١/ ٢٣٨٨ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيه عَنْ جَدِّه أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا ضَمانَ على مُؤْتَمنٍ"، رَوَاهُ الدّارَقُطْنيُّ) (^١) [إسناده ضعيف]
الحديث قال الحافظ (^٢): في إسناده ضعف.
وأخرجه الدارقطني (^٣) من طريق أخرى عنه بلفظ: "ليس على المستعير غير المغلِّ ضمان، ولا على المستودَعِ غيرِ المغلِّ ضمان"، وقال: إنما يروي هذا عن شريح غير مرفوع.
قال الحافظ (^٤): وفي إسناده ضعيفان.
قوله: (الوديعة) هي في اللغة (^٥) مأخوذة من السكون، يقال: ودع الشيء يدع: إذا سكن، فكأنها ساكنة عند المودع.
وقيل (^٦): مأخوذة من الدعة، وهي خفض العيش؛ لأنها غير مبتذلة بالانتفاع.
_________________
(١) في السنن (٣/ ٤١) رقم (١٦٧). قال الزيلعي في نصب الراية: (٤/ ١٤١): "قال في "التنقيح" (٣/ ٧٧): هذا إسناد لا يعتمد عليه، فإن يزيد بن عبد الملك ضعفه أحمد وغيره، وقال النسائي: متروك الحديث، وعبد الله بن شبيب ضعفوه". اهـ. والحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٨٩) وضعفه وصحح وقفه على شريح.
(٢) في "الدراية" (٢/ ١٩٠).
(٣) في السنن (٣/ ٤١) رقم (١٦٨)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٩١) من طريق الدارقطني. وقال الدارقطني: عمرو وعبيدة ضعيفان، وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع. وحديث شريح الموقوف أخرجه الدارقطني (٣/ ٤١) رقم (١٧٠) والبيهقي (٦/ ٩١) وقال: هذا هو المحفوظ.
(٤) في "التلخيص" (٣/ ٢١٠).
(٥) لسان العرب (٨/ ٣٨١) والصحاح (٣/ ١٢٩٦).
(٦) الصحاح (٣/ ١٢٩٦).
[ ١١ / ٩ ]
وفي الشرع (^١): العين التي يضعها مالكها عند آخر ليحفظها، وهي مشروعة إجماعًا.
والعاريَّة بتشديد الياء، قال في النهاية (^٢): كأنها منسوبة إلى العار، لأن طلبها عار، ويجمع على عواريّ مشددًّا.
وفي الشرع (^٣): إباحة منافع العين بغير عوض، وهي أيضًا مشروعة إجماعًا (^٤).
قوله: (لا ضمان على مؤتمن) فيه دليل على أنه لا ضمان على من كان أمينًا على عين من الأعيان كالوديع والمستعير.
أما الوديع فلا يضمن قيل: إجماعًا إلا لجناية منه على العين. وقد حكي في البحر (^٥) الإجماع على ذلك. وتأوّل ما حكي عن الحسن البصري (^٦) أن الوديع لا يضمن إلا بشرط الضمان بأن ذلك محمول على ضمان التفريط لا الجناية المتعمدة، والوجه في تضمينه الجناية أنه صار بها خائنًا، والخائن ضامن لقوله ﷺ: "ولا على المستودع غير المغلِّ ضمان"، و(^٧) المغِلُّ: هو الخائن، وهكذا يضمن الوديع إذا وقع منه تعدّ في حفظ العين لأنه نوع من الخيانة.
وأما العارية فذهبت العترة (^٨) والحنفية (^٩) والمالكية (^١٠) إلى أنها غير مضمونة على المستعير إذا لم يحصل منه تعدّ.
وقال ابن عباس (^١١) وأبو هريرة (^١٢) وعطاء (^١٣) والشافعي (^١٤) وأحمد (^١٥)
_________________
(١) المغني (٩/ ٢٥٦)، ومدونة الفقه المالكي وأدلته (٤/ ١٧).
(٢) (٢/ ٢٧١).
(٣) مدونة الفقه المالكي وأدلته (٤/ ٣٤).
(٤) المغني (٩/ ٢٥٦).
(٥) البحر الزخار (٤/ ١٦٨).
(٦) موسوعة فقه الحسن البصري (١/ ١٦٧).
(٧) القاموس المحيط (ص ١٣٤٣).
(٨) البحر الزخار (٤/ ١٢٧).
(٩) الاختيار (٣/ ٧٥)، ومجمع الضمانات (١/ ١٦٣).
(١٠) حاشية الدسوقي (٥/ ١٤٦ - ١٤٧).
(١١) و(^١٢) أخرج خبر ابن عباس، وأبي هريرة عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٨ رقم ١٤٧٩٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٩٠) وابن حزم في "المحلى" (٩/ ١٧٠).
(١٢) عزاه إليه العمراني في "البيان" (٦/ ٥١٠).
(١٣) الروضة للنووي (٤/ ٤٣١) والمهذب (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٩) والبيان (٦/ ٥١٠ - ٥١١).
(١٤) المغني (٧/ ٣٤١).
[ ١١ / ١٠ ]
وإسحاق، وعزاه صاحب الفتح (^١) إلى الجمهور: إنها إذا تلفت في يد المستعير ضمنها إلا فيما إذا كان ذلك على الوجه المأذون فيه.
وعن الحسن البصري (^٢) والنخعي (^٣) والأوزاعي (^٤) وشريح والحنفية (^٥) أنها غير مضمونة وإن شرط الضمان.
وعند العترة (^٦) وقتادة والعنبري: إنه إذ شرط الضمان كانت مضمونة.
