قيل: إن أول من تصيد بالصقر الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة فإنه وقف يومًا يصطاد، وقد نصب للعصافير شبكة؛ فانقض شاهين على عصفور منها قد علق فأكله، والملك يعجب منه، فأتى به وقد أندق جناحه فرماه في كسر البيت فرآه بعد أيام وقد صح ولا يبرح ولا ينفر، وإذا رمي له طعمًا يأكله، وإذا رأى لحمًا نهض إليه حتى دعي فأجاب وأطعم على اليد. فأمر الملك باتخاذها والتصيد بها، فبينما هو يسير يومًا، وهو معه غذ انفتحت أرنب فطار الصقر إليها فأخذها، فطلب حينئذٍ الطير والأرنب. وأخذته العرب من بعده.
وقال القدماء: إن أول من تصيد به المنذر، فقيل له، وما الذي رأيت أيها الملك من هذا الطائر.
فقال: جميع ما ترون في هذه الأرض من ذوات المخلب عايلة على هذا الطائر، وذلك أنه كلما صاد شيئًا نزل إليه بعض هذه الطيور تركه ومضى إلى آخر يصيده، فإذا صاده نزل إليه آخر فسلمه إليه فكان ذلك دأبه يومه.
فقيل: فما الدليل على كرمه. فقال: الدليل عليه أنه يصيد ولا يأكل من الذي يصطاده، فإذا نزل عليه شيء من الطيور تركه ومضى، ولا يلتفت إلى ما ورائه، فإن المتأسف على الشيء الذاهب منه لا يزال يلتفت إليه، وهذا يدل على كرمه وشجاعته وسرعته في المطار.
قال: فبينما هو كذلك وقد صاد طريدة وقعد ليأكلها فجاء عقاب فأخذها منه والملك وأصحابه ينظرون. فقال الملك: دخل عليّ الضيمّ من أجل هذا الطائر.
قال: ثم طار وارتفع في السماء وعلا في الهواء إلى أن غيب نفسه ثم نزل على العقاب فضربه ضربةً واحدةً فقتله، وأخذ ما كان مع العقاب وأكله. والملك ينظر إليه.
فقال الملك: لله در هذا الطير ما أشجعه، لم يزل يتكلم إلى أن رأى الضيم، فأزاله بقدرته. ثم أمر أن يصاد له ذلك الطائر فنصبت له الأشراك وقبض وحمل إلى الملك وصاد به جميع الطير، وأول ما أضراه على الظبي وصاد به الأرنب.