إن البيرونى حمل على ابن قتيبة من ناحية أخرى فقال فى ذكره المنازل عند أهل خوارزم (فى كتاب الآثار الباقية، ص ٢٣٨):
«وهم أعرف بها كانوا من العرب. يدلّك على ذلك موافقة تسميتهم لها للاسماء التى سمّاها متولى تصويرها ومخالفة فى ذلك من العرب وتصورهم إياها بغير صورها حتى أنهم عدوّا الجوزاء فى جملة البروج مكان التوأمين وكذلك لو تأملت أساميهم للكواكب الثابتة، لعلمت أنهم كانوا
[ ٢٨ ]
من علم البروج والصور بمعزل وإن كان أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الجبلى يهوّل ويطول فى جميع كتبه، وخاصة فى كتابه فى تفضيل العرب على العجم. وزعم أن العرب أعلم الامم بالكواكب ومطالعها ومساقطها. ولا أدرى أجهل أم تجاهل ما عليه الزراعون والأكرة فى كل موضع وبقعة من علم ابتداء الأعمال وغيرها ومعرفة الأوقات على مثل ذلك. فان من كان السماء سقفه، ولم يكنّه غيرها، ودام عليه طلوع الكواكب وغروبها على نظام واحد، علّق مبادئ أسبابه ومعرفة الأوقات بها. بل كان للعرب ما لم يكن لغيرهم، وهو تخليد ما عرفوه أو حدسوه، حقا كان أو باطلا، حمدا كان أو ذمّا، بالأشعار والارجوزة والأسجاع.
وكانوا يتوارثونها فتبقى عندهم أو بعدهم. ولو تأملتها من كتب الأنواء.
وخاصة كتابه الذى وسمه بعلم مناظر النجوم «١» ومما أوردنا بعضه فى آخر الكتاب، لعلمت أنهم لم يختصوا من ذلك بأكثر مما اختص فلّاحو كل بقعة. ولكن الرجل مفرط فيما يخوض فيه، وغير خال عن الأخلاق الجبلية فى الاستبداد بالرأى. وكلامه فى هذا الكتاب المذكور يدل على إحن وترات بينه وبين الفرس إذ لم يرض بتفضيل العرب عليهم حتى جعلهم أرذل الامم وأخسّها وأنذلها؛ ووصفهم بالكفر ومعاندة الإسلام بأكثر مما وصف الله به الأعراب فى سورة التوبة، ونسب إليهم من القبائح ما لو تفكر قليلا وتذكّر أوائل من فضل عليهم، لكذّب نفسه فى أكثر ما قاله فى الفريقين تفرّطا وتعدّيا» - هـ.
[ ٢٩ ]
لم يصل إلينا مع الأسف كتاب «فضل العرب» بتمامه. والذى نشره المرحوم محمد كرد على (فى رسائل البلغاء، طبعة جديدة للجنة التأليف والترجمة بمصر سنة ١٩٤٦، ص ٣٤٤ إلى ٣٧٧) ليس إلا قطعة منه نلتقط منها ما سيبين القارئ اسلوب ابن قتيبة فى هذا البحث السياسى من الجدال الشعوبى من ذلك العصر:
«فلا يمنعنى نسبى فى العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها (ص ٣٥٦) .
ولم أر فى هذه الشعوبية أرسم عداوة ولا أشد نصبا للعرب من السفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى. فأما أشراف العجم وذوو الأخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف ثابتا (ص ٣٤٥) . وعدل القول فى الشرف أن الناس لأب وامّ، خلقوا من تراب واعيدوا إلى التراب، وجروا مجرى البول، وطووا على الأقذار. ثم إلى الله مرجعهم، فتنقطع الأنساب وتبطل الأحساب إلا من كان حسبه تقوى الله (ص ٣٥٦) . فهذه حالها فى الجاهلية مع أحوال كثيرة فى العلم والمعرفة سنذكرها بتمامها بعد إن شاء الله» (ص ٣٧٣) .
فليس فى هذا كله ما يستوجب الحملة الشديدة التى أباحها البيرونى.
والحقّ أن ابن قتيبة، الذى كان عجمى النسب، كما ذكر هو فى أول الكلام، لم يرد بهذه الرسالة الانتصار الروح الإسلامية. ولم يكن قصده تفضيل العرب على أحد، بل تسكيت الذين كانوا ينقمون من العرب تعصبا، وينسبون إليهم الأقذار والتوحش.
كما قلنا آنفا لم يصل إلينا مع الأسف قسم العلوم من كتاب
[ ٣٠ ]
ابن قتيبة فى تفضيل العرب على العجم فنحكم فيه بعين اليقين. أما ما فى كتابنا هذا؛ فجميع ما قال ابن قتيبة عن الموضوع، هو كما يلى:
«وكان غرضى فى جميع ما أنبأت به الاقتصار على ما تعرف العرب فى ذلك وتستعمله، دون ما يدعيه المنسوبون إلى الفلسفة من الأعاجم، ودون ما يدعيه أصحاب الحساب. فانى رأيت علم العرب بها هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان» (فقرة «٢» ص ١، ٢) .
فلا توجد فيه داعية كافية للحملة الشعواء التى حمل بها البيرونى على مؤلفنا. ولو صح ما روى البيرونى، فهو أمر سياسى، يتعلق بجواب غلاة الشعوبية الذين أنكروا جميع الفضل للعرب، بدوّيهم وحضريّهم، وكان فى الحقيقة دسيسة وسترا ينقمون من ورائه الإسلام وتسويته بين جميع أبناء آدم. فلا فائدة ههنا فى البحث عن هذه المغالاة والتنافس.