وحكي في البحر (^٧) عن مالك والبتِّيُّ أن غير الحيوان مضمون، والحيوان غير مضمون.
واستدل من قال: إنه لا ضمان على غير المتعدي؛ بما تقدم من قوله ﷺ:
"ليس على المستعير غير المغل ضمان" (^٨)، وبقوله: "لا ضمان على مؤتمن" (^٩)، وبما أخرجه ابن ماجه (^١٠) عن ابن عمرو بلفظ: "مَنْ أودعَ وديعةً فلا ضمانَ عليه" وفي إسناده المثنى بن الصباح (^١١) وهو متروك، وتابعه ابن لهيعة فيما ذكره البيهقي (^١٢).
_________________
(١) الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٥/ ٢٤١).
(٢) موسوعة فقه الحسن البصري (١/ ١٤٥)، (١٦٧).
(٣) موسوعة فقه إبراهيم النخعي (٢/ ٧٣١ - ٧٣٢).
(٤) حكاه عنه العمراني في "البيان" (٦/ ٥١١).
(٥) البناية (٩/ ١٧٥ - ١٧٦) ومجمع الضمانات (١/ ١٦٣).
(٦) البحر الزخار (٤/ ١٢٧).
(٧) البحر الزخار (٤/ ١٢٧)، وحكاه عنهما العمراني في البيان (٦/ ٥١١).
(٨) تقدم تخريجه في شرح الحديث (١/ ٢٣٨٨) من كتابنا هذا.
(٩) تقدم تخريجه رقم (١/ ٢٣٨٨) من كتابنا هذا.
(١٠) في سننه رقم (٢٤٠١). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٢٤١ رقم ٨٤٢/ ٢٤٠١): "هذا إسناد ضعيف لضعف المثنى، وهو ابن الصباح، والراوي عنه. رواه الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو". اهـ.
(١١) المثنى بن الصباح، أبو عبد الله، قال ابن عدي: الضعف على حديثه بيّن. وعن ابن معين قال: يكتب حديثه ولا يترك. الميزان (٣/ ٣٤٥) والمجروحين (٣/ ٢٠) والتقريب (٢/ ٢٢٨) والخلاصة (ص ٣٦٩).
(١٢) في السنن الكبرى (٦/ ٢٨٩).
[ ١١ / ١١ ]
وبما أخرجه أبو داود (^١)، وحسنه الترمذي (^٢)، وصححه ابن حبان (^٣) من حديث أبي أمامة أنه سمع النبي ﷺ يقول في حجة الوداع: "العاريةُ مؤداةٌ والزعيمُ غارمٌ".
وتعقب بأن التصريح بضمان الزعيم لا يدل على عدم ضمان المستعير.
واستدل من قال بالضمان بحديث سمرة الآتي (^٤).
وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٥).
ولا يخفى أن الأمر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت.
واستدل من فرَّق بين الحيوان وغيره بحديث صفوان الآتي (^٦).
ولا يخفى أن دلالته على أن غير الحيوان مضمون لا يستفاد منها أن حكم الحيوان بخلافه (^٧).
_________________
(١) في السنن رقم (٣٥٦٥).
(٢) في السنن رقم (١٢٦٥)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٣) في صحيحه رقم (٥٠٩٤)، وصححه الألباني التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٧/ ٣٦٧ رقم ٥٠٧٢) وفي الصحيحة رقم (٦١١).
(٤) برقم (٣/ ٢٣٩٠) من كتابنا هذا.
(٥) سورة النساء، الآية: (٥٨).
(٦) برقم (٤/ ٢٣٩١) من كتابنا هذا.
(٧) إذا قبضَ المستعيرُ العينَ المستعارة، فتلفت في يده، فهل يجبُ عليه ضمانها؟ اختلفَ الناسُ فيها على خمسةِ مذاهب: (فالمذهب الأول): ذهب الشافعي إلى أنها مضمونة على المستعير، سواءٌ تلِفتْ بتفريطٍ أو بغيرِ تفريط، وسواءٌ شرطَ ضمانَها أو أطلقَ: ورُوي ذلك عن ابن عباسٍ، وأبي هريرة، وبه قال عطاء، وأحمد وإسحاق. (والمذهب الثاني): قال ربيعة: العارية مضمونة على المستعير، إلَّا أن تكون حيوانًا، فيموت فلا ضمان. (والمذهب الثالث): قال مالك، وعثمانُ البتِّيُّ: العاريةُ مضمونة على المستعير، إلا أن يكون حيوانًا، فلا يضمنُهُ بحالٍ سواءٌ ماتَ حتفَ أنفِهِ، أو تلِفَ تحت يد المستعير من غير تفريطٍ بنهبٍ أو غيره. (والمذهب الرابع): قال قتادةُ، وعبيد اللهِ بنُ الحسن العنبريُّ: إنْ شرَطَ ضمانها … كانت مضمونة على المستعيرِ، وإن لم يشرط .. كانت أَمانةً في يده. (المذهب الخامس): قال شريح، والنخعي، والحسن البصري، والثوري، والأوزاعي، =
[ ١١ / ١٢ ]
٢/ ٢٣٨٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (^١) وَالتِّرْمِذِيّ (^٢) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [حسن بشواهد]
الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (^٣) وصححه، وفي إسناده طلق بن غنام (^٤) عن شريك.
واستشهد له الحاكم (^٥) بحديث أبي التياح عن أنس. وفي إسناده أيوب بن سويد (^٦) مختلف فيه، وقد تفرد به كما قال الطبراني (^٧).
وقد استنكر حديث الباب أبو حاتم الرازي (^٨).
