١/ ٢٤٥١ - (عَنْ جابِرٍ أن النَّبِيّ ﷺ قَضَى بالشفْعَةِ فِي كلِّ ما لَمْ يُقْسَمْ، فإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرفَتِ الطرُقُ فَلا شُفْعَةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (^١) وَالبَخُاري (^٢). [صحيح]
وفي لَفْظ: إنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشفْعَةَ. الحَدِيثَ رَوَاهُ أحْمَدُ (^٣) وَالبُخارِي (^٤) وَأبُو دَاوُدَ (^٥) وَابْنُ ماجَهْ (^٦). [صحيح]
وفي لَفْظٍ قالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُرقُ فَلا شُفْعَةَ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧) وَصحَّحَهُ). [صحيح]
٢/ ٢٤٥٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إذَا قُسمَتِ الدَّارُ وَحُدَّتْ فَلا شُفْعَةَ فيها"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٨) وَابْنُ ماجَه بِمَعْناهُ) (^٩). [صحيح]
٣/ ٢٤٥٣ - (وَعَنْ جابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بالشفْعَةِ في كُلِّ شَرِكةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٌ أوْ حائِطٌ لا يَحِل لَهُ أنْ يَبيعَ حتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فإنْ شاءَ أخَذَ، وَإنْ
_________________
(١) في المسند (٣/ ٣٧٢، ٣٩٩).
(٢) في صحيحه رقم (٢٢٥٧). وهو حديث صحيح.
(٣) في المسند (٣/ ٢٩٦).
(٤) في صحيحه رقم (٢٤٩٥).
(٥) في سننه رقم (٣٥١٤).
(٦) في سننه رقم (٢٤٩٩). وهو حديث صحيح.
(٧) في سننه رقم (١٣٧٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وهو حديث صحيح.
(٨) في السنن رقم (٣٥١٥).
(٩) في السنن رقم (٢٤٩٧). وهو حديث صحيح.
[ ١١ / ١١٤ ]
شاءَ تَرَكَ، فإنْ باعَهُ وَلمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أحَق بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) وَالنَّسائيُّ (^٢) وأبُو دَاوُدَ) (^٣). [صحيح]
حديث أبي هريرة رجال إسناده ثقات.
قوله: (قضى بالشفعة) قال في الفتح (^٤): الشُفْعة بضم المعجم وسكون الفاء وغلط من حركها وهي مأخوذة لغة (^٥) من الشفع: وهو الزوج.
وقيل: من الزيادة (^٦).
وقيل: من الإعانة (^٧).
وفي الشرع (^٨): انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى، ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها (^٩). اهـ.
قوله: (في كل ما لم يقسم) ظاهر هذا العموم ثبوت الشفعة في جميع الأشياء، وإنه لا فرق بين الحيوان والجماد المنقول وغيره.
وقد ذهب إلى ذلك العترة (^١٠) ومالك (^١١) وأبو حنيفة (^١٢) وأصحابه، وسيأتي تفصيل الخلاف في ذلك.
_________________
(١) في صحيحه رقم (١٣٤/ ١٦٠٨).
(٢) في سننه رقم (٤٧٠١).
(٣) في سننه رقم (٣٥١٣). وهو حديث صحيح.
(٤) (٥/ ٤٣٦).
(٥) القاموس المحيط (ص ٩٤٧) ولسان العرب (٨/ ١٨٣).
(٦) قال ابن الأثير في "النهاية" (١/ ٨٧٧): "الشفعة المِلْك معروفةٌ وهي مشتقة من الزيادة؛ لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به كأنه كان واحدًا وترًا فصار زوجًا شفعًا". اهـ.
(٧) لسان العرب (٨/ ١٨٣).
(٨) المغني لابن قدامة (٧/ ٤٣٥).
(٩) المغني لابن قدامة (٧/ ٤٣٦). قلت: وهذا مخالف للإجماع، وفي ذلك يقول بعضهم: "لا عبرة بقول الأصم، فإنه عن الحق أصم" [المجموع ١٥/ ٨٠].
(١٠) البحر الزخار (٤/ ٤).
(١١) التهذيب في اختصار المدونة (٤/ ١٢) وعيون المجالس (٤/ ١٧٧٣).
(١٢) البناية في شرح الهداية (١٠/ ٣٢٣ - ٣٢٤).
[ ١١ / ١١٥ ]
قوله: (فإذا وقعت الحدود) أي: حصلت قسمة الحدود في المبيع واتضحت بالقسمة مواضعها.
قوله: (وصُرفت) (^١) بضم الصاد وتخفيف الراء المكسورة، وقيل: بتشديدها: أي بيِّنت مصارفها، وكأنه من التصرف [أو] (^٢) التصريف.
قال ابن مالك (^٣): معناه خلصت وبانت وهو مشتق من الصِّرف بكسر المهملة، وهو الخالص من كل شيء، سمي بذلك لأنه صرف عنه الخلط، فعلى هذا صرف مخفف الراء؛ وعلى الأوّل: أي التصريف والتصرّف مشدّد.
قوله: (فلا شفعة) استدلّ به من قال: إن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة لا بالجوار.
وقد حكى في البحر (^٤) هذا القول عن علي، وعمر (^٥)، وعثمان (^٦)، وسعيد بن المسيب (^٧)، وسليمان بن يسار (^٨)، وعمر بن عبد العزيز (^٩)، وربيعة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن والإمامية.
وحكى في البحر (٤) أيضًا عن العترة، وأبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن سيرين، ثبوت الشفعة بالجوار.
