وقال الإمام أحمد في المغني (٩/ ٥٠٧): نبهان روى حديثين عجيبين: (الأول): حديث أم سلمة ولفظه: "إذا كان لإحداكن مكاتبٌ، فكانَ عندَهُ ما يؤدِّي، فلتحجِبْ منه". (والثاني): هذا الحديث. ثم إن متن هذا الحديث معارض بأحاديث صحيحة: منها الحديث الآتي برقم (٣٦/ ٢٦٥٦) من كتابنا هذا. والحديث المتقدم برقم (١٧/ ٢٦٣٧) من كتابنا هذا. وخلاصة القول: أن حديث أم سلمة حديث ضعيف، والله أعلم.
(٢) في المخطوط (ب): "الذي".
(٣) أخرجه أحممد في المسند (٦/ ٢٧٠) والبخارى رقم (٤٥٤) ومسلم رقم (١٨/ ٨٩٢).
(٤) في المسند (٦/ ٥٦ - ٥٧) بسند صحيح على شرط الشيخين.
(٥) في السنن الكبرى (رقم ٩٢٤١ - العلمية).
(٦) في صحيحه رقم (٥٥٧٥) وقد تقدم.
(٧) قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٧/ ٥٤٦ - العلمية): "حديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماع الزهري من نبهان، إلا أن صاحبي الصحيح لم يخرجاه، إما لأنهما لم يجدا ثقة يروي منه غير الزهري فهو عندهما لا يرتفع عنه اسم الجهالة برواية واحد عنه، أو لأنه لم يثبت عندهما من عدالته ومعرفته ما يوجب قبول خبره". اهـ
[ ١٢ / ٦٤ ]
وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ (^١): "أنها احتجبت من أعمى، فقيل لها: إنه لا ينظر إليك، قالت: لكني أنظر إليه".
وقد استدلّ بحديث أمّ سلمة هذا من قال: إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة، وهو أحد قولي الشافعي (^٢) وأحمد (^٣) والهادوية (^٤). قال النووي (^٥): وهو الأصحّ [للحديث] (^٦)، ولقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (^٧)، ولأن النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهنّ النظر إلى النوع الآخر قياسًا على الرجال.
ويحققه أن المعنى المحرّم للنظر هو خوف الفتنة، وهذا في المرأة أبلغ فإنها أشدّ شهوة وأقلّ عقلًا، فتسارع إليها الفتنة أكثر من الرجل.
واحتجّ من قال بالجواز فيما عدا ما بين سرّته وركبته بحديث عائشة (^٨) المذكور في الباب.
ويجاب عنه بأنها كانت يومئذٍ غير مكلفة على ما تقضي به العبارة المذكورة في الباب، ويؤيد هذا احتجابها من الأعمى كما تقدم.
وقد جزم النووي (^٩) بأن عائشة كانت صغيرة دون البلوغ أو كان ذلك قبل الحجاب.
_________________
(١) ذكره الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٣٠٩).
(٢) البيان للعمراني (٩/ ١٢٦).
(٣) المغني (٩/ ٥٠٦) فقد قال: "فصل: فأما نظرُ المرأة إلى الرجل، ففيه روايتان: (إحداهما): لها النظر إلى ما ليس بعورة. (والأخرى): لا يجوز لها النظر من الرجل إلّا إلى مِثلِ ما ينظرُ إليه منها. اختاره أبو بكر، وهذا أحدُ قولي الشافعي - للحديث المتقدم برقم (٣٥/ ٢٦٥٥) من كتابنا هذا - ولأن الله تعالى أمر النساءَ بغضِّ أبصارهنَّ، كما أمر الرجالَ به، .. ولنا قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعتدي في بيت ابن أمِّ مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابكِ فلا يراكِ" متفق عليه. ولحديث عائشة المتقدم برقم (٣٦/ ٢٦٥٦) من كتابنا هذا. ويوم فرغ النبي ﷺ من خُطبة العيد، مضى إلى النساء فذكَّرهُنَّ ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة؛ ولأنهن لو منعن النظر، لوجبَ على الرجال الحجاب، كما وجب على النساء، لئلا ينظرن إليهم … ". اهـ.
(٤) البحر الزخار (٤/ ٣٧٩).
(٥) روضة الطالبين (٧/ ٢٥).
(٦) زيادة من المخطوط (ب).
(٧) سورة النور، الآية: (٣١).
(٨) تقدم برقم (٣٦/ ٢٦٥٦) من كتابنا هذا.
(٩) في شرحه لصحيح مسلم (٦/ ١٨٤).
[ ١٢ / ٦٥ ]
وتعقبه الحافظ (^١) بأن في بعض طرق الحديث أن ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة وأن قدومهم كان سنة سبع. ولعائشة يومئذٍ ستّ عشرة سنة.
واحتجوا أيضًا بحديث فاطمة بنت قيس المتفق عليه (^٢): "أنه ﷺ أمرها أن تعتدّ في بيت ابن أمّ مكتوم وقال: إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده".
ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غضّ البصر منها ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر.
واحتجوا أيضًا بالحديث الصحيح في مضيّ رسول الله ﷺ إلى النساء في يوم العيد عند الخطبة فذكرهنّ ومعه بلال فأمرهنّ بالصدقة، وقد تقدم (^٣).
ويجاب أيضًا بأن ذلك لا يستلزم النظر منهن إليهما لإمكان سماع الموعظة ودفع الصدقة مع غضّ البصر.
وقد جمع أبو داود (^٤) بين الأحاديث فجعل حديث أمّ سلمة (^٥) مختصًا بأزواج النبي ﷺ. وحديث فاطمة (٢) وما في معناه لجميع النساء.
قال الحافظ في التلخيص (^٦): قلت: وهذا جمع حسن وبه جمع المنذري في حواشيه واستحسنه شيخنا، انتهى.
وجمع في الفتح (^٧) بأن الأمر بالاحتجاب من ابن أمّ مكتوم لعله لكون الأعمى مظنة أن ينكشف منه شيء ولا يشعر به فلا يستلزم عدم جواز النظر مطلقًا.
قال: ويؤيد الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فَدَلَّ على مغايرة الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزالي (^٨).
_________________
(١) في "الفتح" (١/ ٥٥٠).
(٢) أحمد (٦/ ٤١٢) والبخاري رقم (٥٣٢١، ٥٣٢٢) ومسلم رقم (٣٦/ ١٤٨٠).
(٣) تقدم برقم (٢٤٩٨) من كتابنا هذا.
(٤) في سننه رقم (٤/ ٣٦٢).
(٥) تقدم برقم (٣٥/ ٢٦٥٥) من كتابنا هذا.
(٦) (٣/ ٣٠٩).
(٧) (٩/ ٣٣٧).
(٨) في الوسيط (٥/ ٣٧).
[ ١٢ / ٦٦ ]
قوله: (يلعبون في المسجد) فيه دليل على جواز ذلك في المسجد.
وحكى ابن التين (^١) عن أبي الحسن اللَّخْمِيِّ أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخٌ بالقرآن والسنة.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (^٢).
وأما السنة فحديث: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" (^٣)، وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادّعاه ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ.
وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرّح به في طرق هذا الحديث، كذا في الفتح (^٤).
وفي الحديث أيضًا جوازُ النظر إلى اللهو المباح، وفيه حُسْنُ خُلُقِه مع أهله، وكَرَمُ معاشرته.
قوله: (حتى شبعت)، فيه استعارة الشبع لقضاء الوطر من النظر.