_________________
(١) = وأبو حنيفة وأصحابُهُ: العارية أمانة في يد المستعير لا يضمنُها إلا إذا فرط في تلفِها. اهـ. البيان للعمراني (٦/ ٥١٠ - ٥١١)، والمغني (٩/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) في سننه رقم (٣٥٣٥).
(٣) في سننه رقم (١٢٦٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٤) في المستدرك (٢/ ٤٦)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٥) طلق بن غنام الجمهور على توثيقه كما في تهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، ومال أبو حاتم إلى تضعيف الحديث بضعف طلق بن غنام كما في "العلل" (١/ ٣٧٥)، ولكن البيهقي مال إلى تضعيف الحديث بضعف شريك وقيس - وهما مختلف فيهما -. قلت: والخلاصة أن الحديث حسن، لا ينزل عن ذلك، لا سيما بشواهده.
(٦) في المستدرك (٢/ ٤٦). قلت: وأخرج الحديث الدارقطني (٣/ ٣٥) رقم (١٤٣) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ١٠٢) رقم (٩٧٤) والطبراني في الكبير (ج ١ رقم ٧٦٠) وفي الصغير (١/ ١٧١) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧١) والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٤٣٣) رقم (٧٤٣). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ١٤٤ - ١٤٥) وقال: رواه الطبراني في الكبير والصغير، ورجال الكبير ثقات". وخلاصة القول: أن الحديث حسن وله شواهد وطرق ترفيه إلى درجة الصحة لاختلاف مخارجها ولخلوِّها من متهم (الصحيحة ١/ ٧٨٤).
(٧) أيوب بن سويد، أبو مسعود الحميري الشيباني الرملي، قال البخاري: يتكلمون فيه. ضعفه أحمد وغيره. وقال الحافظ: صدوق يخطئ. التاريخ الكبير (١/ ٤١٧) والجرح والتعديل (٢/ ٢٤٩) والميزان (١/ ٢٨٧) والمغني (١/ ٩٦) والتقريب (١/ ٩٠) والخلاصة (ص ٤٣).
(٨) في المعجم الصغير (١/ ١٧١).
(٩) في العلل (١/ ٣٧٥).
[ ١١ / ١٣ ]
وأخرجه أيضًا البيهقي (^١) ومالك.
وفي الباب عن أُبيّ بن كعب عند ابن الجوزي في العلل المتناهية (^٢)، وفي إسناده من لا يعرف. وأخرجه أيضًا الدارقطني (^٣).
وعن أبي أمامة عند البيهقي (^٤) والطبراني (^٥) بسند ضعيف.
وعن أنس عند الدارقطني (^٦) والطبراني (^٧) والبيهقي (^٨) وأبي نعيم (^٩).
وعن رجل من الصحابة عند أحمد (^١٠) وأبي داود (^١١) والبيهقي (^١٢) وفي إسناده مجهول آخر غير الصحابي، لأن يوسف بن ماهك رواه عن فلان عن آخر، وقد صححه ابن السكن (^١٣).
وعن الحسن مرسلًا عند البيهقي (^١٤).
قال الشافعي (^١٥): هذا حديث ليس بثابت.
وقال ابن الجوزي (^١٦): لا يصح من جميع طرقه.
_________________
(١) في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧١).
(٢) (٢/ ١٠٣) رقم (٩٧٥).
(٣) في السنن (٣/ ٣٥) رقم (١٤١).
(٤) في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧١).
(٥) في المعجم الكبير (ج ٨ رقم ٧٥٨٠). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ١٤٥) وقال: "فيه يحيى بن عثمان بن صالح المصري، قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه". اهـ.
(٦) في السنن (٣/ ٣٥) رقم (١٤٣) وقد تقدم.
(٧) في المعجم الكبير (ج ١ رقم ٧٦٠) وفي الصغير (١/ ١٧١) وقد تقدم.
(٨) في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧١) وقد تقدم.
(٩) في "الحلية" (٦/ ١٣٢) وقد تقدم. وهو حديث حسن.
(١٠) في المسند (٣/ ٤١٤).
(١١) في سننه رقم (٣٥٣٤).
(١٢) في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧٠). وإسناده ضعيف لإبهام ابن الصحابي الذي روى عنه يوسف. ويوسف هو ابن ماهَك، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. والخلاصة: أن الحديث حسن لغيره، والله أعلم.
(١٣) كما في "التلخيص" (٣/ ٢١٠).
(١٤) في "معرفة السنن والآثار" (١٤/ ٣٨١) رقم (٢٠٣٨١).
(١٥) في الأم (٦/ ٢٧٠).
(١٦) في "العلل المتناهية" (٢/ ١٠٣).
[ ١١ / ١٤ ]
وقال أحمد (^١): هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح.
ولا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث منتهضًا للاحتجاج (^٢).
قوله: (ولا تخن من خانك)، فيه دليل على أنه لا يجوز مكافأة الخائن بمثل فعله، فيكون مخصِّصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٥).
والحاصل أن الأدلَّة القاضية بتحريم مال الآدمي ودمه وعرضه عمومها مخصص بهذه الثلاث الآيات.
وحديث الباب مخصص لهذه الآيات، فيحرم من مال الآدمي وعرضه ودمه ما لم يكن على طريق المجازاة، فإنها حلال إلا الخيانة فإنها لا تحل.
ولكن الخيانة إنما تكون في الأمانة كما يشعر بذلك كلام القاموس (^٦) فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث، على أنه لا يجوز لمن تعذَّر عليه استيفاء حقه حبس حق خصمه على العموم كما فعله صاحب البحر (^٧) وغيره، إنما يصح الاستدلال به على أنه لا يجوز للإنسان إذا تعذر عليه استيفاء حقه أن يحبس عنده وديعة لخصمه أو عارية، مع أن الخيانة إنما تكون على جهة الخديعة والخفية، وليس محل النزاع من ذلك.
