والمؤذيات المطرودة هي كل داعر من خنزير وضبع وذئب وثعلب وابن آوى وغزال وأرنب.
[ ٤٧ ]
فمن أراد طردهن من مكانه أو كرمه أو قصبه أو زرعه، فليستعن بالله ﷿ وليأخذ قدرًا كبيرًا من خزف ويخرق أسفلها حيث يدخل إليها يداه في دفعة واحدة، ويجعل سفلها بوسع رأسها وتكون القدر كبيرة لها جون وسيع ثم يرقم رأسها بجلد شديد، ويشد كما يشد رقم الطبل ويدعه إلى أن يجف، ثم يخرق وسط الرقم بشفا يعني مخرز غليظ، ويجيز من ذلك الخرم شيئًا من شعر فرس أطول شيء وأخشن شيء يكون من الرقم إلى جوف القدر ما يفضل عن القدر إلى خارج القدر من أسفلها، ويكون مقدار سمك الشعر خمسين شعرة إلى ستين، هذا المقدار لا غير ويعمل في أسفل الشعر ما يمنعه أن يجوز عن الرقم إذا جذب ذلك الشعر من داخل مربوط بحبل قوي ثم لا ينتهزه بالنهر لئلا يراه أحد أو يسمعه إلا في وقت حاجته إليه. وهو إذا انتصف الليل خرج إلى المكان الذي يريد أن يطرد عنه الوحش يجلس في وسط المكان سواء، ولف على كفيه ومسبحتيه خرقًا مبلولة، وكلما نشفت بلها، وأدخل يده في القدر من أسفلها، وقبض على تلك الخصلة الشعر، ويشد القدر برجليه الزوج، ويجر لك الشعر إلى منتهى الشعر، فإذا انتهت بيده أجاز يده الأخرى، وقبض قبل انتهاء اليد الأولى، وفعل مثل ما فعل بتلك اليد الأولى، بعد أن يكون قد خلاه من يده الأولى عند الانتهاء، واعتبار ذلك إذًا قل الشوط، فإنه متى فعل ذلك ثلاث ليال متواليات في نصف الليل وفي آخر الليل لم يدخل إلى كرمه أو أرضه شيء من المؤذيات بقوة الله تعالى، والسبب الداعي في تنفير هذه المؤذيات هو الصوت الذي يخرج من القذر المذكور لأنه يشبه أزيز الأسد، وهو أشد ما يكون، وإن أزيز الأسد يصل في الليل دون الفرسخ ويزيد مع العارف به ما يفعله في ترتيب الصوت الخارج من القدر.
ولا ينبغي أن يطنب به في كل ليلة غير تلك الليالي الأول، ولا يزيد على أكثر من ثلاث ليال والصواب فيه أن يكون ما يفعله يخرج أول الليل وآخره، وهو إذا مضى من الليل النصف الأول وآخر الليل الصباح الأول، وشرطه الكتمان وقليل فاعله، ومتى ما لعب به فسد الأمر وانكشف، ولا يفيد بعد.
والقنُّ يذكر نكتًا في الكتمان، قال نبي الله سليمان بن داود ﵉: ليكن أصدقاؤك كثيرًا، ويكون صاحب سرك واحدًا من ألف.
وقيل: إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه، فصدر الذي يستودع السر أضيق.
أما في وقتنا هذا، فيعسر كتمان الأسرار خصوصًا عند أصحاب القهوة، فإنه لا يجوز أن يستودعوا سرًا بالجملة الكافية.
وأقول أيضًا: كل من له صبوة بصورة فمن المحال أن يكتم ممن يحبه سره، وقلة الثقة بالناس من أكبر السياسات كما قيل، رجل يساوي ألف رجل، وألف رجل لا يساوي رجلًا.
وكقول رسول الله ﷺ: "الناس كإبل مائة ما توجد فيها راحلة" كل ذلك يريد أن الفضل قليل والنقص كثير، نسأل الله الرشد والتوفيق والحفظ بمنه وكرمه.
والقنّ يمدح هذا الرجل الذي يكتم الأسرار بهذا البيت، وأكرره في العقول ليكون ذخيرة المأمول:
عذرًا إليه فإننا من عجزنا وقصورنا عن مدحه نستغفر
ويرجع إلى ما استخير في تأليفه.