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٥).
(٢) في المخطوط (ب): (ومن).
(٣) انظر: لسان العرب (٩/ ١٩٢ - ١٩٣) وتهذيب اللغة (١٢/ ١٦٣).
(٤) البحر الزخار (٤/ ٨ - ٩).
(٥) أخرج أثر عمر: عبد الرزاق في "المصنف" رقم (١٤٣٩٢) وابن حزم في المحلى (٩/ ٨٤، ٩٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٠٥).
(٦) أخرج أثر عثمان: عبد الرزاق في "المصنف" رقم (١٤٣٩٣) وابن حزم في المحلى (٩/ ٨٣، ٩٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٠٥).
(٧) أخرج أثر سعيد بن المسيب: البيهقي (٦/ ١٠٩).
(٨) أخرج أثر سليمان بن يسار: البيهقي (٦/ ١٠٩).
(٩) أخرج أثر عمر بن عبد العزيز: عبد الرزاق في "المصنف" رقم (١٤٣٩٥).
[ ١١ / ١١٦ ]
وأجابوا عن حديث جابر (^١) بما قاله أبو حاتم (^٢): إن قوله: "إذا وقعت الحدود … " إلخ، مدرج من قوله: وردّ بذلك بأن الأصل أن كل ما ذكره في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل ورودِ ذلكَ في حديث غيره مشعر بعدم الإدراج كما في حديث أبي هريرة (^٣) المذكور في الباب.
واستدل في ضوء النهار (^٤) على الإدراج بعدم إخراج مُسلم لتلك الزيادة.
ويجاب عنه بأنه قد يقتصر بعض الأئمة على ذكر بعض الحديث، والحكم للزيادة لا سيما وقد أخرجها مثل البخاري (^٥)، على أن معنى هذه الزيادة التي ادّعى أهل القول الثاني إدراجها هو معنى قوله في كل ما لم يقسم، ولا تفاوت إلا بكون دلالة أحدهما على هذا المعنى بالمعنى بالمنطوق والآخر بالمفهوم (^٦).
واحتج أهل القول الثاني بالأحاديث الواردة في إثبات الشفعة بالجوار؛ كحديث سمرة (^٧) والشريد بن سويد (^٨) وأبي رافع (^٩) وجابر (^١٠) وستأتي.
وأما الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة لمطلق الشريك كما في حديث
_________________
(١) تقدم برقم (٢٤٥١) من كتابنا هذا.
(٢) في العلل (١/ ٤٧٨) رقم الحديث (١٤٣١).
(٣) تقدم برقم (٢٤٥٢) من كتابنا هذا.
(٤) (٣/ ١٤١٥).
(٥) في صحيحه رقم (٢٢٥٧) وقد تقدم.
(٦) المنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق؛ أي يكون حكمًا للمذكور وحالًا من أحواله كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، حيث دل النص بمنطوقه الصريح على جواز البيع وتحريم الربا. والمفهوم ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق؛ أي يكون حكمًا لغير المذكور وحالًا من أحواله. والحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها، فتارة تستفاد منها من جهة النطق تصريحًا، وتارة من جهته تلويحًا؛ فالأول المنطوق، والثاني المفهوم كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على أن النسب يكون للأب لا للأم وعلى أن نفقة الولد على الأب دون الأم، فإن لفظ اللام لم يوضع لإفادة هذين الحكمين، ولكن كلَّا منها لازم للحكم المنصوص عليه في الآية. [إرشاد الفحول (ص ٥٨٧) وتيسير التحرير (١/ ٩١) وتفسير النصوص (٢/ ٥٩٥)].
(٧) يأتي برقم (٢٤٥٥) من كتابنا هذا.
(٨) تأتي برقم (٢٤٥٦) من كتابنا هذا.
(٩) يأتي برقم (٢٤٥٧) من كتابنا هذا.
(١٠) يأتي برقم (٢٤٥٨) من كتابنا هذا.
[ ١١ / ١١٧ ]
جابر (^١) المذكور من قوله في كل شركة، وكما في حديث عبادة بن الصامت الآتي (^٢) فلا تصلح للاحتجاج بها على ثبوت الشفعة للجار إذ لا شركة بعد القسمة.
وقد أجاب أهل القول الأول عن الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة للجار بأن المراد بها [الجار] (^٣) الأخص وهو الشريك المخالط؛ لأن كل شيء قارب شيئًا يقال له: جار، كما قيل لامرأة الرجل: جارة لما بينهما من المخالطة، وبهذا يندفع ما قيل: إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارًا.
قال ابن المنير: ظاهر حديث أبي رافع (^٤) الآتي أنه كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصًا شائعًا من منزل سعد.
ويدل على ذلك ما ذكره عمر بن شبة أن سعدًا كان اتخذ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه .. ثم ساق الحديث الآتي، فاقتضى كلامه أن سعدًا كان جارًا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكًا، كذا قال الحافظ (^٥).
وقال أيضًا: إنه ذكر بعض الحنفية (^٦) أنه يلزم الشافعية (^٧) القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه أن يقولوا بشفعة الجار، لأن الجار حقيقة في [المجاور] (^٨) مجازًا في الشريك.
وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وقد قامت القرينة هنا على المجاز فاعتبر الجميع بين حديثي جابر (١) وأبي رافع (٤)، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك. وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقًا؛ لأنه
_________________
(١) تقدم برقم (٢٤٥٣) من كتابنا هذا.
(٢) برقم (٢٤٥٤) من كتابنا هذا.
(٣) في المخطوط (ب): (للجار).