ومما يؤيد الجواز إذنه ﷺ لامرأة أبي سفيان أن تأخذ لها ولولدها من مال زوجها ما يكفيها كما في الحديث الصحيح (^٨).
_________________
(١) حكاه عنه الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٢١٠).
(٢) وهو كما قال، فهو حديث حسن وله شواهد وطرق ترقيه إلى درجة الصحة، لاختلاف مخارجها ولخلوِّها من متهم. "الصحيحة" (١/ ٧٨٤).
(٣) سورة الشورى، الآية: ٤٠.
(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٦.
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٩٤.
(٦) القاموس المحيط (ص ١٥٤١).
(٧) البحر الزخار (٤/ ١٦٩)، (٣/ ٣٩٦).
(٨) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم (٥٣٦٤) ومسلم رقم (١٧١٤) =
[ ١١ / ١٥ ]
وقد اختلف في مسألة الحبس المذكورة؛ فذهب الهادي (^١) [﵇] (^٢) إلى أنه لا يجوز مطلقًا لا من الجنس ولا من غيره.
قال المؤيد بالله: إن قول الهادي مسبوق بالإجماع.
وقال الشافعي (^٣) والمنصور (^٤) بالله: يجوز من الجنس وغيره.
وقال أبو حنيفة (^٥) والمؤيد (^٦) بالله: يجوز من الجنس فقط.
وقال الإمام يحيى (^٧): يجوز من الجنس ثم من غيره لتعذره دينًا.
قال في البحر (^٨) بعد حكاية الخلاف: قلت: الأقرب اشتراط الحاكم حيث يمكن للخبر، يعني حديث الباب، فإن تعذر جاز الحبس وغيره لئلا تضيع الحقوق ولظواهر الآي.
٣/ ٢٣٩٠ - (وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "على اليَدِ ما أخَذَتْ حتَّى تُؤَدّيَهُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةَ إلَّا النَّسائيّ (^٩)، زَادَ أَبُو دَاوُدَ (^١٠) وَالتِّرْمِذِيِّ (^١١): قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ نَسِيَ الحَسَنُ فَقَالَ: هُو أمِينُكَ لا ضَمانَ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي العارِيةَ). [ضعيف]
الحديث صححه الحاكم (^١٢)، وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور
_________________
(١) = وأبو داود رقم (٣٥٣٣) والنسائي (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧) والدارمي (٢/ ١٥٩) والبيهقي (٧/ ٤٦٦) وأحمد (٦/ ٣٩، ٥٠، ٢٠٦) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، به. قلت: وانظر مناقشة هذه المسألة في "الأم" (٦/ ٢٦٧ - ٢٧٠) فهي مفيدة ولولا طولها لنقلتها لك.
(٢) البحر الزخار (٣/ ٣٩٦).
(٣) ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (ب).
(٤) في الأم (٦/ ٢٧٠).
(٥) البحر الزخار (٣/ ٣٩٦).
(٦) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٢٨).
(٧) البحر الزخار (٤/ ١٧٥).
(٨) البحر الزخار (٣/ ٣٩٦).
(٩) (٣/ ٣٩٦).
(١٠) أحمد في المسند (٥/ ٨، ١٢، ١٣) وأبو داود رقم (٣٥٦١) والترمذي رقم (١٢٦٦) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه رقم (٢٤٠٠). قلت: وأخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٤١١) رقم (٥٧٨٣/ ٣) ط: دار الكتب العلمية.
(١١) في السنن رقم (٣٥٦١) وقد تقدم.
(١٢) في السنن رقم (١٢٦٦) وقد تقدم.
(١٣) في المستدرك (٢/ ٤٧) وقال: صحيح الإسناد على شرط البخاري. =
[ ١١ / ١٦ ]
قد تقدم (^١).
وفيه دليل على أنه يجب على الإنسان رد ما أخذته يده من مال غيره بإعارة أو إجارة أو غيرهما حتى يرده إلى مالكه، وبه استدل من قال بأن الوديع والمستعير ضامنان.
وقد تقدم الخلاف في ذلك، وهو صالح للاحتجاج به على التضمين، لأن المأخوذ إذا كان على اليد الآخذة حتى تردّه، فالمراد أنه في ضمانها كما يشعر به لفظ (على) من غير فرق بين مأخوذ ومأخوذ.
وقال المقبلي في المنار (^٢): "يحتجُّون بهذا الحديث في مواضع على التَّضمين ولا أراه صريحًا، لأنَّ اليد الأمينة - أيضًا - عليها ما أخذت حتَّى تَرُدَّ، وإلَّا فليست بأمينة:
ومُسْتَخْبرٍ عن سِرِّ ليلى تَرَكْتُهُ … بعمياءَ مِنْ ليلى بغيرِ يقينِ
يقولونَ خَبِّرْنا فأَنتَ أَمِيْنُهَا … وَمَا أَنَا إِنْ خَبَّرْتُهُمْ بأمينِ
إنَّما كلامنا: هل يضمنها لو تلفت بغير جنايةٍ؟ وليس الفرق بين المضمون وغير المضمون إلَّا هذا.
وأمَّا الحفظ فمشترك وهو الذي تفيده (على)، فعلى هذا لم ينسَ الحسن - كما زعم قتادة - حين قال: "هو أمينك لا ضمان عليه" بعد رواية الحديث. اهـ.
ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام من قلة الجدوى وعدم الفائدة.
