في ما يعتمده الملك لخاصته في وقت الصيد وفي سيره ونزوله العمدة الكبرى والعروة الوثقى أن لا يغرر بنفسه في انفراده لما في ذلك من الغرر والضرر، حكي عن بعض الخلفاء وهو هشام، وكان مغرمًا بالصيد، فاتفق له أنه انفرد فصادف أعرابيًا في بيت شعر، وعنده فرس مرتبط عند بيته، فتشاجر الأعرابي، فأغلظ الأعرابي على الخليفة فهمّ عليه الخليفة فوثب الأعرابي إلى فرسه، فركبه وضرب الخليفة بالرمح فشجّه وأدماه، فلحقه الأتباع ومسكوا الأعرابي وأتوا به المخيم، فاعتذر الأعرابي وأطلق. والحكاية فيها طول وهذا ملخصها.
وقد شهر ما اتفق للملك الأشراف بن الملك المنصور قلاوون رحمهما الله، وذلك أن الأشراف خليل كان قد ركب اكديشًا وليس معه سيف، وبيده رقمة الطبل فاتفق ما قدر في اللوح المحفوظ بتروجة.
قال لمؤلف: ولا يجوز شرعًا أن يغرر الملك بنفسه بانفراده، وأن يضيع حق الرتبة، ويتكل على المقادير، فإن اتفق ما اتفق فلا تنفعه المعاذير.
[ ٦ ]
قال علماؤنا: القضاء يؤمن به ولا يحتج به. وأما كيفية سيره إلى الصيد فلا يبعد عن أوطانه إلا إذا تحقق من خواصه الشفقة والنصيحة وأن يستصحب الثقاة من أكابر دولته ذوي المحبة، ولا يقدمّن صغيرًا على كبير، فإن ذلك آفة على المملكة، ولا يمدحنّ صغيرًا بحضرة كبير، فإن للنفوس حظوظًا وكمائن وعلاقات عرضية وعرضية فالحذر من ذلك. ولا يصلح للسلطان حين السير الامتلاء من الطعام والشراب ولا لغيره أيضًا، فإن السلطان كالرأس للبدن ولا ينبغي الدعاء عليه وإن جار، بل يدعى له بالصلاح ويهدى له كل نصيحة على تنوعاتها، فإن شئت قلت "والدًا"، وإن شئت قلت "أستاذًا" وإن شئت قلت "أخًا في الله"، فمن حيث الجملة وجب نصحه وموالاته وإتحافه بكل ما يقدر عليه، اللهم أصلح سلطاننا ووفق أمراءنا وعلّم علماءنا، وارزقنا طاعتهم فيما تحبه وترضاه آمين.