(٤) يأتي برقم (٢٤٥٧) من كتابنا هذا.
(٥) في الفتح (٤/ ٤٣٨).
(٦) البناية في شرح الهداية (١٠/ ٣٢٩): وشرح معاني الآثار (٤/ ١٢٤).
(٧) روضة الطالبين (٥/ ٧٢) والمهذب (٣/ ٤٤٧) والبيان للعمراني (٧/ ١٠١) والمغني (٧/ ٤٣٨ - ٤٤٠). وسبل السلام بتحقيقي (٥/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٨) في المخطوط (ب): (المجاز).
[ ١١ / ١١٨ ]
يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجوار قدموا الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الشرب، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور.
وأجيب بأن المفضل عليه مقدر: أي الجار أحق من المشتري الذي لا جوار له.
قال في القاموس (^١): الجار المجاور والذي أجرته من أن يظلم والمجير والمستجير والشريك في التجارة وزوج المرأة وما قرب من المنازل والمقاسم والحليف والناصر. اهـ.
والحاصل أن الجار المذكور في الأحاديث الآتية إن كان يطلق على الشريك في الشيء والمجاور له بغير شركة كانت مقتضية بعمومها لثبوت الشفعة لهما جميعًا.
وحديث جابر (^٢) وأبي هريرة (^٣) المذكوران يدلان على عدم ثبوت الشفعة للجار الذي لا شركة له فيخصصان عموم أحاديث الجار.
ولكنه يشكل على هذا الحديث الشريد بن سويد (^٤)، فإن قوله: "ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار"، مشعر بثبوت الشفعة لمجرد الجوار، وكذلك حديث سمرة (^٥) لقوله فيه: "جار الدار أحق بالدار"، فإن ظاهره أن الجوار المذكور جوار لا شركة فيه.
ويجاب بأن هذين الحديثين لا يصلحان لمعارضة ما في الصحيح، على أنه يمكن الجمع بما في حديث جابر الآتي (^٦) بلفظ: "إذا كان طريقهما واحدًا"، فإنه يدل على أن الجوار لا يكون مقتضيًا للشفعة إلا مع اتحاد الطريق لا بمجرده.
ولا عذر لمن قال بحمل المطلق على المقيد من هذا إن قال بصحة هذا الحديث.
_________________
(١) القاموس المحيط (ص ٤٧٠).
(٢) تقدم برقم (٢٤٥١) من كتابنا هذا.
(٣) تقدم برقم (٢٤٥٢) من كتابنا هذا.
(٤) الآتي برقم (٢٤٥٦) من كتابنا هذا.
(٥) الآتي برقم (٢٤٥٥) من كتابنا هذا.
(٦) برقم (٢٤٥٨) من كتابنا هذا.
[ ١١ / ١١٩ ]
وقد قال بهذا؛ أعني ثبوت الشفعة للجار مع اتحاد الطريق، بعض الشافعية (^١)، ويؤيده أن شرعية الشفعة إنما هي لدفع الضرر، وهو إنما يحصل في الأغلب مع المخالطة في الشيء المملوك أو في طريقه، ولا ضرر على جار لم يشارك في أصل ولا طريق إلا نادرًا، واعتبار هذا النادر يستلزم ثبوت الشفعة للجار مع عدم الملاصقة؛ لأن حصول الضرر له قد يقع في نادر الحالات كحجب الشمس والاطلاع على العورات ونحوهما من الروائح الكريهة التي يتأذى بها ورفع الأصوات وسماع بعض المنكرات، ولا قائل بثبوت الشفعة لمن كان كذلك، والضرر النادر غير معتبر؛ لأن الشارع علق الأحكام بالأمور الغالبة، فعلى فرض أن الجار لغة لا يطلق إلا على من كان ملاصقًا غير مشارك ينبغي تقييد الجوار باتحاد الطريق، ومقتضاه أن لا تثبت الشفعة بمجرد الجوار وهو الحق.
وقد زعم صاحب المنار (^٢) أن الأحاديث تقتضي ثبوت الشفعة للجار والشريك ولا منافاة بينها. ووجه حديث جابر (^٣) بتوجيه بارد، والصواب ما حررناه.
قوله: (في كل شركة) في مُسلم (^٤) وسنن أبي داود (^٥): "في كل شِرْك"، وهو بكسر الشين المعجمة وإسكان الراء من أشركته في البيع إذا جعلته لك شريكًا، ثم خفف المصدر بكسر الأول وسكون الثاني، فيقال: شرك وشركة كما يقال كلم وكلمة.
قوله: (رَبْعة) بفتح الراء وسكون الموحدة تأنيث ربع: وهو المنزل الذي يرتبعون فيه في الربيع ثم سمي به الدار والمسكن (^٦).
_________________
(١) البيان للعمراني (٧/ ١٠٥) وحلية العلماء (٥/ ٢٥٩ وما بعدها).
(٢) المنار في المختار من جواهر البحر الزخار للمقبلي (٢/ ٧٢ - ٧٣). - وبحوزتي صورة لمخطوط المنار.
(٣) يأتي برقم (٢٤٥٨) من كتابنا هذا.
(٤) في صحيحه رقم (١٦٠٨/ ١٣٤).
(٥) في سننه رقم (٣٥١٣). وهو حديث صحيح.
(٦) النهاية في غريب الحديث (١/ ٦٢٩).
[ ١١ / ١٢٠ ]
قوله: (لا يحل له أن يبيع) إلخ، ظاهره أنه يجب على الشريك إذا أراد البيع أن يؤذن شريكه.