وبيان ذلك أن قوله: لأن اليد الأمينة عليها ما أخذت حتى تردّ وإلا فليست
_________________
(١) = وتعقبه الألباني في "الإرواء" (٥/ ٣٤٩) بقوله: "هو صحيح على شرط البخاري لو أن الحسن صرَّح بالتحديث عن سمرة، فقد أخرج البخاري عنه به حديث العقيقة، أما وهو لم يصرح به، بل عنعنه وهو مذكور في المدلسين، فليس الحديث إذن بصحيح الإسناد، وقد جرت عادة المحدثين إعلال هذا الإسناد بقولهم: والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وبهذا أعله الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١١٧). اهـ. وخلاصة القول: أن حديث سمرة حديث ضعيف. والله أعلم.
(٢) انظر: "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" (٥/ ١٧٢ - ١٧٣) بتحقيقي ط (٥).
(٣) في "المنار في المختار من جواهر البحر الزخار"، للعلامة صالح بن مهدي المقبلي (٢/ ١٣٥).
[ ١١ / ١٧ ]
بأمينة، يقتضي الملازمة بين عدم الردّ وعدم الأمانة، فيكون تلف الوديعة والعارية بأيّ وجه من الوجوه قبل الردّ مقتضيًا لخروج الأمين عن كونه أمينًا وهو ممنوع، فإن المقتضي لذلك إنما هو التلف بخيانة أو جناية، ولا نزاع في أن ذلك موجب للضمان.
إنما النزاع في تلف لا يصير به الأمين خارجًا عن كونه أمينًا؛ كالتلف بأمر لا يطاق دفعه أو بسبب سهو أو نسيان أو بآفة سماوية أو سرقة أو ضياع بلا تفريط فإنه يوجد التلف في هذه الأمور مع بقاء الأمانة.
وظاهر الحديث يقتضي الضمان، وقد عارضه ما أسلفنا.
وقال في ضوء النهار (^١): إن الحديث إنما يدلّ على وجوب تأدية غير التالف والضمان عبارة عن غرامة التالف. اهـ.
ولا يخفى أن قوله في الحديث: "على اليد ما أخذت" [من المقتضي] (^٢) الذي يتوقف فهم المراد منه على مقدر وهو: إما الضمان أو الحفظ أو التأدية، فيكون معنى الحديث على اليد ضمان ما أخذت أو حفظ ما أخذت أو تأدية ما أخذت، ولا يصح هاهنا تقدير التأدية، لأنه قد جعل قوله: "حتى تؤديه" غاية لها، والشيء لا يكون غاية لنفسه.
وأما الضمان والحفظ فكل واحد منهما صالح للتقدير، ولا يقدران معًا لما تقرّر من أن المقتضي لا عموم له، فمن قدّر الضمان أوجبه على الوديع والمستعير، ومن قدّر الحفظ أوجبه عليهما ولم يوجب الضمان إذا وقع التلف مع الحفظ المعتبر.
وبهذا تعرف أن قوله إنما يدل الحديث على وجوب التأدية لغير التالف ليس على ما ينبغي، وأما مخالفة رأي الحسن لروايته فقد تقرر في الأصول (^٣) أن العمل بالرواية لا بالرأي.
_________________
(١) "ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار" للعلامة الحسن بن أحمد الجلال (٢/ ١٦٤٥). وانظر كلام العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في: "منحة الغفار على ضوء النهار" [٢/ ١٦٤٥ رقم التعليقة (٣)].
(٢) في المخطوط (ب): (والمقتضي).
(٣) قال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن =
[ ١١ / ١٨ ]
٤/ ٢٣٩١ - (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: أن النَّبيَّ ﷺ اسْتَعارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أدْرُعًا، فَقالَ: أغَصبًا يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: "بَلْ عارِيةٌ مَضمُونَةٌ"، قالَ: فَضَاعَ بَعْضُها، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبيّ ﷺ أنْ يَضْمَنها لَهُ: فَقَالَ: أنا اليَوْمَ فِي الإسْلامِ أرْغَبُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (^١)، وأبَو دَاوُدَ) (^٢). [حسن لغيره]
٥/ ٢٣٩٢ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كانَ فَزَعٌ بالمَدِينَة، فاسْتَعارَ النَّبيّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أبي طَلْحَةَ يُقال لَهُ: المَنْدُوبُ، فَرَكِبَهُ، فَلَمّا رَجَعَ قالَ: "ما رأيْنا مِنْ شَيْءٍ وَإنْ وَجَدْناهُ لَبَحْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيه) (^٣). [صحيح]
حديث صفوان أخرجه أيضًا النسائي (^٤) والحاكم (^٥)،
_________________
(١) = يدعها لقول أحد من الناس. [إعلام الموقعين (٢/ ٢٨٢): دار الجيل]. وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول. [الشريعة للآجري (ص ٥٣) ط: دار الكتب العلمية]. وانظر: الرسالة للشافعي (ص ٤٢٥).
(٢) في المسند (١/ ٤٠٣)، (٦/ ٤٦٥).
(٣) في سننه رقم (٣٥٦٢). قلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ٣٩) رقم (١٦١) والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٨٩). وللحديث شاهدان يرتقي بهما إلى الحسن. الأول: من حديث جابر: أخرجه الحاكم (٣/ ٤٨، ٤٩) وعنه البيهقي (٦/ ٨٩). والثاني: من حديث ابن عباس: أخرجه الحاكم (٢/ ٤٧) وصححه على شرح مسلم ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني (٣/ ٣٨) رقم (١٥٧) والبيهقي (٦/ ٨٨). وفي سنده: إسحاق بن عبد الواحد القرشي متروك الحديث. وقال الذهبي في الميزان (١/ ١٩٤) رقم (٧٧٣): "واهٍ". وخلاصة القول: أن الحديث حسن بشواهده [وانظر: الصحيحة رقم (٦٣١)].
(٤) أحمد في المسند (٣/ ١٨٠) والبخاري رقم (٢٦٢٧) ومسلم رقم (٤٩/ ٢٣٠٧). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٩٨٨) والترمذي رقم (١٦٨٥) وابن ماجه رقم (٢٧٧٢) والبيهقي (٦/ ٨٨) والبغوي في شرح السنة رقم (٢١٦٠). وهو حديث صحيح.
(٥) في السنن الكبرى (٣/ ٤٠٩ - ٤١٠) رقم (٣/ ٥٧٧٨) - ط: دار الكتب العلمية - من مرسلات عطاء.
(٦) في المستدرك (٢/ ٤٧) وقد تقدم.
[ ١١ / ١٩ ]
وأورد له (^١) شاهدًا من حديث ابن عباس ولفظه: "بل عارية مؤدّاة".
وفي رواية لأبي داود (^٢): "إن الأدراع كانت ما بين الثلاثين إلى الأربعين".
ورواه البيهقي (^٣) عن أمية بن صفوان مرسلًا، وبيّن أن الأدراع كانت ثمانين.
ورواه الحاكم (^٤) من حديث جابر، وذكر أنها مائة درع.
وأعلّ ابن حزم (^٥) وابن القطان (^٦) طرق هذا الحديث.
قال ابن حزم (^٧): أحسن ما فيها حديث يعلى بن أمية، وقد تقدم في كتاب الوكالة (^٨).
قوله: (أغصبًا) معمول لفعل مقدّر هو مدخول الهمزة: أي أتأخذها غصبًا لا تردّها علي؟ فأجاب ﷺ بقوله: "بل عارية مضمونة".
فمن استدلّ بهذا الحديث على أن العارية مضمونة جعل لفظ (مضمونة) صفة كاشفة لحقيقة العارية: أي أن شأن العارية الضمان.
ومن قال: إن العارية غير مضمونة، جعل لفظ (مضمونة) صفة مخصصة: أي أستعيرها منك عارية متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان.
قوله: (فعرض عليه أن يضمنها)، فيه دليل على أن الضياع من أسباب الضمان، لا على أن مطلق الضياع تفريط وأنه يوجب الضمان على كل حال لاحتمال أن يكون تَلَفُ ذلك البعض وقع فيه تفريط.
_________________
(١) أي: الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) في السنن رقم (٣٥٦٣)، وهو حديث صحيح.
(٣) في السنن الكبرى (٦/ ٨٩).
(٤) في المستدرك (٣/ ٤٨ - ٤٩) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قلت: بل في سنده إسحاق بن عبد الواحد القرشي متروك الحديث، وقال الذهبي في الميزان (١/ ١٩٤) رقم (٧٧٣): "واهٍ". وهو حديث حسن لغيره وقد تقدم.
(٥) المحلى (٩/ ١٧١ - ١٧٣).
(٦) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٠٢، ٥٣٣).
(٧) المحلى (٩/ ١٧٣).
(٨) تقدم برقم (٢٣٤٩) من كتابنا هذا.
[ ١١ / ٢٠ ]
قوله: (فزع) أي: خوف من عدوّ، وأبو طلحة المذكور هو زيد بن سهل زوج أمّ أنس.
قوله: (يقال له: المندوب)، قيل: سمي بذلك من الندب، وهو الرهن عند السباق (^١).
وقيل: لنَدْب كان في جسمه (^٢)، وهو أثر الجرح.
قوله: (وإن وجدناه لبحرًا) قال الخطابي (^٣): (إن) هي النافية واللام بمعنى إلا: أي ما وجدناه إلا بحرًا.
قال ابن التين (^٤): هذا مذهب الكوفيين. وعند البصريين أن (إن) مخففة من الثقيلة واللام زائدة.
قال الأصمعي (^٥): يقال للفرس: بحر إذا كان واسع الجري أو لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد البحر، ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري (^٦) بلفظ: "فكان بعد ذلك لا يجارى".
٦/ ٢٣٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنَّا نَعُدّ المَاعُونَ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ عارِيَةً الدَّلْوَ وَالقِدْرَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (^٧) [حسن]
_________________
(١) القاموس المحيط (ص ١٧٥).
(٢) القاموس المحيط (ص ٢٧٥).
(٣) في أعلام الحديث (٢/ ١٢٨٨).
(٤) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٤١).
(٥) حكاه عنه الخطابي في معالم السنن (٥/ ٢٦٣ - مع السنن).
(٦) في صحيحه رقم (٢٨٦٧).
(٧) في سننه رقم (١٦٥٧). قال الألباني في "صحيح أبي داود" (٥/ ٣٥٤): "هذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ إلا أنهما أخرجا لعاصم - بن أبي النجود - متابعةً". والحديث أخرجه البيهقي (٤/ ١٨٣) من طريق المصنف، ومن طريق شيبان عن عاصم .. به. وأخرجه ابن جرير (٣٠/ ٢٠٤ - ٢٠٦) من هذا الوجه، ومن وجوه أخرى صحيحة عن ابن مسعود .. أتم منه". اهـ. وأورده الحافظ في الفتح (٨/ ٧٣١) عن أبي داود والنسائي، وقال: وإسناده صحيح إلى ابن مسعود. وخلاصة القول: أن حديث ابن مسعود حديث حسن، والله أعلم.
[ ١١ / ٢١ ]
الحديث سكت عنه أبو داود (^١)، وحسَّنه المنذري (^٢).