وقد حكى مثل ذلك القرطبي (^١) عن بعض مشايخه. وقال في شرح الإرشاد (^٢): الحديث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض على الشريك.
قال ابن الرفعة (^٣): ولم أظفر به عن أحد من أصحابنا ولا محيد عنه (^٤).
وقد قال الشافعي (^٥): إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.
وقال الزركشي (^٦): إنه صرح به الفارِقي.
قال الأذرعي: إنه الذي يقتضيه نص الشافعي، وحمله الجمهور من الشافعية وغيرهم على الندب وكراهة ترك الإعلام، قالوا: لأنه يصدق على المكروه أنه ليس بحلال، وهذا إنما يتم إذا كان اسم الحلال مختصًا بما كان مباحًا أو مندوبًا أو واجبًا وهو ممنوع، فإن المكروه من أقسام الحلال كما تقرر في الأصول.
_________________
(١) في "المفهم" (٤/ ٥٢٧).
(٢) الإرشاد، لإمام الحرمين (أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، ت ٤٧٨ هـ) طبع عدة مرات. واسمه: "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد" وسماه الذهبي في "السير" (١٨/ ٤٧٥): "الإرشاد في أصول الدين". [معجم المصنفات (ص ٥٤ رقم ٦٠)]. وأما "شرح الإرشاد" فهو لأبي القاسم الأنصاري، سليمان بن ناصر بن عمران النيسابوري، ث ٥١١ هـ) وراجع: السير (١٩/ ٤١٢) [معجم المصنفات (ص ٢٢٨ رقم ٦٦٩)].
(٣) ذكره القاضي أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي في: "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (٥/ ٢٨١).
(٤) قال أبو العباس بن أحمد الرملي الكبير في حاشيته على "أسنى المطالب" (٥/ ٢٨١): (قوله: ولم أظفر فيه في كلام أحدٍ من أصحابنا) صَرَّح به الفارِقيُّ قال: لكنَّ هذا التحريم لا يمنعُ صِحَّةَ العَقدِ؛ لأنَّه لوَ فسدَ لم يأَخُذِ الشفيعُ بالشفعة.
(٥) ذكره بنحوه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي" (ص ٦٧ - ٦٨، ص ٩٣) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٠٦ - ١٠٧) والمدخل للبيهقي رقم (٢٤٩). وقد أفرد السبكي هذه المقولة بتصنيف مفرد بعنوان "معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي" وهو مطبوع.
(٦) انظر: حاشية الرملي الكبير علي "أسنى المطالب" (٥/ ٢٨١) وقد تقدم آنفًا.
[ ١١ / ١٢١ ]
قوله: (فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به)، فيه دليل على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يؤذنه شريكه بالبيع، وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع فأذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن يأخذه بالشفعة، فقال مالك (^١) والشافعي (^٢) وأبو حنيفة والهادوية (^٣) وابن أبي ليلى والبتي وجمهور أهل العلم (^٤): إن له أن يأخذه بالشفعة ولا يكون مجرد الإذن مبطلًا لها.
وقال الثوري والحكم وأبو عبيد وطائفة من أهل الحديث: ليس له أن يأخذه بالشفعة بعد وقوع الإذن منه بالبيع (^٥).
وعن أحمد (^٦) روايتان كالمذهبين.
ودليل الآخرين مفهوم الشرط، فإنه يقتضي عدم ثبوت الشفعة مع الإيذان من البائع.
ودليل الأولين الأحاديث الواردة في شفعة الشريك والجار من غير تقييد.
وهي منطوقات لا يقاومها ذلك المفهوم.
ويجاب بأن المفهوم المذكور صالح لتقييد تلك المطلقات عند من عمل بمفهوم الشرط من أهل العلم والترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وقد أمكن هاهنا بحمل المطلق على المقيد.
_________________
(١) التهذيب في اختصار المدونة (٤/ ١٢٩).
(٢) البيان للعمراني (٧/ ١٠٩).
(٣) البحر الزخار (٤/ ٧).
(٤) قال ابن قدامة في "المغني" (٧/ ٥١٤): "وجملةُ ذلك أن الشفيعَ إذا عَفَا عن الشفعة قبل البيع، فقال: قد أذِنتُ في البيع، أو قد أسقطتُ شفعتي، أو ما أشبه ذلك لم تسقط، وله المطالبةُ بها متى وُجِدَ البيعُ. هذا ظاهر المذهب - أي مذهب الحنابلة - وهو مذهب مالكٍ، والشافعي والبَتِّيِّ، وأصحاب الرأي". اهـ.
(٥) قال ابن قدامة في "المغني" (٧/ ٥١٥): "وهذا قول الحكم، والثوري، وأبي عُبيد وأبي خيثمة، وطائفة من أهل الحديث. قال ابن المنذر: وقد اختلف فيه عن أحمد، فقال مرة: تبطُلُ شفعتُه، وقال مرة: لا تبطل". اهـ.
(٦) المغني (٧/ ٥١٤ - ٥١٥).
[ ١١ / ١٢٢ ]
٤/ ٢٤٥٤ - (وَعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أن النَّبِيّ ﷺ قَضَى بالشفْعَةِ بَيْنَ الشُّرَكاءِ في الأرْضِينَ وَالدورِ. رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ أحْمَدَ في المُسْنَدِ (^١). [إسناده منقطع] وَيحْتَجُّ بِعُمُومِهِ مَنْ أثْبَتَهَا للشَّرِيك فِيما تَضرُّهُ القِسْمَةُ).