وروي عن ابن مسعود (^٣)، وابن عباس (^٤) أنهما فسَّرا قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (^٥) أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والدلو والحبل والقِدر، وما أشبه ذلك.
وعن عائشة (^٦): الماعون: الماء والنار والملح، وقيل الماعون: الزكاة (^٧).
قال الشاعر (^٨):
قومٌ على الإسلامِ لمَّا يَمْنَعُوا … ماعُونَهُمْ ويُضَيِّعُوا التَّهليلا
قال في الكشاف (^٩): وقد يكون منع هذه الأشياء محظورًا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحًا في المروءة في غير حال الضرورة.
وأخرج أبو داود (^١٠) والنسائي (^١١) عن بُهَيْسة - بضم الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء التحتية بعدها سين مهملة - الفزارية عن أبيها قالت: "استأذن أبي
_________________
(١) في السنن (٢/ ٣٠٢).
(٢) وسكت المنذري عنه في "المختصر" (٢/ ٢٤٧) أيضًا.
(٣) أخرجه البيهقي (٦/ ٨٨) وابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٥/ ج ٣٠/ ٣١٦ - ٣١٨) من طرق عنه.
(٤) أخرجه البيهقي (٦/ ٨٨) وابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٥/ ج ٣٠/ ٣١٨ - ٣١٩) من طرق عنه.
(٥) سورة الماعون، الآية: ٧.
(٦) أخرجه ابن ماجة في السنن رقم (٢٤٧٤) وهو حديث ضعيف. انظر: الضعيفة رقم (١٢٠).
(٧) أخرجه ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٥/ ج ٣٠/ ٣١٤ - ٣١٦) عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن الحنفية.
(٨) وهو عبيد الراعي، وانظر ديوانه (ص. ٢٣). وحكاه عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" (٥/ ٣٦٨).
(٩) للزمخشري (٦/ ٤٤٤).
(١٠) في سننه رقم (١٦٦٩) و(٣٤٧٦).
(١١) في السنن الكبرى ببعضه - كما في تحفة الأشراف (١١/ ٢٢٩) من طريق النضر بن شُميل. وهو حديث ضعيف.
[ ١١ / ٢٢ ]
النبيّ ﷺ فدخل بينه وبين قميصه، فجعل يقبله ويلتزم، ثم قال: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "الماء"، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "الملح"، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "إن تفعل الخير خير لك"".
وسيأتي حديث بُهَيْسة هذا في باب إقطاع المعادن من كتاب إحياء الموات (^١).
وروى ابن أبي حاتم (^٢) عن قرة بن دعموص النميري: "أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ، [فقالوا] (^٣): يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال: "لا تمنعوا الماعون"، قالوا: يا رسول الله، وما الماعون؟ قال: "في الحجر والحديد وفي الماء"، قالوا: فأي الحديد؟ قال: "قدوركم النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به"، قالوا: وما الحجر؟ قال: "قدروكم الحجارة"، وهذا حديث غريب.
وروي عن عكرمة (^٤): "أن رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل والدلو والإبرة".
وروى ابن أبي حاتم (^٥) أن الماعون: العواري وأصل الماعون من المعن: وهو الشيء القليل، فسميت الزكاة ماعونًا لأنها قليل من كثير، وكذلك الصدقة وغيرها.
وهذه التفاسير ترجع كلها إلى شيء واحد وهو المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب (^٦): الماعون: المعروف.
_________________
(١) يأتي برقم (٢٤١٣) من كتابنا هذا.
(٢) في تفسيره (١٠/ ٣٤٦٩) رقم (١٩٥٠٣). وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٦٤٥) وابن كثير في تفسيره (١٤/ ٤٧٤)، وقال: غريب جدًّا، ورفعه منكر. وفي إسناده من لا يعرف.
(٣) في المخطوط (ب): (وقالوا).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٦٩) رقم (١٩٥٠٥).
(٥) لم أقف عليه عند ابن أبي حاتم في تفسيره. بل عزاه إليه الحافظ ابن كثير في تفسيره (١٤/ ٤٧٣).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٦٩) رقم (١٩٥٠٦). =
[ ١١ / ٢٣ ]
وفي الحديث (^١): "كل معروف صدقة".
٧/ ٢٣٩٤ - (وَعَنْ عائِشَةَ أنَّهَا قالَتْ، وَعَلَيْها دِرعٌ قِطْرِيٌّ ثَمَنَ خَمْسَة دَرَاهِمَ: كانَ لي مِنْهُنَّ دِرعٌ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، فَمَا كانتِ امْرأةٌ تَقَيَّنُ بالمَدينَةِ إلَّا أرْسَلَتْ إليَّ تَسْتَعِير. رَوَاهُ أحْمَدُ (^٢) وَالبُخارِيُّ) (^٣). [صحيح]
قوله: (درع) الدرع قميص المرأة، وهو مذكر.
قال الجوهري (^٤): ودرع الحديد مؤنثة، وحكى أبو عبيدة (^٥) أنه أيضًا يذكر ويؤنث.
قوله: (قِطريٌّ) بكسر القاف وسكون المهملة بعدها راء.
وفي رواية المستملي (^٦) والسرخسي (٦) بضم القاف وسكون المهملة وآخره نون، والقِطْريُّ نسبة إلى القِطْر: وهي ثياب من غليظ القطن وغيره.
وقيل: من القطن خاصَّة تعرف بالقطرية فيها حمرة.
قال الأزهري (^٧): الثياب القطرية منسوبة إلى قطر، قرية من البحرين، فكسروا القاف للنسب وخففوا.