٥/ ٢٤٥٥ - (وَعَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "جارُ الدَّارِ أحَقّ بالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ"، رَوَاهُ أحمَدُ (^٢) وأبُو دَاوُدَ (^٣) والتِّرْمِذِي وَصحَّحَهُ) (^٤). [صحيح لغيره]
٦/ ٢٤٥٦ - (وَعَنِ الشَّريد بْنِ سُوَيْد قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أرْضٌ لَيْسَ لأحَدٍ فِيها شِرْكٌ وَلا قِسْمٌ إلَّا الجِوَارُ؟ فَقَالَ: "الجارُ أحَق بسقَبِهِ ما كانَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^٥) وَالنَّسَائيُّ (^٦) وَابْنُ ماجَهْ (^٧). [صحيح]
وَلابْنِ ماجَهْ (^٨) مُخْتَصَرٌ: "الشَّرِيكُ أحَق بِسَقَبِهِ ما كان". [صحيح]
حديث عبادة أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (^٩)، وهو من رواية إسحاق عن عبادة ولم يدركه.
وتشهد لصحته الأحاديث الواردة في ثبوت الشفعة فيما هو أعم من الأرض
_________________
(١) في زوائد المسند (٥/ ٣٢٦) بسند منقطع.
(٢) في المسند (٥/ ٨).
(٣) في سننه رقم (٣٥١٧).
(٤) في سننه رقم (١٣٦٨) وقال: حديث سمرة حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه ابن الجارود في المنتقى رقم (٦٤٤) والطبراني في الكبير رقم (٦٨٠١) و(٦٨٠٥) و(٦٨٠٦) من طرق. وهو حديث صحيح لغيره؛ لأن الحسن البصري مدلس ولم يصرح بسماعه من سمرة، والله أعلم.
(٥) في المسند (٤/ ٣٨٩).
(٦) في سننه رقم (٤٧٠٣).
(٧) في سننه رقم (٢٤٩٦). وهو حديث صحيح.
(٨) في سننه رقم (٢٤٩٨) من حديث أبي رافع. وهو حديث صحيح.
(٩) كما في "مجمع الزوائد" (٤/ ١٥٩) حيث قال: "رواه الطبراني في الكبير، وإسحاق لم يدرك عبادة".
[ ١١ / ١٢٣ ]
والدار؛ كحديث جابر المتقدم (^١)؛ وكحديث ابن عباس عند البيهقي (^٢) مرفوعًا بلفظ: "الشفعة في كل شيء" ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال.
وأخرج الطحاوي (^٣) له شاهدًا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته كما قال الحافظ (^٤).
ويشهد لحديث عبادة (^٥) أيضًا الأحاديث الواردة بثبوت الشفعة في خصوص الأرض؛ كحديث شريد بن سويد (^٦) المذكور وفي خصوص الدار؛ كحديث سمرة (^٧) المذكور أيضًا.
وهكذا [تشهد] (^٨) له الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة للجار على العموم.
_________________
(١) برقم (٢٤٥٣) من كتابنا هذا.
(٢) في السنن الكبرى (٦/ ١٠٩). قلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٣٧١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٥) والدارقطني (٤/ ٢٢٢ رقم ٦٩) كلهم من طريق أبي حمزة السكري عن عبد العزيز بن رفع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس به. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي حمزة السكري، وقد روى غير واحد عن عبد العزيز بن رفع عن أبي مليكة عن النبي مرسلًا وهذا أصح". اهـ. وقال الدارقطني: خالفه - يعني: أبا حمزة - شعبة وإسرائيل وعمرو بن أبي قيس، وأبو بكر بن عياش، فرووه عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة مرسلًا وهو الصواب، ووهم أبو حمزة في إسناده". وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(٣) في شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٢) من حديث جابر، بلفظ: "قضى النبي ﷺ بالشفعة في كُل شيء". قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٥١٣) و(٣٥١٤) والترمذي رقم (١٣٧٠) والنسائي رقم (٤٦٤٦) وابن ماجه رقم (٢٤٩٢) و(٢٤٩٩) وأحمد (٣/ ٢٩٦، ٣٧٢) والطيالسي رقم (١٦٩١) والدارمي (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤)، وابن الجارود رقم (٦٤٢) و(٦٤٣) والبيهقي (٦/ ١٠٢، ١٠٤) والطبراني في "الصغير" (١/ ٣٧ رقم ٢٥) من أوجه وبألفاظ متعددة. والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(٤) في الفتح (٤/ ٤٣٦) وقال الحافظ في "بلوغ المرام" رقم (١/ ٨٤٨) بتحقيقي: "ورجاله ثقات".
(٥) تقدم برقم (٤/ ٢٤٥٤) من كتابنا هذا.
(٦) تقدم برقم (٦/ ٢٤٥٦) من كتابنا هذا.
(٧) تقدم برقم (٥/ ٢٤٥٥) من كتابنا هذا.
(٨) في المخطوط (ب): (يشهد).
[ ١١ / ١٢٤ ]
وحديث سمرة أخرجه أيضًا البيهقي (^١) والطبراني (^٢) والضياء (^٣)، وفي سماع الحسن [من] (^٤) سمرة مقال معروف قد تقدم التنبيه عليه.
ولكنه أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه (^٥) والطحاوي (^٦) وأبو يعلى (^٧) والطبراني في الأوسط (^٨) والضياء (^٩) عن أنس.
وأخرجه ابن سعد (^١٠) عن الشريد بن سويد بلفظ حديث سمرة المذكور.