قوله: (ثمن خمسة دراهم) بنصب ثمن بتقدير فعل وخمسة بالخفض على الإضافة أو برفع ثمن وخمسة على حذف الضمير، والتقدير ثمنه خمسة. وروي
_________________
(١) = وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٦٤٥).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٩٧) والبخاري في الأدب المفرد رقم (٢٣٣) وأبو داود رقم (٤٩٤٧) وأبو الشيخ في "الأمثال" رقم (٣٥) عن حذيفة - قال ابن جعفر: عن النبي ﷺ قال: قال نبيكم ﷺ: "كلُّ معروفٍ صدقةٌ" وهو حديث صحيح. وأخرج البخاري في صحيحه رقم (٦٠٢١) من حديث جابر، عن النبي ﷺ قال: "كلُّ معروف صدقة".
(٣) لم يخرجه أحمد في المسند، ولم يذكره ابن حجر في أطراف المسند.
(٤) في صحيحه رقم (٢٦٢٨).
(٥) في "الصحاح" (٣/ ١٢٠٦).
(٦) حكاه عنه الأزهري في تهذيب اللغة (٢/ ٢٠٢) والجوهري في الصحاح (٣/ ١٢٠٦).
(٧) حكاه عنهما الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٤٢).
(٨) في تهذيب اللغة (١٦/ ٢١٥).
[ ١١ / ٢٤ ]
بضم أوله وتشديد الميم على لفظ الماضي ونصب خمسة على نزع الخافض: أي قوّم بخمسة دراهم.
قوله: (تقيّن) بالقاف والتحتانية المشدّدة: أي: تزين، من قان الشيء قيانة: أي أصلحه، والقينة (^١) [يقال] (^٢) للماشطة وللمغنية.
وحكى ابن التين (^٣) أنه روى (تفنن) بالفاء: أي تعرض وتجلى على زوجها.
قال في الفتح (^٤): ولم يضبط ما بعد الفاء. قال: ورأيته بخط بعض الحفاظ بمثناة فوقية.
قال ابن الجوزي (^٥): أرادت عائشة أنهم كانوا أولًا في حال ضيق فكان الشيء المحتقر عندهم إذ ذاك عظيم القدر.
وفي الحديث أن عارية الثياب للعرس أمر معمول به مرغب فيه وأنه لا يعد من التشبع.
٨/ ٢٣٩٥ - (وَعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "ما مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يؤَدِّي حَقَّها إلَّا أُقْعِد لهَا يَوْمَ القِيامَةِ بِقاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بظِلْفِها، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ القَرْنِ لَيْسَ فيها يَوْمِئِذٍ جَمَّاءُ، وَلا مَكْسُورَةُ القَرْنِ"، قُلْنا: يا رَسُولَ الله وَما حَقُّها؟ قالَ: "إطْرَاقُ فَحْلِها، وَإِعارَةُ دَلْوِها، وَمِنْحَتُها، وَحَلْبُها على المَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْها في سَبِيلِ الله"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^٦) وَمُسْلِمُ) (^٧). [صحيح]
الحديث قد سبق شرح بعض ألفاظه في أول كتاب الزكاة (^٨).
_________________
(١) القَيْنَة: الأمة غَنَّتْ أو لم تغنِّ، والماشطة، وكثيرًا ما تطلق على المغنية من الإماء، وجمعها: قَيْنات. النهاية (٢/ ٥١١). وانظر: المجموع المغيث (٢/ ٧٧٤).
(٢) في المخطوط (ب): (تقال).
(٣) حكاه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٤٢) عنه.
(٤) (٥/ ٢٤٢).
(٥) في كشف المشكل من حديث الصحيحين (٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥) له.
(٦) في المسند (٣/ ٣٢١).
(٧) في صحيحه رقم (٢٨/ ٩٨٨).
(٨) خلال شرح الحديث رقم (٢/ ١٥٣١) من كتابنا هذا.
[ ١١ / ٢٥ ]
قوله: (إطراق فحلها)، أي: عارية الفحل لمن أراد أن يستعيره من مالكه ليطرق به على ماشيته.
قوله: (وإعارة دلوها)، أي: من حقوق الماشية أن يعير صاحبها الدلو الذي يسقيها به إذا طلبه منه من يحتاج إليه.
قوله: (ومنحتها) بالنون والمهملة، والمنحة في [الأصل] (^١): العطية.
قال أبو عبيدة (^٢): المنحة عند العرب على وجهين:
(أحدهما): أن يعطي الرجل صاحبه فيكون له.
(والآخر): أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا ثم يردها، والمراد بها هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد لصاحبها.
قال القزاز (^٣): قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة، والأول أعرف.
قوله: (وحلبها على الماء) بالحاء المهملة في جميع الروايات.
وأشار الداودي (^٤) إلى أنه روي بالجيم، [وقال] (^٥): أراد أنها تساق إلى موقع سقيها.
وتعقب بأنه لو كان كذلك لقال: وجلبها إلى الماء لا على الماء، وإنما المراد حلبها هناك لنفع من يحضر من المساكين.
قوله: (حمل عليها) إلخ، أي: من حقها أو يبذلها المالك لمن أراد أن يستعيرها لينتفع بها في الغزو.
_________________
(١) في المخطوط (ب): (أصل).
(٢) كذا في المخطوط (أ)، (ب) ولعل الصواب: أبو عبيد؛ كما في غريب الحديث (١/ ١٩٢) لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي. وكذلك - حكاه الأزهري في تهذيب اللغة (٥/ ١١٩) عن أبي عبيد، وأيضًا الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٤٣) حكاه عن أبي عبيد. والله أعلم.
(٣) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٤٣).
(٤) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٤٤).
(٥) في المخطوط (ب): (فقال).
[ ١١ / ٢٦ ]