وحديث الشريد بن سويد أخرجه أيضًا عبد الرزاق (^١١) والطيالسي (^١٢) والدارقطني (^١٣) والبيهقي (^١٤).
قال في المعالم (^١٥): إن حديث: "الجار أحق بسقبه" لم يروه أحد غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وتكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث.
قال (^١٦): وقد تكلم الناس في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه.
فقال بعضهم: عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، وقال بعضهم: عن أبيه عن أبي رافع، وأرسله بعضهم.
_________________
(١) في السنن الكبرى (٦/ ١٠٦).
(٢) في المعجم الكبير رقم (٦٨٠١) و(٦٨٠٥) و(٦٨٠٦) وقد تقدم.
(٣) لم أقف على الحديث في "المختارة" للضياء.
(٤) في المخطوط (ب): (عن).
(٥) في "التاريخ الكبير" المعروف بـ "تاريخ ابن أبي خيثمة" (٣/ ٢٥٦ رقم ٤٧٢٢ و٤٧٢٣).
(٦) في شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٢).
(٧) لم أقف عليه في المسند.
(٨) في المعجم الأوسط رقم (٨١٤٦).
(٩) في المختارة (٧/ ١٢٢ رقم ٢٥٥٠ و٢٥٥١ و٢٥٥٢ و٢٥٥٣) قال محققه: "رجاله ثقات، لكنه معلول … ".
(١٠) في الطبقات (٦/ ٥١).
(١١) في المصنف رقم (١٤٣٨٠).
(١٢) في المسند رقم (٩٧٣).
(١٣) في السنن (٤/ ٢٢٤ رقم ٧٤).
(١٤) في السنن الكبرى (٦/ ١٠٥).
(١٥) في معالم السنن للخطابي (٣/ ٧٨٨ - مع السنن).
(١٦) أي: الخطابي في معالم السنن (٣/ ٧٨٧ - مع السنن).
[ ١١ / ١٢٥ ]
والأحاديث التي جاءت في نقيضه أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب.
قوله: (جار الدار أحق) قال في شرح السنة (^١): هذه اللفظة تستعمل فيمن لا يكون غيره أحق منه، والشريك بهذه الصفة أحق من غيره وليس غيره أحق منه.
وقد استدل بهذا القائلون بثبوت الشفعة للجار.
وأجاب المانعون بأنه محمول على تعهده بالإحسان والبر بسبب قرب داره، كذا قال الشافعي، ولا يخفى بُعده، ولكنه ينبغي أن يقيد بما سيأتي من اتحاد الطريق ومقتضاه عدم ثبوت الشفعة بمجرد الجوار.
قوله: (أحق بسقبه) (^٢) بفتح السين المهملة والقاف وبعدها باء موحدة، ويقال (^٣) بالصاد المهملة بدل السين المهملة، ويجوز فتح القاف وإسكانها وهو القرب والمجاورة.
وقد استدل بهذا الحديث القائلون بثبوت شفعة الجار.
وأجاب المانعون بما سلف.
قال البغوي (^٤): ليس في هذا الحديث ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد به الشفعة، ويحتمل أن يكون أحق بالبر والمعونة. اهـ.
ولا يخفى بُعد هذا الحمل لا سيما بعد قوله: "ليس لأحد فيها شرك".
والأولى الجواب بحمل هذا المطلق على المقيد الآتي من حديث جابر (^٥). لا يقال: إن نفي الشرك فيها يدل على عدم اتحاد الطريق فلا يصح تقييده بحديث جابر (٥) الآتي، لأنا نقول: إنما نفى الشرك عن الأرض لا عن طريقها، ولو سلم عدم صحة التقييد باتحاد الطريق فأحاديث إثبات الشفعة بالجوار [مخصصة] (^٦) بما سلف، ولو فرض عدم صحة التخصيص للتصريح بنفي الشركة فهي مع ما فيها من
_________________
(١) البغوي في شرح السنة (٨/ ٢٤٢).
(٢) النهاية في غريب الحديث (١/ ٧٨٥).
(٣) الصحاح (١/ ١٦٣).
(٤) في شرح السنة (٨/ ٢٤٢).
(٥) الآتي برقم (٢٤٥٨) من كتابنا هذا.
(٦) في المخطوط (ب): (مخصص).
[ ١١ / ١٢٦ ]
المقال لا تنتهض لمعارضة الأحاديث القاضية بنفي شفعة الجار الذي ليس بمشارك كما تقدم.
٧/ ٢٤٥٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّريدِ قالَ: وَقَفْتُ على سَعَدِ بْنِ أبي وَقاصٍ، فَجاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ثُمَّ جاءَ أبُو رَافِعٍ مَوْلى النَّبيِّ ﷺ فَقالَ: يا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ في دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَالله ما أبْتاعُهُما، فَقَالَ المِسْوَرُ: وَالله لَتَبْتَاعَنَّهُما، فَقَالَ سَعْدٌ: وَالله ما أزِيدُك عَلى أرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ أوْ مُقَطَّعَةٍ، قالَ أبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمائَةِ دِينارٍ، وَلَوْلا أني سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُولُ: "الجارُ أحَق بِسَقَبِهِ" ما أعْطَيْتُكَها بأرْبَعَةِ آلاف وأنا أُعْطَى بِها خَمْسمائَةِ دِينارٍ، فأعْطاها إيَّاهُ. رَوَاهُ البُخارِيّ) (^١). [صحيح]
قوله: (ابتع [مني] (^٢) بيتي) بلفظ التثنية، أي: البيتين الكائنين في دارك.
قوله: (فقال المسور) في رواية أن أبا رافع (^٣) سأل المسور أن يساعده على ذلك.
قوله: (منجَّمة أو مقطَّعة) شك من الراوي، والمراد مؤجَّلة على أقساط معلومة.
قوله: (أربعة آلاف) في رواية للبخاري في كتاب ترك الحيل من صحيحه (^٤): "أربعمائة مثقال"، وهو يدل على أن المثقال إذ ذاك كان بعشرة دراهم، والحديث فيه مشروعية العرض على الشريك، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وفيه أيضًا ثبوت الشفعة بالجوار، وقد سلف بيانه.
قال المصنف (^٥) ﵀: ومعنى الخبر والله أعلم إنما هو الحث على عرض المبيع قبل البيع على الجار وتقديمه على غيره من الزبون كما فهمه الراوي
_________________
(١) في صحيحه رقم (٢٢٥٨).
(٢) ما بين الخاصرتين سقط من (ب).
(٣) البخاري في صحيحه رقم (٦٩٧٧).
(٤) (١٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩) رقم الباب (١٥) رقم الحديث (٦٩٨١)، وعنوان الباب: باب احتيال العامِل ليهدى له - مع الفتح).
(٥) ابن تيمية الجد في المنتقى (٢/ ٤١٨).
[ ١١ / ١٢٧ ]
[له] (^١)، فإنه أعرف بما سمع. اهـ.
الزَّبْنُ: الدَّفْعُ، ويُطلَقُ على بيع المزابنةِ. وقد تقدم، وعلى بيع المجهول بالمجهول من جنسه، وعلى بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن، أفاد معنى ذلك في القاموس (^٢).
٨/ ٢٤٥٨ - (وَعَنْ عَبْدِ المَلِك بْنِ أبي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ: "الجارُ أحَقُّ بِشُفْعَةِ جارِهِ يُنْتَظَرُ بِها وَإنْ كانَ غائِبًا إذَا كانَ طَرِيقُهُما وَاحِدًا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (^٣). [ضعيف]
الحديث حسنة الترمذي (^٤)، قال: ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث، وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث. اهـ.
وقال الشافعي (^٥): نخاف أن لا يكون محفوظًا.
وقال الترمذي (^٦): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به. ويروى عن جابر خلاف هذا. اهـ.
قال المصنف (^٧) رحمه الله تعالى: وعبدُ الملك هذا ثِقة مأمونٍ، ولكن قد أنكر عليه هذا الحديث.
_________________
(١) ما بين الخاصرتين سقط من (ب).
(٢) القاموس المحيط (ص ١٥٥٢).
(٣) أحمد في المسند (٣/ ٣٠٣) وأبو داود رقم (٣٥١٨) والترمذي رقم (١٣٦٩) وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه رقم (٢٤٩٤). قلت: وأخرجه النسائي في الكبرى كما في "التحفة" (٢/ ٢٢٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٠، ١٢١) والبيهقي (٦/ ١٠٦) وعبد الرزاق رقم (١٤٣٩٦) وابن أبي شيبة (٧/ ١٦٥ - ١٦٦) والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/ ٣١) وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٤١) من طرق. وهو حديث ضعيف، والله أعلم.
(٤) في السنن (٣/ ٦٥٢).
(٥) في "الأم" (١٠/ ٢١٦ - اختلاف الحديث).
(٦) في السنن (٣/ ٦٥٢).
(٧) ابن تيمية الجد في المنتقى (٢/ ٤١٨).
[ ١١ / ١٢٨ ]
قال شعبةُ: سها فيه عبد الملك، فإن روى حديثًا مثله طرحتُ حديثه، ثم ترك شعبة التحديث عنه.
وقال أحمد: هذا الحديث منكر.
وقال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك، وقد أنكروه عليه.
قلت: ويقوي ضعفه رواية جابر الصحيحة (^١) المشهورة المذكورة في أول الباب. اهـ.
ولا يخفى أنه لم يكن في شيء من كلام هؤلاء الحفاظ ما يقدح بمثله.
وقد احتج مسلم في صحيحه بحديث عبد الملك بن أبي سليمان (^٢) وأخرج له أحاديث، واستشهد به البخاري، ولم يخرجا له هذا الحديث.
قوله: (ينتظر بها) مبني للمفعول.
قال ابن رسلان: يحتمل انتظار الصبي بالشفعة حتى يبلغ.
_________________
(١) تقدم برقم (٢٤٥١) من كتابنا هذا.
(٢) عبد الملك بن أبي سليمان ميسرةَ العَرْزمي، أبو محمد بن ميسرة الكوفي أحد الأئمة. قال "في"التقريب" له أوهام من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومائة. رقم الترجمة (٤١٨٤). وضعّفه شعبة لأجل حديث رواه عن عطاء عن جابر في الشفعة تفرَّد به عن عطاء، وهو حديث: "الجارُ أحقُّ بشفعة جاره … " قال شعبة: لو أتى بآخر مثل هذا لرميت بحديثه بالكلية. وقال الترمذي: "ولا نعلم تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث". وبَيّن الخطيب أن شعبة أساء في هذا، وقال ابن حبان: "ربما أخطأ كان عبد الملك من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث من حفظه أن يهم، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثَبْتٍ صحت عدالته بأوهام يهم في روايته، ولو سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك حديث الزهري، وابن جريج، والثوري، وشعبة؛ لأنهم أهل حفظ وإتقان وكانوا يحدثون من حفظهم، ولم يكونوا معصومين حتى لا يَهِمُوا في الروايات، والأولى في مثل هذا قبول ما يروي الثبت من الروايات، وترك ما صح أنه وهم فيها ما لم يفحش ذلك منه حتى يغلب على صوابه. فإن كان ذلك استحق الترك حينئذٍ". اهـ. ["خلاصة القول المفهم على تراجم رجال جامع الإمام مسلم" (١/ ٣٥٦)، ورجال صحيح مسلم لابن منجويه (١/ ٤٣٥ رقم ٩٧٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٩٦ - ط: دار الفكر)].
[ ١١ / ١٢٩ ]
وقد أخرج الطبراني في الصغير (^١) والأوسط (^٢) عن جابر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: "الصبي على شفعته حتى يدرك، فإذا أدرك فإن شاء أخذ وإن شاء ترك"، وفي إسناده عبد الله بن [بزيع (^٣)] (^٤).
قوله: (وإن كان غائبًا) فيه دليل على أن شفعة الغائب لا تبطل وإن تراخى، وظاهره أنه لا يجب عليه السير متى بلغه للطلب أو البعث برسول كما قال مالك (^٥)، وعند الهادوية (^٦) أنه يجب عليه ذلك إذا كان مسافة غيبته ثلاثة أيام فما دونها، وإن كانت المسافة فوق ذلك لم يجب.
قوله: (إذا كان طريقهما واحدًا) فيه دليل على أن الجوار بمجرده لا تثبت به الشفعة، بل لا بد معه من اتحاد الطريق، ويؤيد هذا الاعتبار قوله في حديث جابر (^٧) وأبي هريرة (^٨) المتقدمين: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". وقد أسلفنا الكلام على الشفعة بمجرد الجوار.
فائدة: من الأحاديث الواردة في الشفعة حديث ابن عمر عند ابن ماجه (^٩)
_________________
(١) في المعجم الصغير (٢/ ٢٨).
(٢) في المعجم الأوسط رقم (٦١٤٠). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ١٥٩) وقال: "وفيه عبد الله بن بزيع وهو ضعيف".
(٣) عبد الله بن بزيع الأنصاري قاضي تستر، قال الدارقطني: لين، ليس بمتروك، وقال ابن عدي: ليس بحجة [الميزان (٢/ ٣٩٦)].
(٤) في المخطوط (أ): (بزيغ) وهو خطأ كما تقدم.
(٥) التهذيب في اختصار المدونة (٤/ ١٢٩) وعيون المجالس (٤/ ١٧٦١).
(٦) البحر الزخار (٤/ ١٣).
(٧) تقدم برقم (٢٤٥١) من كتابنا هذا.
(٨) تقدم برقم (٢٤٥٢) من كتابنا هذا.
(٩) في سننه رقم (٢٥٠٠) و(٢٥٠١) وهما حديثان، وليس حديث واحد رواهما ابن ماجه. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٢٨٣): "هذا إسناد ضعيف، محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني قال فيه ابن عدي: كل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه. وإذا روى عنه محمد بن الحارث فهما ضعيفان. وقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٦٤): حدث عن أبيه نسخة كلها موضوعة لا يجوز الاحتجاج به، ولا ذكره إلا على وجه التعجب". اهـ. وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.
[ ١١ / ١٣٠ ]
والبزار (^١) بلفظ: "لا شفعة لغائب ولا لصغير، والشفعة كحل عقال"، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني وله مناكير كثيرة.
وقال الحافظ (^٢): إن إسناده ضعيف جدًّا، وضعفه ابن عدي (^٣).
وقال ابن حبان (^٤): لا أصل له. وقال أبو زرعة: منكر. وقال البيهقي: ليس بثابت.
وروى هذا الحديث ابن حزم (^٥) عن ابن عمر أيضًا بلفظ: "الشفعة كحل العقال، فإن قيدها مكانه ثبت حقه وإلا فاللوم عليه"، وذكره عبد الحق في الأحكام (^٦) عنه. وتعقبه ابن القطان (^٧) بأنه لم يروه في المحلى، ولعله في غير المحلى.
وأخرج عبد الرزاق (^٨) من قول شريح: إنما الشفعة لمن واثبها، وذكره قاسم بن ثابت في دلائله، ورواه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي (^٩) بلا إسناد بلفظ: "الشفعة لمن واثبها"، أي بادر إليها، ويروى: "الشفعة كنشط عقال".
_________________
(١) لم أقف عليه في كشف الأستار، ولا في مختصر زوائد البزار، ولا في المسند المطبوع منه (١ - ١١) جزء. والله أعلم. وقد عزاه إلى البزار الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١٢٥) وقال: "وإسناده ضعيف جدًّا، وقال في رواية البزار: محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني مناكيره كثيرة … ". اهـ.
(٢) في "التلخيص" (٣/ ١٢٥).
(٣) في الكامل (٦/ ٢١٨٥ - ٢١٨٨).
(٤) انظر: "المجروحين" (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٦) و"تذكرة الحفاظ أطراف أحاديث كتاب المجروحين لابن حبان" (ص ٣٩٠) رقم (١٠٠٥) والجرح والتعديل (٧/ ٣١١).
(٥) في المحلى (٩/ ٩١).
(٦) في الأحكام الوسطى (٣/ ٢٩٢) ط: الرشد.
(٧) في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٧٨٥).
(٨) في "المصنف" رقم (١٤٤٠٦).
(٩) الحاوي الكبير (٧/ ٢٤٠). وانظر: "التلخيص" (٣/ ١٢٦).
[ ١١ / ١٣١ ]